أبوطالب، حامي الرسولصلى الله عليه و آله و سلم
روى «ابن الجوزى» فى «التذكير» عن أهل السير: ان اباطالب لما قام بنصرة رسول الله صلى
الله عليه و آله و سلم ذب عنه أحسن الذب اجتمعت إليه قريش و قالوا: إن ابن أخيك قد سب
إلهنا و سفه أحلامنا، و ضلل آباءنا، فإما أن تسلمه إلينا او يقع الحرب بيننا.
فقال: بفيكم الحجر، و الله لا اسلمكه إليكم ابدا. فقالوا: هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة
أجمل فتى في قريش و أحسنه فخذه و اتخذه ولدا عوضه و سلمكه إلينا نقتله و رجل و برجل
.
فقال أبوطالب: قبح الله هذه الوجوه و يحكم و الله بئس ما قتلتم تعطوني ابنكم أغذوه لكم
و اعطيكم ابني تقتلونه! بئس و الله الرجل أنا ثم قال: أفرقوا بين انوق و فصلانها فإن
حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته أليكم.
ثم قال:
و الله لن يصلوا اليك بجمعهم
حتى اوسد في التراب رهينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
و ابشر وقر بذلك عيونا
و عرضت دينا لا محالة إنه
من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة او حذار مسبة
لوجدتنى سمحا بذلك ضنينا (1)
و عن «ابى سعيد الواعظ» فى كتاب «شرف المصطفى» انه لما حضرت عبدالمطلب الوفاة دعا ابنه
أباطالب فقال له: يا بني قد علمت شدة حبي لمحمد و وجدي به انظر كيف تحفظني فيه.
فقال أبوطالب: يا أبه توصني بمحمد فإنه ابنى و ابن أخى فلما توفي عبدالمطلب كان ابو
طالب يؤثره بالنفقة و الكسوة على نفسه و على جميع أهله. (2)
و كان النبى صلى الله عليه و آله و سلم إذا أخذ مضجعه و نامت العيون جاءه أبوطالب فأنهضه
عن مضجعه و أضجعه و اضجع عليا مكانه و وكل عليه ولده و ولد أخيه فقال علي عليه السلام
: يا أبتاه: إنى مقتول ذات ليلة.
فقال أبوطالب:
اصبرن يا بني فالصبر أحجى
كل حي مصيره لشعوب
قد بلوناك و البلاء شديد
لفداء النجيب و ابن النجيب
لفداء الاعز ذي الحسب الثا
قب و الباع و افناء الرحيب
إن تصبك المنون بالنبل تترى
فمصيب منها و غير مصيب
كل حى و ان تطاول عمرا
آخذ من سهامها بنصيب
فقال علي عليه السلام:
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد
فوالله ما قلت الذى قلت جازعا
و لكنى أحببت أن تر نصرتي
و تعلم أنى لم أزل لك طائعا
و سعيى لوجه الله فى نصر احمد
نبي الهدى المحمود طفلا و يافعا
(3)
و في «تاريخ يعقوبى» و لما بلغ العشرين ظهرت فيه العلامات و جعل أصحاب الكتب يقولون
فيه و يتذاكرون أمره و يتوصفون حاله، و يقربون ظهوره، فقال يوما لابى طالب: يا عم أنى
ارى فى المنام رجلا يأتيني و معه رجلان فيقولان : هو هو، و إذا بلغ فشأنك به، و الرجل
لا يتكلم. فوصف أبوطالب ما قال لبعض من كان بمكة من أهل العلم. فلما نظر الى رسول الله
صلى الله عليه و آله وسلم قال: هذا الروح الطيبة هذا و الله النبي المطهر.
فقال أبوطالب: فاكتم على ابن أخه لا تغر به قومه، فوالله إنما قلت لعلي ما قلت، و قد
أنبأني أبي عبدالمطلب بأنه النبي المبعوث و أمرني أن أستر ذلك لئلا يغري به الاعادي
. (4)
و ذكر «ابن شهر آشوب» عن مقاتل: لما رأت قريش يعلو أمره قالوا: لا نرى محمدا يزداد إلا
كبرا و تكبرا و إن هو إلا ساحر أو مجنون و توعدوه و تعاقدوا لئن مات أبوطالب ليجمعن
قبائل قريش كلها على قتله و بلغ ذلك أباطالب فجمع بنىهاشم و أحلافهم من قريش،فوصاهم
برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و قال: إن ابن أخي كما يقول أخبرنا بذلك آباؤنا
و علماؤنا أن محمدا نبي صادق، و أمين ناطق و إن شأنه أعظم شأن و مكانه من ربه اعلى مكان
فأجيبوا دعوته و اجتمعوا على نصرته و راموا عدوه وراء حوزته، فإنه الشرف الباقي لكم
طول الدهر، و إنشأ يقول:
اوصي بنصر النبي الخير مشهده
عليا ابني وعم الخير عباسا
و حمزة الاسد المخشى صولته
و جعفرا أن تذودوا دونه الباسا
و هاشما كلها اوصي بنصرته
أن يأخذوا دون حرب القوم أمراسا
كونوا فداءا لكم نفسى و ما ولدت
من دون أحمد عنه الروع أتراسا
بكل أبيض مصقول عوارضه
تخاله من سواد الليل مقباسا (5)
النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشتكي عند أبي طالب:
في «الكافى»: بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: بينا النبي
صلى الله عليه و آله و سلم في المسجد الحرام و عليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه
سلا (6) ناقة فملؤوا ثيابه بها فدخله من ذلك ماشاء الله، فذهب الى ابى طالب و قال له: يا عم كيف
ترى حسبى فيكم؟
فقشال له: و ما ذلك يا بن أخى؟ فأخبره الخبر، فدعا أبوطالب حمزة و أخذ السيف و قال لحمزة
: خذ السلاح ثم توجه الى القوم النبي معه فأتى قريشا و هم حول الكعبة فلما رأوه عرفوا
الشر في وجهه ثم قال لحمزة:أمر السلا على سبالهم فعل ذلك حتى أتى على آخرهم ثم التفت
أبوطالب إلى النبي صلى الله عليه واله و سلم فقال يا ابن أخى هذا حسبك فينا. (7)
أبوطالب يفقد النبي و يطلبه من قريش:
و في «البحار» عن «الحنبلي» بإسناده إلى محمد بن إسحاق عن عبدالله بن مغيرة بن معقب
قال: فقد .بوطالب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه واله و سلم فظن أن بعض قريش
اغتاله فقتله فبعث إلى بني هاشم، فقال: يا بني هاشم، أظن أن بعض قريش اغتال محمدا فقتله
فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة و ليجلس الى جنب عظيم من عظماء قريش فإذا قلت أبغي
محمدا قتل كل منكم الرجل الذى إلى جانبه و بلغ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
جمع أبي طالب و هو في بيت عند الصفا فأتى أباطالب و هو فى السمجد، فلما رآه أبوطالب
أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش فقدت محمدا فظننت أن بعضكم اغتاله فأمرت كل فتى شهد من
بني هاشم أن يأخذ حديدة و يجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم فإذا قلت أبغي محمدا قتل
كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه، فاكشفوا عما في أيدكم يا بني هاشم، فكشف بنو هاشم
عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه و آله و
سلم.
ثم أنشأ أبوطالب يقول:
ألا أبلغ قريشا حيث حلت
و كل سرائر منها غرور
فإني والضوابح غاديات
و ما تتلو السفافرة الشهور
لآل محمد راع حفيظ
و ود الصدر مني و الضمير
فلست بقاطع رحمي وولدي
و لو جرت مظالمها الجزور
أيأمر جمعهم أبناء فهر
بقتل محمد و الامر زور
فلا و أبيك لاظفرت قريش
و لا لقيت رشادا إذا تشير
بني أخي و نوط القلب مني
و أبيض ماؤه غدق كثير
و يشرب بعده الولدان ريا
و أحمد قد تضمنه القبور
أيا ابن الأنف أنف بني قصي
كأن جبينك القمر المنير (8)
وروي: أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من السرى نزل على ام هانىء بنت ابيطالب
فأخبرها فقال: بأبي انت و امى و الله لئن اخبرت الناس بهذا ليكذبنك من صدقك و كان أبوطالب
قد فقده تلك الليلة فجعل يطلبه و جمع بنىهاشم ثم أعطاهم المدى و قال: إذا رأيتموني
أدخل و ليس معي محمد فلتضربوا و ليضرب كل رجل منكم جليسه و الله لا نعيش نحن و لا هم
و قد قتلوا محمدا، فخرج في طلبه و هو يقول يا لها عظيمة إن لم يواف رسول الله مع الفجر
فتلقاه على باب ام هانىء حين نزل من البراق فقال: يا ابن أخي انطلق فادخل بين يدي المسجد
و سل سيفه عند الحجر و قال: يا بنىهاشم أخرجوا مداكم فقال: لو لم أره ما بقى منكم سفر
و لا عشنا فاتقته قريش منذ يوم أن يغتالوه ثم حدثهم محمد، قالوا: صف لنا بيت المقدس
... (9)
تعليقات:
(1)تذكرة الخواص: 18، و فيه: «ثم قام ابوطالب يذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله من
سند ثمان من مولده الى السنة العاشرة من النبوة و ذلك اثنان و اربعون سنة. العمدد لابن
بطريق: 478، و قال: «و في هذا القول منه و الشعر ادل دليل على تصديق الرسول و إقراره
بأن دينه خير الاديان و اعترافه به وبأنه زعم انه ناصحه و قوله: (و لقد صدقت) من أوضح
الدلالة على أيمانه برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و بما جاء به. راجع شرح نهج
البلاغة: 14/55، الاصابة لابن حجر: 4/ .115
(2)البحار: 35 / .86
(3)البحار: 35 / 93، الفصول المختارة للمفيد: .33
(4)تاريخ اليعقوبى: 2 / .14
(5)المناقب: 1 / 61، الفصول المختارة: / 230 و قال: «فأقر للنبي صلى الله عليه و آله
و سلم بالنبوة عند احتضاره و اعترف له بالرسالة قبل مماته، و هذا امر يزيل الريب في
ايمانه بالله و برسوله صلى الله عليه و آله و سلم و بتصديقه له و بإسلامه.
(6)السلى: الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن امه ملفوفا فيه. لسان العرب: 6 /
.353
(7)الكافي: 1 / 449 ح .30
(8)البحار: 149 35، انظر الغدير: 7/ .350
(9)الخرائج و الجرائح: 1 / 85، عنه البحار: 35 / .82
منية الراغب في ايمان ابي طالب ص 150 تا 156
تأليف: آية الله الشيخ محمدرضا الطبسي النجفي