العيد ... لماذا؟ و كيف
و عندما نثير مسألة العيد فقد نتساءل ماهى فلسفته؟ و ما هى آفاقه؟ فالعيد هو معنى انسانى
. و نحن لا نجد أمة من الأمم إلا و لها أعيادها الدينية و السياسية و الاجتماعية، و قد
أصبح لدينا تقليد جديد و هى الأعياد الشخصية كعيد ميلاد الإنسان و عيد زواجه، و ما إلى
ذلك ...
و عند ما نريد أن ندرس فكرة العيد فإنها تنطلق من مناسبة حيوية مهمة حيث يعيش الإنسان
الفرح الكبير فيها، و يحاول أن يمد هذا الفرح من خلال ما يمد به المناسبة فى الذكرى
تارة و فى الممارسة تارة أخرى، و لقد جاءت كلمة العيد فى القرآن فى الحوار بين عيسى
و أصحابه حول المائدة التى يمنحها الله لهم، ليعيشوا الفرح فى معنى الكرامة الإلهية،
و لتكون مناسبة يتذكرونها و يخلدونها مع الأجيال التى تلتزم نهجهم، و تعيش سر الكرامة
فى حركتهم، و فى قاعدتهم و لذلك طلبوا منه أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء و قالوا
(تكون لنا عيدا لأولنا و آخرنا) [المائدة: 114]. أن تكون عيدا يحتفل به أولنا الذين
عاشوا الكرامة، و يحتفل به آخرنا الذين يعيشون من بركة هذه الكرامة.
أعياد الاسلام:
و فى الاسلام عيدان فى المعنى المصطلح للعيد «عيد الفطر» و «عيد الأضحى» أما الأعياد
الأخرى التى تذكر فهى تمثل الأعياد بالمعنى العام للعيد لا بالمعنى الشرعى للعيد. فلنقف
مع عيد الفطر و نستوحى سر العيد فيه. و لعل أفضل كلمة قيلت فى معنى العيد، فى امتداد
العيد بالزمن من حيث حركة هذا السر فى الإنسان هى كلمة على عليه السلام «انما هو عيد
لمن قبل الله صيامه و قيامه» فلقد جاء فى نهاية حركة مسؤولة عاشت فى موسم معين محمل
بمختلف ألوان الروح، فيما يمكن أن يرتفع بالإنسان فى عملية روحية إنسانية داخلية و خارجية،
فشهر رمضان هو شهر الله الذى يتفح الله فيه باب رحمته و مغفرته و لطفه و عفوه و غفرانه
للصائمين، و للقائمين، و للمجاهدين، و للعاملين، فى مواقع رضاه؛ فهو شهر التوبة و المغفرة
و الرحمة و هو شهر القبول كما جاء عن الإمام «زين العابدين» عليه السلام فى دعائه، و
هو شهر الإسلام، و لذلك فقد حشد الله فى هذا الشهر ما و زعه على بقية الشهور، فهو حمام
روحى يدخله الانسان ليغسل عقله فلا يبقى فى عقلبه إلا الحق، و ليغسل قلبه فلا يبقى منه
إلا الخير و المحبة، و يغسل فيه حياته فلا يبقى فى حياته إلا ما يرضى الله فى مواضع
طاعته،و
ليغسل فيه أحلامه فتنطلق أحلامه لتكون أحلاما لا تبتعد عن انسانيته فى مواقع
العبودية لله، و ليغسل فيه أهدافه فلا تكون أهدافه إلا الأهداف التى تنفتح على الغايات
التى وضعها الله للإنسان ليستهدفها فى حياته، و هكذا جعل الصيام وسيلة من وسائل تقوية
الشخصية الإسلامية الإنسانية و تقوية الإرادة المنفتحة على وعى المسؤولية.
الصوم الكبير:
فالصوم ليس مجرد وسيلة تدريبية لإرادة عمياء و لكنه وسيلة تدريبية لإرادة مفتوحة العينين
فى خط الله، و هكذا كان هذا الصوم الصغير مقدمة للصوم الكبير فقد أرادنا الله أن نصوم
عن كل المحرمات، و أرادنا الله أن نصوم عن كل مواقع الذل فى حركة الحياة، و أرادنا أن
نصوم عن كل حقد و عداوة وضغينة و شر فى مشاعرنا و عواطفنا و أحاسيسنا، و هكذا كانت مسؤوليتنا
فى الصوم مسؤولية تشمل كل مواقعنا الإنسانية الداخلية و الخارجية و هى أن تكون لك إرادة
البحث عن الحقيقة دون تعصب، و إرادة كل الذين يتحركون فى خط الحق دون خوف، و إرادة المواجهة
لكل الذين يقيفون فى وجه الرسالات دون ضعف، و لذلك كان شهر رمضان شهر الإسلام شهر الاسلام
فى مواقع القوة.
«بدر» و «فتح مكة»:
و قد لا تكون صدفة أن شهر رمضان احتضن أول و آخر معركة حيوية فى الاسلام، فقد كانت أول
معركة افتتح الاسلام حركة القوة فيها هى «بد» و كانت آخر معركة استكمل الاسلام مواقع
القوة فيها هى «فتح مكه» أما «حنين» و ما بعدها فهى تفاصيل، و لكن المعركتين اللتين
تمثلان بداية حركة القوة فى مواقع التحدى التى دخل فيها الاسلام الى العالم العربى ليكون
القوة الثانية الى جانب قوة قريش، و لينفتح الناس عليه لا كدعوة حق بل إلى جانب ذلك
كموقع قوة. و كان الناس يعيشون فى ضعف و عندما أسقطت كل قوة قريش فى مكة رأيت الناس
يدخلون فى دين الله أفواجا و لذلك ليست صدفة أن تنطلق «بدر» و « فتح مكة» فى رمضان.
الزاد الثقافى:
فإذا انطلقت الى لقاءاتك بالله التى تعطى صومك روحانية و وعيا و انفتاحا و ثقافة فى
العقيدة، و ثقافة فى وسائل طاعة الله، و ثقافة فى كل مفاهيم الاسلام فى المعنى الروحى
الذى لا يبتعد عن الحياة، بل يغنى الحياة حيث انك فى ليالى شهر رمضان و فى نهاراته تنطلق
فى هذه الأدعية التى تمثل منهجا ثقافيا تربويا ينبت فى عقلك الكثير من غراس الحق، و
يزرع فى قلبك الكثير من شتلات الخير، و يزرع فى حياتك الكثير من أشجار القوة. و هكذا
تنطلق فى كل مواقعه صائما منفتحا على الله لتجمع لنفسك فى هذا الشهر كل عناصر روحية
المسؤولية ليكون الشهر بكل عطاءاته الموسسم الزمنى الذى يعطى الإنسان من روحانيته و
يأخذ من الإنسان مسؤوليته.
النجاح فى المسؤولية:
ليقول لك ـ أى شهر رمضان ـ أيها الانسان اذا نجحت فى مسؤوليتك فان هذه المسؤولية الرمضانية
لابد أن تتحرك لتكون مسؤولية العام كله و العمر كله، أيها الانسان اذا التقيت بالله
فى شهر رمضان فى مواقع القرب اليه فحاول أن لا يبعدك الشيطان عنه، و إذا اقتربت الى
الانسان فى مواضع التعاون على البر و التقوى فلا تسمح للشيطان أن يدفعك بعيدا للتعاون
على الإثم و العدوان، و هكذا نجد أنه شهر المسؤولية و شهر القرب الى الله و شهر الرجوع
الى الله، و لذلك إذا كنت الإنسان الجاد فى صيامك و قيامك فإنها السعادة كل السعادة
عندما يقبلك الله، و إذا قبلك الله و أحسست بقبول الله لك من خلال عقلك المنفتح عليه،
و قلبك الخاشع بين يديه، و حياتك المتحركة فى دربه، فهو العيد كل العيد، «إنما هو عيد
لمن قبل الله صيامه و قيامه» و إذا أردت أن لا تجعل العيد يوما فى الزمن فبإمكانك أن
تعطى الزمن فى كل أيامه و فى كل لحظاته معنى العيد فإذا كنت تحتفل فى يوم الفطر بأنك
أطعت الله، فاليوم الثانى الذى تعيش فيه الطاعة و تبتعد فيه عن المعصية هو يوم يمكن
أن تحتفل به كعيد.
العيد فى مدى الزمن:
و بذلك يرتفع معنى العيدين فى وجداننا و حياتنا ليكون العيد طاعة الله و لتكون مناسبة
العيد مناسبة طاعة، و عند ذلك تكنون كل أيامنا أعيادا عندما نطيع الله فى صلاتنا و عندما
نطيع الله فى علاقاتنا، و عندما نطيع الله فى كل معاملاتنا، و عندما نطيع الله فى سياستنا
و اقتصادنا و أمننا و جهادنا فى سبيل الله، عند الله يمكن أن نعيش العيد فى امتداد الزمن
. و هكذا لا يبقى العيد يوما فى السنة و لكنه يمتد ليكون سنة فى العمر و عمرا فى الوجود
كله. و هذا ما ينبغى لنا، أيها الأحبة، أن نعيشه و أن نفهم أن العيد ليس لعبا و لا لهوا
. و قد ورد فى حديث مروى عن الامام الحسين عليه السلام و قد يروى عن غيره و النبع واحد
و الجوهر واحد و الوحى واحد و الأفق واحد «نظر الى قوم يلعبون فى يوم عيد الفطر فقال
: إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته الى رضوانه فسبق قوم ففازوا و قصر
قوم فخابوا، فالعجب كل العجب من الضاحك اللاهى فى يوم يثاب فيه المحسنون و يخسر فيه
المسيئون» فليكن فرحنا بثواب الله، و ليكن حزننا من خلال سخط الله كما قال على عليه
السلام لابن عباس «فلا يكن أفضل ما نلت فى دنياك بلوغ لذة و شفاء غيظ و لكن إطفاء باطل
و
إحياء حق، فليكن سرورك فيما قدمت لغدك و أسفك فيما خلفت من فرص و همك فيما بعد الموت»
(و فى ذلك فليتنافس المتنافسون) [المطففين: 26].
و الحمد الله رب العالمين
الندوة ص 91
آيت الله سيد محمد حسين فضل الله