التربية الإسلاميّة عبر العصور / يوسف خليفة أبو بكر
منابع : مجلة آفاق الحضارة الاسلامية العدد 10 | تاریخ درج : ‎1389/4/12 | بازدید : 437
کلید واژه ها :

فلسفة التربية والتعليم وأهدافها في الإسلام

قبل أن نتحدث عن الجوانب التاريخية للتربية الإسلامية يجدر أن نقدم نبذة مختصرة عن فلسفة التربية الإسلامية، هدفها ومنهجها، وهذه الفلسفة والأهداف هي التي تشكل خلفية الإنسان المسلم والتي تجعله يختلف اختلافاً جذرياً عن الإنسان في الفلسفات الأخري القديمة والمعاصرة، فالإسلام ينظر إلي الإنسان كجسد، وروح، وعقل، ولذا فإن التربية الإسلامية قد عنيت بتربية الإنسان جسماً وروحاً وعقلاً.

ومحور التربية الإسلامية يدور حول الإيمان باللّه . و(اللّه ) حيّ في ضمير كلّ مسلم، ومن خلاله ينظر المسلم إلي الكون وإلي الحياة الدنيا والآخرة، ومن خلاله يتعامل مع هذا الكون والإنسان والحياة ويتخذ مواقفه من الآخرين.

والمسلم يسمي (اللّه ) في بدايات أعماله كلها،

ويدعوه ويسأله في كلّ زمان ومكان،

وإليه يلجأ في كلّ الأحوال،

وبه يقسم اليمين،

ويردد اسمه في كلّ وقت شاهداً بأنه اللّه الذي لا إله إلاّ هو الواحد، الأحد، الصمد، الّذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

وجميع صفاته ماثلة أمامه، حية في نفسه وعقله، فهو الخالق، الرحمن الرحيم، القادر، الجبار، القهار، وهو الوهاب الرزاق، الفتاح، العليم بكلّ شيء وهو الخافض، الرافع، المعز، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف، الخبير، هو المحيي، المميت إلي آخر صفات الكمال.

هذه الصورة عن (اللّه ) هي التي تمتلك ضمير الفرد المسلم، وتشكل المجتمع المسلم، وعليها تقوم التربية الإسلامية. وهذا التصور هو الّذي يرسم للمسلم مُثُلَهُ وقيمه في الحياة، كفرد، وكمجتمع، وعلي أساس ذلك يتعامل مع الآخرين مسلمين وغير مسلمين.

وكما أنّ للمسلم فلسفته في بداية الإنسان ونشأته، فله أيضاً فلسفته في نهاية الحياة وبدايتها، علي خلاف فلسفة الحضارات الأخري. فبداية الإنسان آدم، وأنّ اللّه قد خلق الإنسان خلقاً كريماً وكرّمه تكريماً، وحمّله رسالة وأمانة أبت أن تحملها السموات والأرض والجبال، وبذلك أزال المسلم القلق والتناقض الذي يعيش فيه غيره ممن يعيش في غموض مادية الوجود وحتمية التطور وأطوار حياة الإنسان من الخلية الواحدة إلي مرحلة الفرد.

وفكرة الخطيئة الأولي التي ارتكبها آدم، هي عند المسلم ليست موروثة، ورثها آدم لأبنائه ولكن «لا تزر وازرة وِزرَ أُخري » ، وأن آدم قد تاب فتاب اللّه عليه وهدي وهذه هي سنة اللّه في أبناء آدم من بعده.

وفكرة (الشيطان) ودوره مع الإنسان للانحراف به عن طريق الخير إلي طريق الشر، هي أيضاً ركيزة في فلسفة الإسلام، علي خلاف الحضارات الأخري.

وأخيراً فكرة (الآخرة) والحساب والعقاب، والجنة والنار، والخلود جعلت المسلم يحسّ بأن حياته مستمرة، وأنها ذات فترتين الأولي منها إعداد للثانية، وهذا ما جعله في حالة استقرار نفسي لعمله ببدايته ونهايته، وجعله يحس برسالته في هذه الحياة، ويتطلع دائماً إلي الحياة الأفضل في الدنيا والآخرة.

لهذا كانت فلسفة التربية الإسلامية تهدف إلي إعداد الإنسان في مجالين مترابطين.

الأول: إعداد للحياة الدنيا استخلفه اللّه فيها لعمارتها بكل ما يعود علي إنسانية بالخير والنفع.

الثاني: إعداد للحياة الآخرة التي إليها معاده.

وكلاهما يتطلب تمكينه من مجموعة من المعارف الدنيوية والأخروية ومجموعة من المهارات التي تعينه علي أداء رسالته في هذه الحياة، وإصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه.

لذا قسّم حجة الإسلام الغزالي العلم إلي قسمين، فرض عين، وفرض كفاية، وفرض العين هو ما تتم به معرفة اللّه وما يلزم العبد لتمكينه من أداء ما فرض عليه ومعرفة الحلال والحرام.

وفرض الكفاية كما يري الغزالي ما يلزم معرفته لإكمال الدين كالنحو والقراءات والحساب والطب... الخ.

وهذا التصور لفلسفة التربية والتعليم لدي المسلمين الأوائل كان السبب في تقدم المسلمين في كلا المجالين، مجال العلوم الكونية ومجال العلوم الشرعية، كما أدي إلي ازدهار حركة الترجمة، ونقل النظريات القديمة ونقدها وصياغتها من جديد من وجهة النظر الإسلامية.

التربية والتعليم عند المسلمين الأوائل

كانت الظاهرة الجديدة التي ميزت تاريخ العرب عند ظهور الإسلام هي التعلم، بل كان التعليم سمة ميزت كلّ العصور الإسلامية منذ عهد الرسول (ص) بداية بافتداء الأسري بتعليم الكتابة والقراءة إلي إنشاء الكتاتيب وتشييد المكتبات ودور الحكمة وبناء الجامعات التي كانت قبلة الدارسين من الشرق والغرب مسلمين وغير مسلمين. ومما أدي إلي نشر التعليم واتساعه أنّ الإسلام سوّي بين معتنقيه فلا فضل لعربيّ علي عجميّ إلاّ بالتقوي، وبذا صار التعليم حقاً مشرعاً لكلّ مسلم بل صار فريضة علي كلّ مسلم ومسلمة، وبذا جاء الإسلام بديمقراطية التعليم قبل أن يعرفها الغرب بخمسة عشر قرناً من الزمان.

وفطن المسلمون إلي أهمية التربية فأحدثوا لها النظريات وتأثرت كلّ طائفة من العلماء بالمذهب الذي ذهبت إليه، فاختلفت مناهجهم التربوية مع اتفاقهم في أغراض التربية والتعليم ومناهجها. وكانت هذه الاختلافات نتيجة لنقل كتب الفلاسفة اليونان إلي العربية في عصر المأمون، فاشتغلوا بعلم المنطق والإلهيات وربطوا بين العلم والدين وظهرت الفلسفة الإسلامية متميزة عن الفلسفة اليونانية وظهر عدد من الفلاسفةِ المسلمين الذين كان له أثر واضح في الفكر الإسلامي ثم الفكر الأوروبي ووضعوا مبادئ، وبنوا عليها مناهجهم من التربية والتعليم. والذي يتصفّح ما كتبه حجة الإسلام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) تحت عنوان: (قواعد ومبادئ يسير عليها المعلم والمتعلم) يجد فيها تحليلاً نفسياً دقيقاً يدلّ علي النضج وخصب القريحة، وعلي معرفته التامة بنفسية المعلم والمتعلّم، ويري المؤرخون أنها لا تقل عن النظريات الحديثة في علم التربية(1). وفيما يلي طائفة من آراء مفكري الإسلام في التربية والتعليم :

1 إخوان الصفا :

وهم جماعة فلسفية لها ميول سياسية باطنية تكونت في القرن الرابع الهجري، ورأوا (أن الشريعة قد دُنِّست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلي غسلها وتطهيرها إلاّ بالفلسفة.. وزعموا أنه متي انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة فقد حصل الكمال.(2)

وقد نظر إخوان الصفا إلي التربية والتعليم نظرة عقلية فحدّدوا أنواع المعارف وطرق اكتسابها وشرائطها وتحدثوا عن أثر العادة في اكتساب الأخلاق والمعارف والعلوم، وأثر البيئة والمحاكاة في تطبيع السلوك وأثر المعلمين في تلاميذهم. وآراؤهم متأثرة في كثير من الأحيان بآراء أفلاطون خاصة في موضوع العلم والتذكرة والجهل والنسيان.(3)

2 ابن مسكويه :

هو أحمد بن محمد بن مسكويه من الفلاسفة الذين تأثروا بالفلسفة أكثر من الدين. تحدث في كتابه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) عن الخير والحق والجمال، والنفس والعقل والذكاء كما تحدث عن التربية والتعليم، ورتب المواد التعليمية، فقال يأخذ الطفل بأدب الشريعة ثم ينتقل إلي الحساب والهندسة حتي يتعود صحة البرهان ثم يتحدث عن طريقة التأديب وأنواع العقوبات التي تقع علي الطفل ومما يدل علي تأثره بالفلسفة أكثر من الدين العلة التي أوردها في نصيحته للمعلم حين نهاه عن شرب النبيذ وأصناف الأشربة المسكرة، لأنها تضره في بدنه ونفسه وتحمله علي سرعة الغضب والتهور والإقدام علي القبائح)، كما حذّر المعلم عن حضور مجالس أهل الشرب إلاّ أن يكون أهل المجلس أدباء! (4) فهو لا ينهي المعلم عن شرب الخمر ومجالسة شاربيها لكونها مُحرمة شرعاً، ولا يمنع من مجالسة أهل الشرب إن كانوا من الأدباء.

3 ابن سيناء :

وهو علي خلاف ابن مسكويه كانت نظرته التربوية إسلامية حين اشترط في المعلم أن يكون عاقلاً ذا دين، بصيراً برياضة الأخلاق.

ويري ابن سينا ضرورة مسايرة ميول الصبيان وتوجيههم إلي الصناعة أو المهنة التي تتفق وميولهم وهي نظرة تعتبر من الأسس التربوية الهامة. وقال في ذلك: (ينبغي لمدير الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولاً طبع الصبي، ويسير قريحته، ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعة بحسب ذلك).(5)

وتحدث ابن سينا عن التعليم الجماعي والفردي ودعا إلي أن يعلّم الصبي مع أقرانه غير معزول عنهم كما يفعل بعض الآباء ويقول في ذلك: لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجره، ولأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه آنس، واجتماع الصبيان ادعي إلي التعليم والتنافس والتفوق، ثم إنهم يترافعون، ويتكارمون، ويتعاونون وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم، وتحريك لهممهم وتمرين لعاداتهم.(6)

4 الغزالي :

وهو يمثل المتصوفة، وهو أوفي من كتب في هذا الموضوع(7) والمعروف أنّ الغزالي كان معلماً في المدرسة النظامية. وقد تحدث في كتابه (إحياء علوم الدين) (8) عن واجبات المعلمين والمتعلمين كلّ منهما نحو الآخر وواجبات كلّ منهما نحو عمله وتحدث عن ضرورة إشفاق المعلم نحو تلاميذه. ونصحهم، وزجرهم تعريضاً لا تصريحاً، وأن يقدم إليهم ما تستوعبه قدارتهم العقلية، وأن يكون قدوة حسنة لهم... الخ.

وتأثر الغزالي في تفكيره التربوي بالاتجاهات الصوفية فدعا إلي اكتساب المعرفة أولاً بتحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر منها ثم بعد ذلك الدخول في مجال التعليم الرباني، وهو الاشتغال بالتفكير، ورياضة النفس، والاعتزال عن الخلق، والإعراض عن الدنيا، والتجرّد للّه .

5 ابن خلدون :

نحا ابن خلدون بآرائه التربوية النحو الاجتماعي فتحدث عن الارتباط بين انتشار التعليم والحضارة وتقدم العلوم والصناعة. وقد دعا إلي مبادرة الطفل بتعليمه القرآن أولاً، ثم المعارف الأخري، ونهي المعلمين عن القسوة والتعسف مع الصبيان.(9)

6 ابن القايسي القيرواني (أبوالحسن علي بن محمد) :

وهو من علماء المغرب وقد تحدث في رسالته المسماة (الرسالة المفصّلة في أحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين) عن كثير من المبادئ التربوية الهامة وتحدث عن إعداد المعلم وتأهيله، وما ينبغي أن يتحلي به. كما تحدث عن ترتيب المعلمين لأوقاتهم (الجدول الدراسي) وأوقات بطالة التلاميذ وراحاتهم ومكان الدراسة واشتراك أكثر من معلم في التعليم، كما تحدث عن التعليم الفردي والجماعي. ونادي ابن القابسي في رسالته هذه بالزامية التعليم كما تحدث عن طرق الحفظ والاستظهار وطلب بأن يصحب الحفظ فهم لما يحفظ.(10)

معلم التربية الإسلامية علي مرّ العصور

تأهيله ومادته التعليمية

كان أول معلم في الإسلام هو الرسول (ص). وكانت المهمة التي أُرسل من أجلها هي التزكية (أي التربية) والتعليم «كما أرسلنا فيكم رسولاً يتلو عليكم آياتنا، ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون » (11) وقد ثبت أن الرسول (ص) كان يعلم أصحابه تعليماً، كان يعلمهم القرآن فور نزوله وكان يعلمهم الدعاء، وكان يعلمهم أمور دينهم. ففي صحيح البخاري عن جابر قال: كان رسول اللّه (ص) يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن. وكان يعلم أصحابه التشهد وهو علي المنبر كما يعلم المكتِّب الصبيان، وقال (ص): (إنّما بُعثت معلماً) وقال: (إنما العلم بالتعلم) وقال: (إنّما أنا منكم بمنز الوالد، أعلمكم، فإذا أتي أحكم الغائط فلا يستقبل القبلة... الخ) الحديث. وكان يعلمهم أفراداً وجماعات (يا بني إني أعلمك كلمات احفظ اللّه يحفظك... الخ)، وقال: (خيركم من تعلم القرآن وعلّمه)، وقال: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد... الخ) وقال: (علموا ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا...)، وقال: (علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعاً...) وحبب إلي أتباعه الاجتماع علي تلاوة القرآن ومدارسته (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللّه فيمن عنده).

وكان (ص) يرسل أصحابه إلي المدن والقري والبوادي ليعلموا من دخل في الإسلام القرآن وأمور الدين.

الأحاديث الشريفة المروية في الحضّ علي التعلم والتعليم كثيرة ولا يتسع لها المجال هنا. وقد قدمنا أن ظاهرة محو الأمية ونشر الكتابة والقراءة كانت من مميزات العصر الإسلامي. وقد بدأها الرسول (ص) بفداء أسري قريش أن يعلم كلّ منهم عشرة من أصحابه وبانتشار الإسلام انتشر المعلمون في أنحاء الرقعة الإسلامية يعلمون الناس الكتابة والقراءة والتلاوة وأمور الدين.

وكان المؤهل الأساسي للقيام بالتعليم معرفة المعلم لما يطلب إليه تعليمه. فأسري قريش الذين كانوا يعرفون الكتابة طلب إليهم تعليم الآخرين الكتابة وبذلك يفدون أنفسهم، والرسل الذين كان يرسلهم الرسول (ص) ليعلموا المسلمين الجدد القرآن وأمور الدين كانوا مؤهلين لذلك.

وكانت مكانة المعلم تستمد من مكانة المادة التي يعلمها، لذا كان معلمو القرآن أعز مكانة لما ورد في شأن من يعلم القرآن من فضل، ولمكانة القرآن في نفوس المسلمين. ولم يكن التعليم من واجبات فئة معينة من الناس كما كان الحال عند الرومان، كما لم يكن التعليم حكراً علي طبقة معينة من المجتمع، بل كان كما قدمنا مُشاعاً بين جميع الناس.(12)

ويبدو أنه لم يكن هنالك إعداد مهنيّ خاص للمعلم، بل كان يقوم بالتعليم كلّ من تأهل لذلك وكانت لديه الرغبة والاستعداد للتعليم، إلي أن جاء عصر كانت الإجازة في علم معين أو كتاب معين هي المرشح لتعليم ذلك العلم أو الكتاب. ويمكن اعتبار ذلك بداية عملية التأهيل إلاّ أنه مع ذلك لا يعتبر تأهيلاً مهنياً، وإنّما هو تأهيل علمي أو معرفي وكان المعلم يتعلم التدريس بالتدريس.

ومنذ القرن الرابع الهجري بدأ المفكرون المسلمون يكتبون ملاحظاتهم عن عملية التربية والتعلم، ويوجهون النصائح والإرشادات المهنية للمعلمين، علي نحو ما قدّمنا من آراء التربويين المسلمين الأوائل مثل الغزالي وابن سينا، وابن مسكويه، وابن القابس.

وقد بدأ المعلمون يقومون بالتعليم كرسالة، ثم صار فيما بعد رسالة ووظيفة يتقاضي عليها المعلم راتباً إلي أن صار في عصرنا هذا مهنة قبل أن يكون رسالة ومع ذلك فقد ظلّ التعليم كرسالة لدي الكثيرين من العلماء المسلمين إلي يومنا هذا.

ولمّا كثرت الفتوحات الإسلامية ودخل الناس من الشرق والغرب في دين الإسلام أفواجاً، بدت الحاجة إلي وضع ضوابط تعصم الناس من الخطأ في كتاب اللّه ، فبدأ تطوير الكتابة العربية وضبطها بالإعجام والشكل. منذ النصف الأول من القرن الهجري الأول، ثم بدأ تدوين اللغة، وتقعيد قواعد اللغة منذ القرن الثاني الهجري، كما بدأ تدوين الحديث وتفسير القرآن، ثم ظهرت حركة الترجمة (ترجمة علوم الأمم الأخري إلي العربية) ثم بدأت العلوم الكونية تمثل مكانها وتمتزج بالعلوم الإسلامية، وبدأت الحركة الفكرية تساير تطور الحياة المعقدة فتشعبت العلوم وتفرعت، وظهرت التخصصات العلمية المختلفة، وكان مدار كل ذلك خدمة القرآن الكريم والسنّة النبويّة ويهمنا في هذا المقام أن نشير إلي أن تعلم القرآن بدأ واستمر تخصصاً قائماً بذاته منذ العهد النبوي، وتفرع عنه فيما بعد التخصص في القراءات وعلوم الضبط والرسم، أما علم التجويد فقد بدأه سيبويه كدراسة لمخارج الحروف وصفاتها ضمن باب الإدغام في كتابه المشهور (الكتاب) ولم يظهر كعلم مستقل إلاّ في بداية القرن الرابع الهجري في قصيدة ابن مزاحم موس بن عبيداللّه ابن خاقان المتوفي عام 325 ه ومطلعها :

قد قلت قولاً ما سبقت بمثلهفي حذق قراءة القرآن(13)

ومع العلوم الإسلامية ذات الصلة المباشرة بالشريعة الإسلامية كانت هناك أيضاً تخصصات كالتفسير والحديث والفقه، إلاّ أنّ تعليم الدين للعامة والمبتدئين كان يشملها جميعاً. فكان العالم يدرس التفسير والحديث والفقه والتوحيد وقد يقتصر علي تدريش واحد من هذه العلوم.

ومع أنّ التربية الإسلامية تعني بالإنسان جسداً وعقلاً وروحاً، فقد اصطبغت العلوم الإسلامية المختلفة بالصبغة العقلية وتأثرت بالمنطق والتقسيم والتفريع، وافتقدت الجانب الروحي فصار التفسير شرحاً للألفاظ والعبارات، وإظهار الجوانب البلاغية والإعرابية وما تنطوي عليه من اختلافات في المعني، وصار الفقه مجموعة من التعريفات للمصطلحات، وقوائم بعدد الفرائض والسنن والفضائل، وما تصح به العبادة وما تبطل به والشروط الظاهرية أو الميكانيكية لصحة العبادة، وضوءاً وصلاة، وحجّاً وزكاة، وتلاوة إلي غير ذلك. أمّا الجانب الروحي في التربية الإسلامية عامة وفي فقه العبادات خاصة، فقد انحسر وصار توضيفاً لشكل العبادة وحركاتها الظاهرة، واصطبغ علم التوحيد بالفلسفة والمنطق ولعل ذلك واحد من الأسباب التي أدت إلي ظهور جماعات المتصوفة التي وجهت عنايتها إلي الجانب الروحي الذي افتقدته العلوم الإسلامية خاصة وأن الفلسفة صارت تهدد الفكر الإسلامي عقيدة وشريعة، وغزت الآراء والمعايير الفلسفية كلّ العلوم الإسلامية الشرعية منها واللغوية. ومع أنها أفادت في تقعيد القواعد اللغوية والفقهية إلاّ أنها انحرفت ببعض العلوم الإسلامية كالتوحيد أو علم الكلام حتي صار أشبه بالفلسفة أو المنطق منه بتوحيد الخالق سبحانه وتعالي.

وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الإمام الغزالي يهاجم الفلسفة بعد أن حذقها وتخصص فيها، ويتجه إلي سدّ الفجوة التي حدثت في العلوم الإسلامية بإدخال الجانب الروحي في الفقه والتوحيد والمعاملات والذي يتصفح القسم الخاص بالعبادات في كتابة إحياء علوم الدين يبين له البعد الشاسع بين منهج الغزالي وتناوله لمسائل العبادات وبين منهج الفقهاء فقهاء المذاهب المختلفة كالمالكية والشافعية وغيرها وذلك أن الإمام الغزالي قد أعاد الروح إلي الفقه الإسلامي الذي افتقده.

ومع ذلك فإن الغزالي قد تأثر بتخصصه وميله الصوفي الشديد في معالجته لقضية التربية الإسلامية (الروحية) إلاّ أنه فهم التصوّف علي أنه أخذ للحياة بجانب، وإصلاح لها ورقي بها، وليس زهداً وهجراً لها، تمسكاً بالقشور وتركاً للجوهر علي نحو ما كان يسود بعض المتصوفة الذين عاصرهم .

لذا فإننا نستطيع أن نقول إن المؤسسات التربوية في الإسلام هي كتاب القرآن (الخلوة) ومدارس أو معاهد العلوم الإسلامية والكونية ثم المدرسة الصوفية التي عنيت بتربية الأفراد تربية روحية وتميزت بمناهجها وقواعدها واتجاهاتها الفكرية والسلوكية.

وكذا هو الحال في معلمي القرآن والعلوم الإسلامية لم يكن هنالك إعداد أو تدريب مهني لمشائخ التصوف، وإنّما ترك الأمر حيناً للرغبة والأهلية للقيادة الصوفية، وترك أحياناً أخري لوراثة المشيخة ابناً عن أب عن جدّ، خاصة في العصور المتأخرة. وبذلك فقدت الكثير من عناصر قوتها ومنهجها، بمرور الزمن ولم تحتفظ إلاّ ببعض أشكال المدرسة الصوفية.

التربية الإسلامية عبر العصور

في صدر الإسلام :

قدمنا أن التربية الإسلامية ذات شقين وهما: أشبه بجناحي الطائر لا يستقيم الأمر إلاّ بكليهما.

1 التربية السلوكية أو الروحية.

2 التربية المعرفية.

وهكذا بدأت التربية الإسلامية علي عهد الرسول الكريم (ص). وكانت التربية السلوكية مقدمة علي المعرفة، من حيث الأهمية ومن حيث الترتيب الزمني. يدلنا علي ذلك قول السيدة عائشة رضي اللّه عنها (كنّا نتعلم الإيمان قبل القرآن). وكان مصادر المعرفة هي القرآن الكريم، وسنّة الرسول (ص) أقوالاً وأفعالاً وتقديرات، وكان الهدف من تعليم القرآن فهم معانيه، وتدبره، والعمل به، وليس حفظه فقط، ويدلنا علي ذلك قول السيوطي في الإتقان (إنّ الرجل من الصحابة كان يحفظ من القرآن عشر آيات ثم لا يتجاوزها حتي يفهم معناها ويؤدي ما طلب فيها).(14)

واشتمل القرآن والسنّة علي كلّ ما يحتاج إليه المجتمع المسلم آنذاك، وكان الرسول (ص) يكره أن يسأل عن شيء لا تدعو الحاجة إليه، وكانوا لا يدخلون في التفاصيل والفروض الوهمية كما حدث في العصور التالية. وكان (ص) يبغض الجدل، وتوعد بالهلاك للذين أوتوا الجدل.

وسار أصحاب الرسول (ص) علي منهجه واقتصر التعليم الإسلامي في القرن الهجري الأول علي القراءة والكتابة والقرآن وتفسيره والسنّة الشريفة، وارتبط ذلك باللغة العربية التي نزل بها القرآن، فكانت هنالك اهتمامات باللغة متناً وقاعدة وحفظاً.

ثم بدأ التدوين حفاظاً علي كتاب اللّه وسنّة رسوله (ص)، فدون الحديث، وآراء الصحابة من تفسير للقرآن ودونت اللغة متناً ونحواً.

وكان الفقه علي عهد الرسول (ص) محصوراً فيما نزل به الوحي وروي عن الرسول الكريم، وكانت أحكامه تنزل حسبما تدعو الحاجة إليه. ولما اتسعت رقعة الإسلام خارج بلاد العرب جدّت مشكلات لم يكن فيها نص صريح من الكتاب أو السنّة، بدأ الاجتهاد والفتوي في المسائل التي لا نصّ فيها. وقد سنّ الرسول (ص) الفتوي في حديثه لمعاذ بن جبل حين أراد أن يوفده إلي اليمن فأقره علي أن يجتهد رأيه ولا يألوا إذا لم يجد في كتاب اللّه وسنّة رسوله ما ينص علي حكم معين يحتاج إليه. وهكذا كان الشأن في عهد الرسول (ص) والخلفاء الراشدين إلي عهد التابعين.

وفي أواخر القرن الثاني وفي القرن الثالث الهجري ظهرت المذاهب الفقهية وبدأ علم الكلام، واكتمل النحو والعروض ونشأت المعاجم اللغوية، وظهرت مدرستا البصرة والكوفة النحويتان. ويعتبر القرن الرابع والخامس الهجريّان عصر النهضة للعلوم الإسلامية وشبابها ونضجها. واتجه المسلمون إلي كلّ المعارف فترجموا، وأضافوا وكتبوا في الفلسفة والطب والفلك والرياضيات والقراءات والتاريخ والجغرافيا وعلوم اللغة والموسيقي والاجتماع فألفو وابتركوا في جميع ميادين المعرفة وكان كلّ ذلك المنهج الدراسيّ في التعليم الإسلامي.

وبدأت المجامع العلمية بدار الحكمة في بغداد، وجامعة الإسكندرية والأزهر ومجالس العلماء في البصرة والكوفة ومكة والمدينة وبلاد المغرب وفارس وآسيا الوسطي وبدأ التخصص الدقيق في النحو واللغة والفقه والتفسير والحديث والشعر والطب.. وبدأ تدريس هذه العلوم في المسجد الذي كان مركز الدراسات الإسلامية. ووجد من المفكرين المسلمين من نبغ في هذه العلوم جميعاً الشرعية منها والكونية، مثل ابن سينا وابن مسكويه وابن رشد، والكندي.

في عصور الضعف والانحلال :

بدأ الانحراف في العقيدة أولاً من حيث الترتيب وفي وقت مبكر، بدأ بظهور أفكار الشيعة والخوارج وغلوهم في الرأي والدين والسياسة. وكان لدخول بعض الشعوب في الإسلام، وتأثرهم بأديانهم ومللهم ونحلهم أثر كبير في تاريخ الإسلام السياسي والفكري. وكانت هنالك مقاومة سياسية وعسكرية، وفكرية للإسلام، فتعددت الآراء والمذاهب والحركات الباطنية والظاهرية. وصارت المذاهب الأربعة أصلاً للشريعة الإسلامية حتي قال بعضهم : (15) (كلّ آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوحة، وكل حديث كذلك فهو مؤو أو منسوخ) وإتجه الفقهاء إلي التخصص في المذهب المعين وتعصب كلّ لمذهبه، وصار الطالب لا يدرس إلاّ مذهبه ولا يعرف غيره من المذاهب.

واختفت الروحانية من العلوم الإسلامية بل وانحرفت بعض العلوم من مسارها وأهدافها الحقيقية، وافتقدت صفاءها الذي كانت عليه في القرون الأولي للإسلام.

فالتفسير: قد ازدحم بالإسرائيليات، وصار تفسير الآيات مجزأة، أي كلمة كلمة، وانصبت العناية علي تخريج الآيات من حيث الإعراب واللغة والبلاغة دون مقاصد القرآن العظيمة وكلياته الكبري التي تتضح بإيراد الآيات والأحاديث ذات الصلة بالآية المفسرة. وبقدر ما تهتز النفس لسماع القرآن وتؤخذ بمعانيه السامية تكل من التفسير الذي عني بالأشكال دون العناية بالروح والجوهر والمقاصد.

الفقه: قدمنا أن القفه قد جرد من الروح وصار عبارة عن قواعد وشروط وتقسيمات وتفريعات وافتراضات لا يحتاج إليها الإنسان، وقدمنا أن الرسول (ص) كان يكره أن يسأل عن شيء لم يقع. وقد بلغت صور الرعاف 72 صورة في بعض كتب المالكية، وصنفت آراء الفقهاء إلي معتمد ومشهور وضعيف، واختفت حكمة التشريع في كثير من مسائل الفقه، وكثرت الحيل للتخلص من الأحكام الشرعية وجرد الفقه من أدلته إلاّ في القليل. وكثرت التعريفات وتخريجها ومحذراتها، وسيطر المنطق الشكلي علي كثير من مسائله، وصار التفقه براعة في صناعة المتون المعقدة وشرح المختصرات واختصار المطولات.

الأصول: وأصبحت أصول الفقه أو علم الأصول قوالب وقواعد تحفظ لطريقة الاستنباط ولا يتعداها الأمر إلي استنباط حلول للمشكلات التي تجد بتجدد الحياة ومشكلاتها. فصار العالم بالأصول بارعاً فيما تلقي من قواعد وأمثلة لا يتعداها إلي غيرها. ولعل السبب في ذلك إقفال باب الاجتهاد، الشيء الذي يعتبر نقطة انحدار خطير في تاريخ العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي.

الحديث: الحديث من أكثر العلوم التي نالت قدراً من الدراسة والتمحيص من سلفنا الصالح حتي خلصوا السنة من كلّ ما شابها من دس الدساسين غير أن المتأخرين من الفقهاء سخروا الحديث لتأييد مذهبهم وإضعاف المذاهب الأخري وكانت المحاولات تبذل لتضعيف الحديث الذي يخالف مذهبهم أو تأويله. وبلغ الأمر ببعضهم أن يضعف الأحاديث التي يستدل بها غيره من فقهاء المذاهب الأخري ويصفها بأحاديث الخصوم.

وإذا ذهبنا إلي مصطلح الحديث فإننا نجد فيه العديد من المصطلحات وأنواع وأقسام الحديث، مثل الحديث المفصل، المدلس، المقلوب، المدرج، المصحف، المبهم، المعلق... الخ.

وبطغيان الفلسفة وعلم الكلام قل الاهتمام بعلم الحديث منذ العصر العباسي الثاني.

علم الكلام :

انتشرت مذاهب الفرق في القرنين الثالث والرابع وكان هؤلاء المعتزلة، والقدرية، والكرامية، والخوارج، والروافض، والقرامطة والباطنية. قال المقريزي: (ما منهم إلاّ من نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره فلم يبق مصرٌ من الأمصار ولا قطرٌ من الأقطار إلاّ وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرناهم) (16). وفي أوائل القرن الرابع ظهر الإمام أبوالحسن الأشعري الذي أحيا مذهب السلف واستخدم الحجج والبراهين الكلامية والأصولية للدفاع عنه. وكان الحكام العباسيون يؤيدون المعتزلة. وكان أكثر ما يدور فيه الجدل هو صفات المولي سبحانه وتعالي، والقضاء والقدر، والصلاح والأصلح، والإمامة، والكبائر وعصمة الأنبياء.

وعلي الرغم من أن مذهب المعتزلة قد انقرض منذ قرون في جميع أنحاء العالم الإسلامي إلاّ أن آراءهم ماتزال تدرس وتفند في مقررات التوحيد، خاصة في المعاهد الإسلامية. ومايزال كتاب الجوهرة، والسنوسية، والعقائد النسفية تدرس في كثير من المعاهد الإسلامية، ويغلب علي هذه الكتب التعقيد والفلسفة والمنطق والخلافات بين المذاهب الكلامية والفرق. وهي بعيدة كلّ البعد عن صفاء العقيدة كما كان عليها المسلمون علي عهد الرسول (ص) وأصحابه من بعده، وكما عرضها القرآن الكريم والسنّة المطهرة.

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي :

سيرة الرسول (ص) وحياته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما نزل من قرآن، وبما سن من سنن ممثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته ولا يمكن الفصل بين سيرته وما نزل من قرآن والسنّة. وتكاد كتب السيرة تخلو من هذا الربط الوثيق بين حياة الرسول (ص) وما نزل من قرآن، والسنة. وآلت السيرة إلي وصف للأحداث التاريخية مجردة عن العبرة والعظة والقدوة الحسنة. وصار التاريخ الإسلامي وصفاً للحروب والانقلابات، وأهمل فيه الجانب الروحي والحضاري والفكري للأمة الإسلامية، وبرز جانب الترف والفسق وهو محصور في طبقة معينة. ظهر وكأنه سمة المجتمع عامة، واختفت من دراسة التاريخ الإشراقات الروحية والفكرية التي أنارت السبيل للأجيال البشرية مسلمين وغير مسلمين.

وكتب تاريخ الأمويين في العصر العباسي، وكتب تاريخ كلّ دولة في الفترة التالية لها فأصابها الكثير من التشويه والمبالغة وعدم الدقة وانعدام التوثيق. وأظهر منها الجانب المظلم وأخفي الجانب المشرق. وبذا صار التاريخ الإسلامي عبارة عن حروب ودماء وتقلبات من ضعف إلي ضعف علي مستويات الفكر والأدب والحضارة، والسلطان. وأهمل تاريخ الدول الإسلامية والأقليات المسلمة خارج الوطن الإسلامي.

اللغة :

بدأ البحث في المسائل اللغوية متجهاً نحو خدمة كتاب اللّه وشرح غامضه، وتوضيح مراميه، وضبط آياته وكلماته وحروفه وقراءاته. ودونت اللغة وضبطت نظمها وقواعدها وحددت مخارج أصواتها وصفاتها.

ثم أصاب علوم اللغة ما أصاب علوم الشريعة، فأصبح التركيز في علوم اللغة علي أدواتها كالنحو والصرف والبلاغة وأهملت دراسة اللغة شعراً ونثراً، وصارت دراسة النحو تتكرر وتدور في حلقة مفرغة وبلغ الأمر ببعض النحاة أن وصفوا القراءة المتواترة بالشذوذ لأنها لا تتفق مع القاعدة النحوية التي وصفوها (!!). وغلبت علي البلاغة الصبغة الفلسفية والمنطق، وأصبحت قوالب تحفظ ويتم التمرين والتدريب عليها، ولا تساعد في ترقية الأسلوب والذوق اللغوي وتكوين الملكة الأدبية، وأهملت أمهات كتب اللغة والأدب كالعقد الفريد، والأمالي، والكامل، والأغاني.

أما في زماننا هذا، فلعل دراسة اللغة في الجامعات لا تتعدي مختارات من النحو والصرف والبلاغة والأدب لا تزيد الطالب كثيراً عما تلقاه في المرحلة الثانوية، وينطبق ذلك علي المدارس كما ينطبق علي المعاهد الدينية، والأقسام المتخصصة في الجامعات.

هذه هي الصورة التي آلت إليها العلوم الإسلامية في العصور المتأخرة التي أطلق عليها عصور الضعف والانحلال، والتي انحدرت إلينا في عصرنا هذا.

ثم جاء الاستعمار فأضاف إليها ضعفاً علي ضعف، وذلك بتقليل قدر حملة الثقافة العربية والإسلامية، وإهمال المعاهد الإسلامية التي تتولي تدريسها، وتولي مهمة الاستعمار من بعده سدنته من عشاق الثقافة الغربية (المسلمين!)، فسخروا من التراث الإسلامي وحملة الثقافة العربية والإسلامية، أولاً: لأنهم لم يغتسلوا بماء الثقافة العربية، لغة وأدباً وتفكيراً، وثانياً: لأن ما يحملونه من ثقافة ليس له مكانة محترمة في المجتمع الإسلامي المعاصر.

أما دراسة العلوم الكونية التي كانت جزءاً من مؤهلات العالم المسلم في العصور الأولي من الإسلام فقد اختفت تماماً من ميدان التربية الإسلامية في العصور المتأخرة، كجزء أصيل من مواد التربية الإسلامية، ولما أعيدت هذه العلوم إلي مجالها في عصرنا هذا بدت كأنها هي علوم الغرب، فسميت حيناً بالعلوم المدنية وحيناً آخر بالعلوم الحديثة، وكأن تاريخ الإسلام وحضارته ومفكريه لم يعرفوا هذه العلوم ولم تكن شغلهم الشاغل في يوم من الأيام ولا يعلم أبناء المسلمين أنّ كتب المسلمين الأوائل في الطب والهندسة والصيدلة والرياضيات والجغرافيا كانت تدرس في جامعات الغرب إلي وقت قريب وأن بعض نظريات العلماء المسلمين مايزال يجري العمل بها حتي يومنا هذا.

إصلاح المناهج بما صلح به أولها :

ليس من اختصاص هذه الورقة الحديث حول إصلاح مناهج التربية الإسلامية، وإنما ترك ذلك لأوراق أخري ولكن لا بأس من أن يكون ختام حديثنا عن تاريخ التربية الإسلامية وما وصلت إليه في عصرنا هذا أن نختم حديثنا بكلمة عن إصلاح مناهج التربية الإسلامية.

إنّ صلاح أمرنا لا يتم إلاّ بما صلح به أوله. وكما بدت به التربية الإسلامية علي عهد الرسول (ص) والسلف الصالح، تربط ربطاً وثيقاً بين المعرفة والسلوك وكلاهما ينبع من الكتاب والسنة وسيرة الرسول (ص) والسلف الصالح، أولاً وقبل كلّ شيء. وأن تكون دراستنا للغة دراسة للغة أولاً وليس لنظمها النحوية والصرفية والبلاغة ثانيا: فإن علوم الآلة هي دراسة للنظام الذي تسير عليه اللغة، ولكنها ليست اللغة ممثلة في تراثها من قرآن وحديث وشعر ونثر. وأن نبدأ دراسة مبادئ العلوم الكونية بما وصل إليه سلفنا الصالح ثم نضيف إليه ما جدّ من نظريات في العصور المتأخرة، وأن نوجه عناية خاصة لإسهام العلماء المسلمين المعاصرين في مختلف العلوم.

هوامش ومراجع



1. قدري طوقان: العلوم عند العرب، ص 177.

2. أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، ص 243، نقلاً عن القفطي: أخبار العلماء بأخبار الحكماء، ص 59.

3. أنظر أحمد فؤاد الأهوائي: التربية في الإسلام، ص 222. أنظر أيضاً: إخوان الصفا، ج 1، ص 236.

4. نفس المصدر، ص 225.

5. نفس المصدر، ص 232.

6. بحث قدم إلي ندوة الخبراء التربويين المنعقدة في مكة المكرمة، 11 16 جمادي الثانية 1400، ص 30.

7. نفس المكان.

8. ج 3، ص 64، عن الأهواني، ص 236.

9. الاخواني، ص 241.

10. أنظر نص الرسالة وهي ملحقة بكتاب التربية في الإسلام، للدكتور أحمد الأهواني وهي تتكون من سبعة وثمانين صفحة، أنظر الأهواني، ص 307.

11. سورة البقرة، آية 151.

12. نفس المصدر، 107.

13 . ذكر هذا البيت في أصل المقالة هكذا.

14. الإتقان في علوم القرآن، ج 2، ص 208.

15. تاريخ التشريع الإسلامي، ص 333.

16. هو الشيخ جمال الدين أبو محمد عبداللّه بن يوسف الحنفي الزيلعي صاحب كتاب (نصب الراية لأحاديث الهداية) وكان عندما ينتهي من ذكر الأحاديث التي تؤيد مذهبه يبدأ فيقول: أحاديث الخصوم يعني الأحاديث التي اعتمد عليها أصحاب المذاهب الأخري.

* جمهورية السودان الإسلاميّة، جامعة الخرطوم المعهد الدولي للغة العربية

ارسال نظر