بمناسبه ولاده الامام الحسن المجتبی (ع)

الحوادث التاريخية و المناسبات الدينية

درس من حياة الحسن (ع)

عند ما نمعن النظر فى حياة امامنا الحسن (ع) و سائر الائمة الطاهرين من اهل البيت (ع) لم نجد الاساليب التى اتبعوها فى عملهم واحدة بل كانت اساليب مختلفة باختلاف الظروف و الاحوال التى عاشوها فى زمانهم.

فنجد الامام الحسن يعقد معاهدة الصلح مع معاوية بن ابى سفيان بينما نجد الامام الحسين (ع) يثور بالسيف على يزيد بن معاوية، و نجد اماما ثالثا هو زين العابدين يتبع اسلوب الدعاء و تربية العبيد و تحريرهم، و رابعا يركز على الجانب العلمى الفكرى..

ان هذه الاساليب المتعددة لم تأت اعتباطا و انما جاءت وفقا للظروف السائدة و الاحوال المعاشه التى رافقت كل امام.

و لما كنا فى هذا الشهر العظيم شهر رمضان و فى ليلة الخامس عشر منه بالذات نمر بولادة الامام الحسين (ع) سبط الرسول (ص) يحسن بنا الوقوف على سر الاسلوب الذى استخدمه الامام . اسلوب الصلح مع حاكم زمانه و بعبارة اخرى نجيب على سؤال: لماذا صالح الامام الحسن (ع) معاوية بينما ثار الامام الحسين (ع) على يزيد..؟

ان الحسن و الحسين و سائر الائمه (ع) لم تكن تصرفاتهم و اعمالهم مزاجية انها ليست نابعة من الذات و انما هى تصرفات رسالية عقائدية نابعة من العقيدة التى يمثلونها و يجسدونها فى حياتهم و الكل مصيب فى اتباعه الاسلوب الذى اتبعه لانه اسلوب منسجم مع مصلحة الرسالة و الامة. فالامام المجتبى عليه السلام كان يعيش مجتمعا مصابا بمرض الشك. الشك فى طبيعة الصراع القائم بين اهل البيت (ع) و الحكم القائم، و قد ظهر هذا الداء فى اواخر حياة الامام امير المؤمنين (ع) و استفحل و اشتد فى حياة الامام الحسن (ع) .

و فى مثل هذه الظروف المريضة لا يمكن ان يمضى الامام فى المواجهة الحاسمة مع المعسكر المضاد لان ارضية التحرك غير صالحة. لا بد للامام ان يتنحى عن المسرح فترة لكى يفسح المجال للامة ان تكتشف بنفسها واقع رمز الباطل و تشفى من مرض الشك الذى اصيبت به.

ان عدم تفاعل الامة مع القيادة المبدأية يعنى ان شرطا من شروط نهضة الامه و تقدمها لم يتوفر بعد..

ان النهضة لا يمكن ان تتحقق الا اذا توفرت امور ثلاثة اساسيه:

اولا: مبدأ صالح.

ثانيا: قيادة صالحة.

ثالثا: امة منقادة و متفاعلة مع المبدأ و القيادة.

و عند ما انعدم احد هذه الشروط الثلاثة الاساس و هو تفاعل الامة و انقيادها الى قيادتها الصاحلة الرشيدة لم يكن بالامكان افضل مما كان و هو الصلح لكى تعود الامة الى وضعها الطبيعى و تشفى من داء الشك الوبيل، فاذا اضفنا الى هذا نوعيه الحاكم الماسك بزمام الامور و هو معاوية و قدرته الفائقة على التمويه و التلبيس و التضليل و خيانة بعض القادة الذين كانوا فى صفوف جيش الحسن (ع) وضعنا ايدينا على السر فى هذا الصلح انه مرض الشك الاجتماعى و طبيعة الحاكم و خيانة الخونة و قد قالها الامام الحسن (ع) صريحة بعد ذلك: (و الله ما سلمت الامر الا لانى لم اجد انصارا و لو وجدت انصارا لقاتلته ليلى و نهارى حتى يحكم الله بينى و بينه) ، و عندما اتضح لدى الناس عدم عمل معاوية بأى بند من بنود المعاهدة المعقودة بينه و بين امامنا الحسن (ع) و ان معاويه وضع الشروط تحت قدميه اخذوا يطالبون الامام بالحاح ان يثور على الحاكم الا ان الامام لم يستجب للعواطف المتقلبه لان الظروف لم تتهيأ بعد لهذه الثورة فقال للمطالبين بالثورة المسلحة: (ان لكل شى‏ء اجل و لكل شى‏ء حساب) فالامام اذن عندما لجأ الى اسلوب الصلح لانه لم يجد انصارا و اعوانا يعتمد عليهم فى الثورة و المواجهة، و الامام عند ما رفض ان يثور حتى بعد نقض معاوية لشروط الصلح لان ظروف الثورة لم تنضح بعد و قد قال الامام الجواد (ع) (اظهار الشى‏ء قبل ان يستحكم مفسدة له) و قد قال سبط الرسول (ص) عندما سئل عن العقل: فقال (التجرع للغصة حتى تنال الفرصه) هذا بالنسبة الى الامام الحسن و اما بالنسبة الى الامام الحسين (ع) و قيامه بالسيف فلان الامة قد شفيت من مرض الشك الا انها قد اصيبت بمرض آخر هو مرض فقدان الاراده فكانت الامة ترغب فى تغيير واقعها البائس المظلم الا انها لم تكن تملك الارادة على احداث هذا التغيير و دفع ثمنه من اموالها و دماءها و قد كان اصدق تعبير عن هذا المرض الجديد هو تعبير الشاعر الفرزدق عند ما قابله الامام الحسين (ع) و هو فى طريقه، الى العراق حيث قال:

(قلوب الناس معك و سيوفهم عليك) و لهذا كان السيف هو الدواء لهذا الداء. و قد قال الشاعر معبرا عن ذلك:

ان كان دين محمد لم يستقم‏ 
الا بقتلى يا سوف خذينى

ان الدرس الذى مستفيده من اختلاف اساليب! العمل عند الامام الحسن و الحسين و بقية الائمة عليهم السلام هو (ان الاسلام انقلابى ثورى فى فكرته و مرن فى طريقته التى يجب ان تحدد على ضوء الملابسات و الظروف و مقتضيات الاحكام الشرعيه العامه فى باب الجهاد و باب الامر بالمعروف و النهى عن المنكر ... و غيرها من الابواب. فالاسلام من ناحيه الطريقة لا يجد من الضرورى ان يكون انقلابيا ثوريا كما كان فى فكرته و انما يفسح المجال للانقلابيه الثورية فى حدود الشروط الصارمة التى تفرضها عليه مثله و قيمة العليا. و يسمح باستعمال مختلف الساليب و الالوان التى تتفق مع تلك المثل و القيم) و المناسبة للظروف و الاحوال المتغيرة و منها اسلوب الصلح و اسلوب الثورة الدموية المسلحة.)

و اذن لم يكن الامام الحسن (ع) فى صلحه الا مستهدفا مصلحة الاسلام و الامة، و ليس الامر امر مزاج ادى الى اختلاف الاساليب كما يزعم بعض الكتاب ذلك، (ان الحسن و الحسين امامان قاما او قعدا) كما يقول الرسول الاعظم (ص) فهما لم يصدرا فى عملهما و قراراتهما الا عن منهج الله و لم يستهدفا الا مصلحة الامة المسلمة، و قد قال النبى الكريم لسبطه الحسن بالذات (ع) (يا حسن اشبهت خلقى و خلقى) و رسول الله (ص) كما غزا و حارب صالح و سالم فى الحديبية و هو فى حربه و صلحه لم يكن هدفه الا مصلحة الاسلام و الامة و هكذا سبطه فهو حارب مع ابيه على (ع) و قد ابدى شجاعة شهد له بها التاريخ بينما نرى الامام الحسين يرفض الثورة المسلحة على معاويه حتى بعد وفاة اخيه بالسم لان الظروف لم تزل غير مواتية .

ان هذا الدرس ثمين جدا بالنسبه للعالمين المجاهدين الداعين الى الاسلام ينبغى ان يستوعب فى وقتنا الحاضر لنكون على بصيرة و بينة من امرنا.

ان انقلابية و ثورية الفكرة الاسلامية و مرونة الطريقة و الاسلوب تجعل القيادة الشرعية هى التى تقدر الظروف و المصالح و من ثم تتخذ الاسلوب المناسب.

فى مدرسة رمضان ص 157

هادى الخزرجى

دروس من بدر

تمر بنا فى شهرنا الكريم العظيم.. شهر الصبر و الايمان شهر رمضان ذكريات تقف منتصبة فى طريق حياتنا كمنارات تضى‏ء الدرب للسائرين.

و من هذه الذكريات المنيرة فى الطريق الشائك (معركة بدر) التى وقعت فى العام الثانى للهجرة المباركة و هى اول معركة هجومية فاصلة بين معسكر الحق و الهدى بقيادة الرسول القائد (ص) و معسكر الباطل و الضلال و الجاهلية الذى يقوده ابوجهل و ابو لهب و ابى سفيان و الوليد و غيرهم من ائمة الكفر.

لقد التقت الفئتان فئة الايمان القليلة العدد و الضعيفة العدة، و فئة الكفر الكثيرة العدد و القوية العدة لقد كان عدد المؤمنين فى هذه المعركة ثلاثمائة و ثلاثة عشر (313) بينما كان عدد المعسكر المضاد يعادل هذا العدد ثلاث مرات، كانوا تسع مائة و خمسين مقاتلا (950) و لم ينجل غبار المعركة الحاسمة الا بلحوق الهزيمة الماحقة المنكرة بفلول الظلام و الجاهلية لقد قتل منهم سبعون رجلا و وقع فى الاسر مثل هذا العدد و بقيت صيحات الله اكبر تنطلق من حناجر المؤمنين المجاهدين لتلقى الرعب فى قلوب اعدائهم ان هذه المعركة الخالدة الحاسمة التى مرغت انف المعسكر المعادى لمنهج السماء، و التى قادها رسول الله (ص) بنفسه و معه رجال المبادى‏ء و العقيده امثال على ابن ابى طالب و حمزة بن عبد المطلب و عبيدة بن الحارث...

ان معركة بدر العظيمة التى كسرت فيها شوكة المشركين حيث قتل الكثير من رموز الكفر كأبى جهل و عتبة بن ربيعة و اخيه شيبة و ابنه الوليد.

ان هذه المعركة الفاصلة تناولها دليل صراع المؤمنين القرآن العظيم بالتسجيل و التبجيل فقال «و لقد نصركم الله ببدر و انتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون اذ تقول للمؤمنين الن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى ان تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة مسومين و ما جعله الله الا بشرى لكم و لتطمئن قلوبكم و ما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم»، لقد كان نصرا عزيزا جاء بعد عذاب و عناء على يد الباطل المنتفش المعتدى الذى اصيب فى الصميم ببدر و اخذ يترنح تحت الضربات القوية لجند الله جند الحق جند الاسلام و حرى بنا و نحن نعيش الايام و الساعات النيرات فى شهر الله و نشتبك فى معركة فاصلة مع حفيد ابى جهل و ابى لهب و عتبة و شيبة ان نقف عند انتصار بدر العظيم لنستخلص منه الدروس و العبر فان هذه الذكرى الخالدة و غيرها من الذكريات اذا لم نتوقف عندها لهذا الغرض و هى تراث عظيم و نتخذ منها محطة للتزود لمسيرتنا و صراعنا مع اعداء الله و الانسان فاننا سوف نخسر الكثير :

اولا: و اول هذه الدروس التى ينبغى ان نعيها جيدا و نستحضرها و نحن نخوض الصراع فى معركتنا القائمة اليوم

أن النصر انما هو من عند الله و ليس لنا من الامر شى‏ء (و ما رميت اذ رميت و لكن الله رمى) (و ما النصر الا من عند الله) .

ثانيا: و هذا لا يعنى عدم بذل الجهد بل العكس هو الصحيح فان استفراغ الوسع و مجاهدة العدو و الصبر على الطعان و ركوب الاهوال و صعود الجبال شرط اساس لنصر الله.

يقول الحق تبارك و تعالى: (يا ايها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم و يثبت اقدامكم) .

ثالثا ـ و اما الدرس الثالث الذى تلقيه علينا معركة بدر فهو يقول ان الصراع بين جبهة الحق و جبهة الباطل قائم مستمر و لن يتوقف (و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض) و من الخير كل الخير ان لا يتوقف هذا الصراع ليتميز المعسكران و ينجلى الفريقان (ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حى على بينة) .

رابعا ـ ان الانتصار العظيم فى بدر يؤكد ان نهاية المعركة لا تكون دائما الى جنب العدد الكثير و العدة المادية المتفوقة. فان عدد المشركين كان يعادل ثلاثة اضعاف عدد المؤمنين و كانت تجهيزاتهم اقوى و امضى. و مع ذلك كانت الهزيمة نصيبهم و كان النصر حليف المؤمنين و القرآن يقول: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بأذن الله و الله مع الصابرين) فالمهم عند التقاء الجمعين هو المعنويات من ايمان و صبر و اندفاع نحو الشهادة فى سبيل الله و هذا الجانب نفسه هو الذى ادى الى قلب كفه ميزان الصراع لصالح الثوره الاسلامية بعد عدوان الباطل عليها.

فان معسكر الضلال كان يملك الرجال و السلاح و الدعم الخارجى اقتصاديا و اعلاميا و سياسيا و عسكريا الا ان كل هذه الاوراق بدت هزيله امام اصرار المؤمنين المقاتلين و صبرهم على آلام المعارك و اشواك الطريق.

5ـ و من هذه الدروس القيمة التى تلقيها علينا معركة بدر الخالدة هو ان النصر لا يأتى جزافا و لا يقدم على طبق من ذهب دون اسباب و عوامل و دون ان نكون مستحقين له لأن الحق تبارك و تعالى جعل لكل شى‏ء سببا. و جعل لكل شى‏ء اهلا، و انتصار بدر كان وراءه القيادة الشجاعة الحكيمة المتمثلة برسول الله و وحده معسكر الحق و كان وراءه ايضا الايمان الذى لا يتزعزع بالله و طاعة المقاتلين لقائدهم العظيم و التضحيات السخيه بالمال و النفس من اجل انتصار الاسلام و هذه العوامل ذاتها هى التى ادت الى انتصار الثوره الاسلاميه الشعبيه بقيادة حفيد رسول الله الامام الخمينى العظيم على نظام الجاهلية الشاهنشاهية و هى نفسها ايضا تؤدى الى انتصار المؤمنين فى كل مكان اذا عملوا بجد و اخلاص و صدق على توفيرها.

6ـ و سادس هذه الدروس التى نتعلمها من معركة بدر هو انها وقعت فى شهر رمضان المبارك و قد كان انتصار الانسان المسلم على نفسه و هواه و شهواته من خلال فريضه الصيام مقدمة ضرورية لانتصاره على اعداءه الذين يكيدون له ولدينه. ان تحمله لمشقة الحرمان من الطعام و الشراب و الجنس و هى امور قريبة الى نفسه جعله قادرا على تحمل صعاب المعركة و التفوق فيها و انزال اقسمى الضربا باعداء الله.

فى مدرسة رمضان ص 179

هادى الخزرجى

ان العلم الحديث يوضح لنا بقدر ما اطلع على العالم المادى (و هو ضئيل و ضئيل جدا بالنسبة الى ما أودع الله من حقائق و دساتير لا تتناهى فى هدا الكون) (1) ما سيقع قبل يوم المعاد، و يفسر لنا الى حد ما قوله تعالى.

«اذا الشمس كورت».

ذلك، لأن الذرة على ما هو معروف مؤلفة من نواة فى الوسط (و هى مجموعة نيوترونات و پروتونات) و الكترونات فى المحيط أو الاطراف، تدور حول النواة.

و معدل قطر الذرة واحد على عشرة ملايين من الميليمتر، و معنى ذلك: لو وضعت عشرة ملايين ذرة بعضها جنب بعض (شريطة أن تكون كروية كلها) كان طول هذه الذرات الموضوعة بهذا الشكل ميليمترا واحدا.

و ان قطر نواة الذرة: (أى مجموعة الپروتونات و النيوترونات) واحد على مأة الف من قطر الذرة.و لا يمكن أن ترى الذرة و هذه النواة مع أقوى الميكروسوبات الحديثة.

و قد عبأ الله تعالى قوة هائلة فى جوف النواد، تعرف بالطاقة النووية. فاذا حررت هذه الطاقة بوسيلة ما، هدمت ما حواليها، فلا تبقى و لا تذر.

ان ذرة ال (أورانيوم) مثلا تنشق، فتتفرق أجزاؤها، فتنتج مع هذا الانشقاق الحرارة و الطاقة الهائلة، أما الاجزاء التى انقسمت اليها الذرة فهى عناصر دون الاورانيوم وزنا، و اذا فرضنا أننا جمعنا هذه الاجزاء و وزناها لكانت أقل مما استخدم من ال (أورانيوم) وزنا . فأين ذهب الشى‏ء الناقص؟ انه تحول الى (طاقة) ، الى (حرارة) و الى (نور) الى (اشعاعات أخرى) . اى أن المادة تحولت الى طاقة و قوى. ان الغرام الواحد من المادة يتحول الى طاقة، فينتج منها ما يعادل 22 مليون مليون سعرة (2) من السعرات الحرارية.

فذرة (الأورانيوم) تعطى من مادتها، فتنتج الطاقة بالتقسيم و التجزؤ و التفرق. و ذرة (الايدروجين) تعطى من مادتها لا بالتشقق و التفرق، و لكن بالتجمع، و هكذا تتحول بعض المادة أو كلها (مع تقدم العلم الحديث) الى طاقات هائلة جدا.

و قد ثبت أن المادة انما وجدت من تكدس طاقات هائلة أوجدها الله تعالى بقوله: (كن) . فترتبت بأمره عناصر تخت نظام بديع و قانون ثابت، و ان هذه العناصر تختلف بعضها عن بعض من حيث عدد الپروتونات و الألكترونات. اى تختلف من حيث بنية النواة و ما يدور حولها من الكترونات. فكانت، باذن الله و أمره، هذه العناصر المختلفة كالايدروجين و الاكسيجين و الحديد و الراديوم و الاورانيوم الى ما هنا لك، فقد عبا الله تعالى فى ملعقة واحدة من الزئبق: طاقة تكفى لتسبير قطاره كبير حول الكرة الارضيه سبع مرات.

و قد جعل الله فضاء واسعا بين النواة و الألكترونات التى تدور حولها. و معنى ذلك أن الالكترونات فى الذرة تبعد عن النواة مسافة شاسعة (مع حفظ النسبة بين صغر الالكترون و النواة و المسافة التى بينهما و قطر الذرة) . و هذه المسافة (مع مراعاة النسبة) بين النواة و الالكترونات هى كالمسافة بين الشمس و بين أبعد كوك سيار يدور حولها.

فاذا انفصلت الالكترونات فى يوم من الايام عن الذرات فى الكرة الأرضية، و ذلك بأمر الله تعالى، و اندمجت الپروتونات بعضها ببعض، ستصبح أرضنا هذه كبرتقالة ثقيلة جدا، وزنها بقدر وزن أرضنا هذه التى نعيش عليها و لكن حجمها بحجم البرتقالة.

و ان علماء الفلك المحدثين يخبروننا أن الشمس سيكون مصيرها التلاشى و ذلك باندماج نواة ذراتها بعضها ببعض. فيتحقق قوله تعالى : «و اذا الشمس كورت (3) ، و اذا النجوم انكدرت، و اذا الجبال سيرت» (4) . و ذلك من مقدمات يوم المعاد. «يوم تبدل الارض غير الارض و السماوات، و برزوا لله الواحد القهار». (سورة ابراهيم 15: 48) .

و ان قوانين (ديناميكا الحرارية) ، أو علم الحرارة الحركية من أبحاث الفيزياء تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا، و انها سائرة حتما الى يوم تصير فيه جميع الاجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هى الصفر المطلق! و يومئذ تنعدم الطاقة و تستحيل الحياة.

و هكذا تدل الشمس المستعرة و النجوم المتوهجة على أن لها بداية.. و قد أثبت العلم فوق ذلك أن لهذا الكون بداية و أنه بدأ دفعة واحدة منذ نحو خمسة بلايين سنة.

و هكذا سيكون مصير (القمر) ، على ما استنبط ذلك بعض علماء العصر الحاضر. فانهم يقولون : يأتى يوم فيتجزأ القمر بالتأكيد، فيصبح قمرين فأكثر. ثم تنفجر هذه الأجزاء انفجارا هائلا و تسحيل الى ألف شظية أو أكثر، فاذا قربت هذه الشظايا من الارض تستحيل الى آلاف من الشهب الصغيرة. و قد قال تعالى: «اقتربت الساعة و انشق القمر». فتبدأ فى الارض سلسلة من الزلازل و يشتد نشاط البراكين و تقذف ما فيها الى الخارج و تعمل الهزات فى القشرة الارضية عملها، فتسوى أعالى الجبال و قممها الى سوية قاع البحار. «و يسألونك عن الجبال، فقل ينفسها ربى نسفا، فيذرها قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، يومئذ يتبعون الداعى لا عوج له، و خشعت الاصوات للرحمان، فلا تسمع الا همسا، يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من أذن له الرحمان و رضى له قولا».

و لقد توصل ثمانية من العلماة، من رجال الفلك بمرصد: (مولارد) تنيجة بحث استغرق 8 سنوات : أن هذه الأرض انما هى شظية من احدى الشظايا التى تطايرت تنيجة لانفجار هائل حدث قبل عشرة آلاف مليون سنة على حد قوله تعالى فى (سورة الأنبياة: 30، أو لم ير الذين كفروا أن السماوات و الارض كانتا رقا (أى كانتا مرتوقتين: مضمومتين ملتحمتين، أى أن السماوات و الارض كانتا جميعا كتلة واحدة) ففتقنا هما (أى ففصلنا بعضها عن بعض و جعلناها شموسا و كواكب و نجوما و أقمارا «توابع للنجوم» و مجرات الى ما هنالك) .

و قد استعمل هؤلاء فى استكشاف الفضاء عدة أجهزة جبارة من بينها تلسكوب (مرقب) و جهاز التقاط للاشارات، و حكموا أن الكون سوف ينتهى فى يوم من الايام. «يوم تبدل الارض غير الارض و السماوات». (سورة ابراهيم عليه السلام: 49) .

و اعترفوا أن فى الكون مسافات هائلة يعجز الذهن عن تخيلها: «و السماء بنيناها بأيد و انا لموسعون» (5) .

كما أثبتوا أن هناك اجساما شمسية ميتة فوق حافة الكون، و هذا ما يؤكد أن الكون يقترب من نهايته. و هذا هو عين ما درسته عندما كنت طالبا فى الجامعة فى فرع (الفيزياء الرياضية العالية) : من أن الشمس آخذة بالأفول و التضاؤل و الاندثار.

«إن الله عنده علم الساعة! و ينزل الغيث و يعلم ما فى الارحام، و ما تدرى نفس ماذا تكسب غدا، و ما تدرى نفس بأى أرض تموت، ان الله عليم خبير». (سورة لقمان: 34) .

و ان هؤلاء العلماء الثمانية توصلوا أيضا الى أن كل الاجسام الموجودة فى الكون من كواكب و نجوم و شموس و غير ذلك تنطلق فى الفضاء بسرعة خيالية تاركة ثغرة فى الوسط.

و انه قد كانت لهذا الكون بداية قطعا، كما جاء فى القرآن الكريم: «أو لم يروا كيف يبدى‏ء الله الخلق ثم يعيده، ان ذلك على الله يسير. قل سيروا فى الارض، فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشى‏ء النشأة الآخرة، ان الله على كل شى‏ء قدير» (6) . و ان الكون لن يدوم الى الأبد و انه يتغير مع الزمن حتى تقترب النهاية، لشروع عالم آخر تتحقق فيه عوالم يوم القيامة.

و هكذا ذهب هؤلاء العلماء يعتقدون أن الانفجار الهائل الذى وقع منذ الوف الملايين من السنين فى عدة كتل من المادة أسفر عن انتشار شظايا مادية فى مختلف الاتجاهات، ثم تطورت هذه الشظايا الى الكواكب و النجوم التى نراها اليوم.

فنرى أن العلم الحديث يقترب من الاعتراف بما جاء فى القرآن الكريم عن البداية و النهاية كلما أتيح له من آلات دقيقة و معلومات رياضية عميقة. و ان معطيات العلم لم تكن لتخالف ما جاء فى كتاب الله المجيد الا لضآلة ما وصل اليه العلم و عجز الآلات المكتشفة عن الاستقصاء .

التكامل فى الاسلام صفحة 210

احمد امين

مشاريع رمضانية

20 / رمضان / 1399 ه الموافق 7/8/1979 م آخر جمعة من شهر رمضان المبارك أقترح أن يكون يوما للقدس. إنه اقتراح عظيم و من رجل عظيم ذلك هو اقتراح الامام الخمينى و قد تم تنفيذ ذلك، و قدر لفلسطين الأرض المقدسة أن ترتبط بشهر رمضان و بليلة من ليالى قدره الشريفة على يد هذا الرجل العظيم. فهنيئا لفلسطين، و هنيئا للشعب الفلسطينى المسلم، و للقدس العزيزة على بزوغ فجر يومها الطاهر من محيا هذا الرجل الطاهر، و من مطلع شهر رمضان. ..

لقد أبى الله العزيز آن تبدأ قضية تحرير فلسطين المقدسة بشكل حقيقى و جاد الا على أيدى المؤمنين به، و المجاهدين فى سبيله، الذين قطعوا ايدى الاستكبار و الكفر و النفاق و العمالة.

ان اعلان يوم القدس من على ساحة الاسلام فى ايران تعنى أن المسلم الحقيقى هو الذى يهتم بأمور المسلمين الآخرين مهما بعدت الشقة و مهما كانت الفواصل الجغرافية شاسعة، و اختلفت اللغات.

و هذه الروحية التى تتجاوز الحدود و القوميات و اللغات لا يحملها الا الانسان المسلم الحق، المتمثل بأبرز مصاديقه الامام الخمينى و كل العلماء المخلصين للاسلام.

و ليس كثيرا على هذا الرجل و هو حفيد على (ع) الذى كان يفكر و يسهر ليله متألما لعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له فى القرص و لا عهد له بالشبع، أن تكون اهتماماته مشابهة لاهتمامات جده على (ع) أو على طريقها فلعل فى الخليل أو القدس أو فى أقطار الأرض من لا طمع له بالاستقرار و الرفاه و لا عهد له بالحربة و العزة.

ان شهر رمضان مثلما يربى فى الفرد ملكة الاحساس يجوع الاخرين و عطشهم، كما جاة فى نصوص أكثر الروايات فهو يربى عندهم احساسا لا يقل عن الاحساس بجوع الآخرين كثيرا، ألا و هو التفكير باستقرارهم و أمنهم و كرامة عيشهم و عزتهم.. و ان هذا الحد من الاحساس لا يتوصل اليه الا الرجال العظام الذين ذابوا فى الاسلام من مثل الامام الخمينى (رض) . ان الاستجابة لهذا النداء الرمضانى الخمينى لهى من أكبر الطاعات العملية العملية لأنها ممارسة فعلية لهذا الاهتمام الايمانى، الذى لا يصله الا أولئك الذين تمكن الايمان من قلوبهم و نجحوا فيما ادعوه من الايمان.

ان هذا اليوم يجسد عالمية الانسان المسلم الصائم و انسانيته على حد سواء، فالانسان المسلم لا يعيش شهر رمضان من خلال هذه المناسبة كطقس دينى لا يترك على وجه الحياة أثرا و لا يعيشه بين أفراد قبيلته دون أن يعيشه مع أفراد جنسه فى أى مكان كانوا بل يعيشه تحت نداء (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) . (7)

فمهما بعد الذين آمنوا و فى أى مكان كانوا ينبغى للانسان الرمضانى الصائم أن يعيش معهم آمالهم و آلامهم، أهدافهم و طموحاتهم.

و على قدر الايمان يكون الاهتمام.. فالامام الخمينى بهذا الهتمام الصادق و الذى هزبه كيان أمريكا و ربيبتها فى المنطقة أسرائيل و جميع حلفائها و عملائها فى الغرب و الشرق، انما يعطى صورة الرجل العالمى الذى يحمل جميع هموم الشعوب المستضعفة و ليس هموم القدس فحسب، و انما جاءت التسمية بيوم القدس باعتبار القدس من أبرز المصاديق التى تعيش المظلومية فى الأرض، و من أقدم البقاع التى عانت من الاظطهاد هى و شعبها على أيدى الطهاينة الأرجاس .

و هذا يعنى أن اهتمام الامام الخمينى لا يقف عند القدس فحسب بل يتجاوزها الى غيرها من الأماكن، التى تعيش المظلومية و الاضطهاد فهو كما قال: «ان يوم القدس يوم عالمى، و ليس يوما يخص القدس فقط، بل يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين. يوم مواجهة الشعوب التى رزحت تحت ضغط الظلم الامريكى و غير الأمريكى. يوم يجب فيه أن يستعد المستضعفون لمواجهة المستكبرين و يمر غونهم فى الترا» (8)

و هو كما قال:«ان يوم القدس يوم يجب أن يتعين فيه مصير الشعوب المستضعفة» (9) .

«و يوم القدس ليس يوم فلسطين فحسب. انه يوم الاسلام» (10)

أجل فهو يوم التحدى من قبل المسلمين لشياطين الانس بعد أن أمضوا فترة من التحدى بفضل الصوم لشياطين النفس. إنها المرحلة الثانية من مراحل التحدى.

فشهر رمضان الذى ربى فى نفس الصائم هذه القدرة على تحدى شياطين النفس من الهوى و الشهوات ينتقل بها الى حقل آخر من حقول التحدى و هو تحدى شياطين الانس من أمثال حكام أمريكا فى هذا اليوم و عملائهم من أعداء الانسانية و المستضعفين بالخصوص.

و يوم القدس يوم الاسلام؛ لأن الممثل الأمين و المدافع الحقيقى عن كل مقدس و مستضعف هو الاسلام لا غير و لأن الاسلام هو القادر الوحيد على حماية و صيانة المقدسات و الحقوق .

ان روحية التحدى ان لم تتكون فى نفس الصائم طيلة هذه الأيام البضعة و العشرين من شهر رمضان لهو فى صوم على مستوى هابط لم يحقق أهدافه الالهية المرسومة.

ان الطغاة يخشون من هذا اللون من الصوم الذى يربى الارادة الحرة الواعية و يطلقها صيحة مدوية بوجوه الغافلين و الناهبين، لا ذلك الصوم الخافت الذى ينتهى الى التصفيق لهم، و مدارة عروشهم و كراسيهم. و ليست قصة ذلك الانگليزى المستعمر الذى كان يحمى عرش الملوكية العملية فى العراق ببعيدة عن الأذهان فهو حالما فهم أن ذلك الأذان الذى انطلق من على مئذنة من مآذن بغداد و استفسر عن هدف هذا الصوت المدوى و قيل له بأن هذا ليس تظاهرة و انما هو اعلام من أجل الصلاة و ان هذه الصلة عبارة عن طقس عبادى يومى و لا يعقبه أى خطر على المصالح البريطانية قال: اذا كان الأمر هكذا فليس لنا معهم شى‏ء.

ان التزايد المطرد لعدد المتظاهرين فى هذه السنين الأخيرة فى الجمهورية الاسلامية بمناسبة يوم القدس يدل على ازدياد عدد المتحدين و المتحدين فى ظلال هذه الفريضة المقدسة، و فى ظلال أوامر القائد العالمى الفذ. كما يدل على أن الصوم و القضايا الانسانية من مثل قضية الشعب الفلسطينى و المقدسات السلبية من مثل القدس العزيزة لها أكبر الأثر فى رفع روح التحدى تجاه الغاصبين و الناهبين و المستكبرين.

و هذه الأمور الثلاثة ـ الصوم، و القضايا الانسانية، و المقدسات، من معنيات شهر رمضان و من صميم مهامه الأساسية.

افضل الشهور ص 400

محمد على جواد

الهوامش:

1ـ «و لو أن ما فى الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله».

2ـ السعرة: مقدار الحرارة اللازم لرفع درجة حرارة (غرام واحد من الماء) درجة واحدة مئوية، اى من درجة 14 مئوية مثلا الى درجة 15 مئوية:

3ـ سورة التكوير: .1 و معنى كورت هنا أى رفعت.

4ـ انكدرت: اظلمت. سيرت: أى ذهبت.

5ـ سورة الذرايات: .47

6ـ سورة العنكبوت: .19 18

7ـ سورة البقرة: .183

8ـ من بيان الامام الخمينى بتاريخ 22/ رمضان / 1399 بمناسبة يوم القدس العالمى عن كتاب توجيهات الامام الخمينى الى المسلمين ص 97 ـ .99

9ـ نفس المصدر

10ـ نفس المصدر.