قيمة الدعاء و مفهومه فى الاسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله سبحانه فى كتابه الكريم:
«و إذا سألك عبادى عنى فإنى قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى و ليومنوا بى
لعلهم يرشدون» (1)
و فى آية اخرى
«و قال ربكم ادعونى أستجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين» (2)
مع هاتين الايتين وغيرهما من الايات التى عالجت موضوع الدعاء فى القرآن الكريم نشعر
بطبيعة الاهمية التى يمثلها الدعاء فى علاقة الانسان بربه و ارتباطه بقضية الايمان و
العقيدة.
الرعاية الإليهة
ففى الآية الاولى: نواجه اسلوب الرفق و الرحمة و الحنان الذى يمس شغاف القلب بحلاوة
فيحس الانسان ببراءة الطفولية و صفائها تزحف إلى قلبه فى وفقته الخاشعة أمام ربه فيشعر
بالرعاية الألهية وهى تلامس روحه و تمس ضميره و تدعوه الى ان يفتح قلبه بكل ما فيه من
هموم و آلام و ألى أن يعرض حياته بكل ما فيها من مشاكل و عقبات و يرفع صوته بكل ما لديه
من غايات و حاجات ليجد الله قريبا منه يسمع دعاءه ويعلم نوازعه و يحيط بشؤونه و شجونه
فيسكن و يطمئن من أعباء ذاته وأثقالها.
الخط الفاصل
و فى الاية الثانية نقف مع أسلوب الحزم الذى يجعل من موضوع ممارسة الانسان الدعاء او
عدم ممارسته قضية الاعتراف بالعبوديه لله جل شأنه او التمرد عليها و يوحى للعبد ان ذلك
هو الخط الفاصل بين الايمان و الكفر و بين الجنة و النار.
ففى الدعا يجد الانسان ربه مع مشاعره و حاجاته بينما لايواجه الانسان فى حالة التمرد
عليه الا الحرمان من فضله فى الدنيا و مواجهة العقوبة فى الاخرة.
أهمية الدعاء
و ربما نجد فكرة الاهمية القصوى للدعاء فى أوضح دلالتها فى الاية الكريمة «قل ما يعبأ
بكم ربى لو لا دعاؤكم» (3) التى تحدد رعاية الله لعباده بمقدار ارتباطهم به بالدعاء و هنا نسأل ما هو السر فى ذلك
كله؟
و كيف يمكن لطقس من الطقوس الدينيه ان يرقى الى المرتبه التى تتحدد فيها علاقة الانسان
بربه على اساس ممارسته او عدم ممارسته؟
ولكن القضية ـ فى ما يبدولنا ـ و نحن فى محاوله الاجابه على هذا السوال ليست قضيه طقس
عبادى مجرد او تقليد دين شكلى بل الدعاء هو التعبير الحى عن شعور الانسان بحاجته الدائمة
الى الله فى جميع اموره و اعترافه الخاضع بصفة العبوديه التى تتمثل فى الاحساس بالارتباط
العميق بالله و الفنا فيه بحيث لا يحس معه بوجوده و لا يشعر بكيانه.
و من البديهى ان الايمان الحى لا يتحقق بدون هذا الشعور و هذا الاحساس اذ لا معنى للايمان
بالله الا بالاحساس بالقدرة الخالقة التى لا تقف عند حد و القوة المطلقة التى لا تنتهى
الى غايه فى مقابل عجز الانسان وضعفه الذى لا يملك لنفسه ضرا و لا نفعا الا بالله.
و على ضوء هذا فان حاجتنا الى الدعا تتمثل فى حاجاتنا الى التعبير عن هذا الايمان و
العمل على استمراره داخل النفس حيا نابضا بالحياة يجدد للأنسان ايمانه و يركز ثقته بالله
.
و لهذا ورد فى الحديث ان «الدعا مخ العبادة» (4) لانه التعبير الحى عن معنى العبودية و الخضوع و الخشوع الذى يتمثل فى العبادة بدونه تصبح
العبادة جسدا لا روح فيه.
و بذلك يخرج الدعاء عن ان يكون طقسا تقليديا يمارسه الانسان بدون فهم او وعى بل بفعل
العادة الدائبة
تلك هى بداية الدعا فى مفهوم الاديان التى التقت كلها فى تقديس الدعا و إعطاوه هذه الاهميه
عندما التقت فى تاكيد الايمان بالله و قد نص القرآن الكريم على دعاء نوح و ابراهيم و
موسى و ايوب و زكريا و غيرهم فى ساعات الحرج و الضيق و فى حالات البتهال و الانقطاع
كأسلوب عملى يوحى للناس بقيمة هذا العبادة فى علاقة المرء بربه و بأصالتها فى مفهوم
الايمان حتى فى حياة الانبياء الذين يمثلون القمة الانسانية فى القرب الى الله.
قيمة الدعاء فى الاسلام
و انطلق القرآن الكريم بعد ذلك ليؤكد هذه العبارة فى جميع حالات الانسان حتى لاتكون
علاقة الانسان بالله منفعة مادية فنراه فى الوقت الذى يحث الانسان على أن يدعوه خوفا
وطمعا يطلب منه فى آية اخرى ان يدعوه مخلصا له الدين فى دعاء الاخلاص و التوحيد الخالص
و يشير فى بعض الايات الى نماذج من الناس لا يعرفوا الدعاء الا فى اوقات الشدة حتى إذا
كشف الله عنهم ذلك نسوا الله «و إذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا اليه ثم إذا خوله نعمة
منه نسى ما كان يدعوا اليه من قبل» (5)
و نخرج من ذلك كله بفكرة واحدة هى ان قيمة الدعا فى حياة الانسان لا تنطلق من شعوره
بالحاجة الانية المحدودة بل تمتد لتشمل الشعور العميق بالصلة الروحية التى تشد الانسان
الى ربه فى محبة و اطمئنان.
و بدأت السنة النبويه الشريفة و أقوال الائمة الهدة من أهل البيت عليهم السلام تعطى
الدعا دورا حيويا فى حياة الانسان العامة ففى بعض هذه الأحاديث دعوة الى أن لا يقتصر
الانسان بالدعاء لنفسه بل يعمل على ان يدعوا لاخيه بظهر الغيب ليحصل على النتيجة لنفسه
أكثر مما لو دعا لنفسه و فى ذلك ايحاء خفى بضرروة الشعور بالاخوة التى تربطه بالاخرين
حتى ليحس ـ و هو بين يدى الله ـ بحاجات اخوانه قبل ان يحس بحاجته الخاصه و لعلنا نجد
ذلك واضحا فى النصوص الدينية كما جاء فى حديث الامام زين العابدين على بن الحسين عليه
السلام.
«ان الملائكة إذا سمعوا المومن يدعوا لاخيه بظهر الغيب أو يذكره بخير قالوا نعم الاخ
انت لاخيك تدعوا له بالخير و هو غائب عنك و تذكره بالخير قد أعطاك الله مثلى ما سألت
له و اثنى عيلك مثلى ما أثنيت عليه و لك الفضل عليه».
و قد يتسامى هذا المعنى فيبلغ مستوى الغيرية المطلقة التى تجعل الانسان يهتم بغيره اكثر
مما يهتم بنفسه فقد روى عن الامام الحسن بن على عليه السلام انه يقول عن امه فاطمة الزهراء
عليها السلام كانت تقضى الليل بالعبادة والدعاء المومنين والمومنات و لا تدعو لنفسها
فسألها لم لا تدعين لنفسك فقالت: يا بنى الجار ثم الدار.
أدعية أهل البيت عليهم السلام و علاقتها بالحياة
و تطورت التجارب العملية للدعاء فى أدعية اهل البيت عليهم السلام و لا سيما دعاء الامام
زين العابدين عليه السلام فى الصحيفة السجادية فاتجهت الى الانفتاح عى الحياة بكل ما
فيها من أحداث و أوضاع و هموم و مشاكل و قضايا تتصل بحياة الناس من الظلم و العدل و
الحق و الباطل و السلم و الحرب و الفقر و الغنى و المحبة و البغض و غير ذلك.
و قد كانت غاية تلك المحاوله ان تجعل من الدعاء مدرسة تربط الانسان بالحياة و تربط الحياة
بالله و توكد المفهوم الاسلامى الذى لا يجعل من حياة الانسان معنى ماديا بعيدا عن الروح
بل يريد ان يوجد التمازج الحى بين الروح و المادة فى وحدة رائعة تنسجم مع اتصال الجانب
الروحى بالجانب المادى فى كيان الانسان.
فلم ترد للإنسان أن ينهزم و ينعزل عن وجوده فى عملية هروب سلبى بهجة الانقطاع الى الله
و الابتعاد عن المادة بل ارادت له ان يجعل من صلته بالله حافزا إيجابيا يدفعه الى العمل
من أجل تحقيق إرادة الله فى بناء الحياة بشكل أفضل و كمثال على ذلك نجد فى دعاء الامام
زين العابدين عليه السلام فى كل صباح و مساء أحساس الانسان ـ و هو يدعوا ـ فى بداية
الدعاء بالوحدة التى تربط بينه و بين الموجودات فى العبوديه لله و الانقياد لأرادته
و الخضوع لسننه و تقاديره «أصبحنا و أصبحت الاشياء كلها بجملتهالك سماوها و أرضها و
ما بثثت فى كل واحد منهما ساكنة و متحركة و مقيمة و شاخصة و ما علا فى الهواء و ما كن
تحت الثرى».
ثم يشعر برقابة الزمن عليه فيخيل اليه انه يرصد حركاته و يسجل أعماله و يحصيها عيله
ليقدم الشهادة بها أمام الله بد ان يودعه بمدح او ذم «اللهم و هذا يوم حادث جديد، و
هو علينا شاهد عتيد ان احسنا و دعنا بحمد و ان أسأنا فارقنا بذم».
ثم يثير فى نفس الانسان محاوله التخطيط الواعى لحركة العمل اليومى و يلخصها فى استعمال
الخير و هجران الشر و شكر النعم و متابعة السنن و مجانبة البدع و الامر بامعروف والنهى
عن المنكر و حياطة الاسلام و انتقاص الباطل و أذلاله و نصرة الحق و أعزازه و أرشاد و
معاونة الضعيف و أدراك الهيف و بذلك يحدد للانسان طريقة و أهدافه و مجالات انطلاقه.
و فى هذا الدعاء نجد النزوع الى الأفضل فى حركة الانسان فى الزمن «واجعله أيمن يوم عهدناه،
و أفضل صاحب صحبناه و خير وقت ظللنا فيه» و التعاطف معه حتى يحس الانسان معه كما يحس
تجاه الصاحب الذى يصحبه فلا يقابله الا بكل خير.
و نجد فى دعائه فى النظر الى اصحاب الدنيا محاولة لتحديد مقاييس التقييم و التقدير فى
ميزان الاسلام «و اعصمنى من أن أظن بذى عدم خساسة أو أطن بصاحب ثروة فضلا فأن الشريف
من شرفته طاعتك و العزيز من أعزته عبادتك».
و فى بعض الادعيه نجد المحاولة التى تجعل من السلوك السلبى تجاه الظالمين وعدم نصرة
المظلومين عليهم سببا للاعتذار كالجانب الايجابى فى مساندة الظالمين «اللهم أنى أعتذر
أليك من مظلوم ظلم بحضرتى فلم أنصره». و هكذا يتحول الدعاء ألى عنصر تربوى و توجيهى
يثير فى نفس الانسان الشعور بالقيم و الاحساس بالمعانى الخيرة فى الكون و مسؤليته تجاه
ذلك كله بالعمل على تجسيدها واقعا حيا يتحرك فى الحياة ليحركها فى سيرها الحثيث نحو
المستوى الافضل كل ذلك فى اسلوب المناجاة الذاتيه التى يمارسها الانسان ـ بين يدى الله
ـ فتنفذ معانيها الى مشاعره و احاسيسه فى بساطة و عفوية دونها بساطة النور و عفوية الحياة
.
و لعل قيمة هذا الاسلوب ـ من الوجهة التربوية ـ تكمن فى ان الانسان لا يعيش فى أجواء
و عظية تأتيه من الاخرين ـ من فوق ـ فتكون ثقيلة على نفسه ككل شىء يأتيه من الخارج
بل يظل الانسان ـ مع الدعاء ـ فى مناجاة ذاتيه مطمئنة يحدد الانسان فيها مواقفه و يركز
حياته على دروب القيم و يقدم حسابه ألى الله فى رجاء و ابتهال.
و على ضوء ما قدمنا أن عيلينا أن ندرس الادعيه الاسلاميه و لا سيما أدعية الصحيفة السجادية
عندما نريد ان ندرس وسائل التربية فى الجوانب الروحية من الدين لانها تمثل علاقة الجانب
الروحى بالحياة و تحطم المفهوم الخاطى الذى يجعل من الروح عنصرا مقابلا للمادة لايجتمع
معها فى ميزان واحد و بذلك نحصل على فهم موضوعى شامل لمسألة الدين و الحياة و موقف الانسان
بينهما فى مجال النظرية و التطبيق.
الدعاء لايمثل الاتكالية
بقىء علينا جانب أصيل من جوانب الدعاء، لا بد لنا من اثارته فى ختام حديثنا هذا.
و هو أن فكرة الدعاء لا تمثل الاسلوب الاتكالى، الذى يلجأ الانسان فيه الى الله فى اموره
و مشاكله، من دون أن يتقدم خطوة عملية فى محاولته الذاتية فى السعى لحل هذه المشكلة،فليس
المفترض فى الدعاء أن يتولى الله قضاء حاجات الانسان بشكل مباشر، مع قدرة الانسان على
مباشرة هذه الحاجات و امتناعه عن الحركة منتظرا المعجزة التى تأتى اليه من السماء.
ان هذا المفهوم عن الدعاء خاطىء جدا، لأن الدين لا يؤمن بالمعجزة فى حياة الانسان العامة،
و انما يؤمن بقانون السببية الذى أودعه الله فى الأشياء فجعل لكل شىء سببا، سواء فى
ذلك الحياة و الموت و الصحة و المرض و الفقر و الغنى و النصر و الهزيمة و دعا الانسان
الى الأخذ بهذه الأسباب، و الاعتماد على الله بعد استكمال ذلك كله، و اذا عرضت له مشكلة
فى الطريق أو خاف انحراف السبب الى غير وجهته، و ان له أن يدعو الله بعد ذلك فى كلمة
تقول: «اللهم هذا ما أستطيع فأعنى على ما لا أستطيع، و هنا الاجابة الحكيمة لتنقذ الانسان
من شعوره بالضعف أمام القوى الخفية فى اطار المجهول.
و قد جاءت الأحاديث الكثيرة التى اعتبرت الانسان الذين لا يأخذ بالأسباب الطبيعة الأشياء،
كالعمل للرزق و الدواء للمرض و القوة للنصر، ممن لا يستجاب دعاؤه.
و بعد، فهذا بعض الحديث عن الدعاء فى الاسلام، حاولنا أن نضع أيدينا على بعض جوانبه،
لنكتشف فيها أحد العناصر الايجابية التى تحرك فى الانسان المسلم روح الايمان و طبيعة
العمل و نزعة التفاؤل فى الحياة، عندما يشعر الانسان بأن الظروف التى تحيط به ليست كل
شىء لتبعثه على اليأس عندما تظلم و تضيق، بل الله وراء كل شىء، يفتح للانسان المخرج
من حيث لا يجد و لا يشعر و يرزقه من حيث لا يستحب.
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش
(1)البقرة / 186
(2)المومن / 60
(3)الفرقان / 77
(4)البحار جلد 93 صفحه 300 روايت 37 باب 16
(5)الزمر / 8
فى رحاب الدعاء ص 13
آية الله السيد محمد حسين فضل الله