مجلات >فصلنامه علوم سياسى>شماره 12

ميراث سياسى - كتاب الملة

ابو نصر محمد الفارابي

اعداد: محسن مهدى

استاذ الدراسات العربية و الاسلامية بجامعة شيكاغو.

اشاره

كتاب «الملة‏» از مجموعه آثار ابونصر فارابى است كه ترجمه آن در شماره ششم فصلنامه علوم سياسى چاپ شده و مورد استقبال انديشمندان و محققان فرهيخته قرار گرفته‏است.از اين رو با تقاضاى خوانندگان گرامى، متن عربى آن تقديم مى‏گردد. آنچه بر اهميت اين كتاب مى‏افزايد چارچوب نظرى براى مكتب سياسى اسلام و طرح بحث زعامت‏سياسى فقيه مى‏باشد.در واقع اين كتاب مبناى نظرى ديگر مباحث‏سياسى فارابى از جمله «آراء اهل مدينه فاضله‏» ، «سياست مدنيه‏» ، «فصول مدنى‏» و «احصاء العلوم‏» مى‏باشد.

(1) الملة هي آراء و افعال مقدرة مقيدة بشرائط يرسمها للجمع رئيسهم الاول.يلتمس ان ينال باستعمالهم لها غرضا له فيهم او بهم محدودا.و الجمع ربما كان عشيرة و ربما كان مدينة او صقعا، و ربما كان امة عظيمة، و ربما كان امما كثيرة.و الرئيس (الاول) ان كان فاضلا و كانت رئاسته فاضلة في‏الحقيقة، فانه انما يلتمس بما يرسم من ذلك ان ينال هو و كل من تحت رئاسته السعادة القصوى التي هي في الحقيقة سعادة، و تكون تلك الملة (ملة) فاضلة.و ان كانت رئاسته جاهلية، فانه انما يلتمس بما يرسمه من ذلك ان ينال هو بهم خيرا اما من الخيرات الجاهلية - اما الخير الضروري الذي هو الصحة و السلامة و اما يسار و اما لذة و اما كرامة و جلالة و اما غلبة - ويفوز هو بذلك الخير و يسعد به دونهم، و يجعل من تحت رئاسته آلات يستعملهم في ان يصل بهم الى غرضه و يستديمه.و اما ان يلتمس بذلك ان ينال ذلك الخير (هم) دونه، او هو و هم جميعا - و هذان هما افضل رؤساء الجاهلية.و ان كانت رئاسته تلك رئاسة ضلالة - بان يظن هو بنفسه الفضيلة و الحكمة و يظن به و يعتقد فيه ذلك من تحت رئاسته من غير ان يكون كذلك - كان الذي يلتمس بذلك ان ينال هو و من تحت رئاسته شيئا يظن به السعادة القصوى من غير ان تكون لها حقيقة.و ان كانت (رئاسته) رئاسة تمويه من يث‏يتعمد ذلك و من تحت رئاسته لايشعرون بذلك، فان اهل رئاسته يعتقدون فيه و يظنون به الفضيلة و الحكمة، و يكون ملتمسه بما يرسمه اما في‏الظاهر فان ينال هو و هم السعادة القصوى و اما في‏الباطن فان ينال بهم احد الخيرات الجاهلية.فان الرئيس الاول الفاضل انما تكون مهنته ملكية مقرونة بوحي من الله اليه.و انما يقدر الافعال و الآراء التي في الملة الفاضلة (بالوحي) ، و ذلك باحد وجهين او بكليهما: احدهما ان توحى اليه هذه كلها مقدرة.و الثاني ان يقدرها هو بالقوة التي استفادها (هو) عن الوحي و الموحي تعالى حتى تكشفت له بها الشرائط التي بها يقدر الآراء و الافعال الفاضلة، او يكون بعضها بالوجه الاول و بعضها بالوجه الثاني، و قد تبين، في‏العلم النظري كيف يكون وحي الله تعالى الى الانسان الذي يوحى اليه و كيف تحصل في الانسان القوة عن الوحي و الموحي.

(2) و [ان] الآراء التي في الملة الفاضلة منها آراء في اشياء نظرية و آراء في اشياء ارادية.فالنظرية ما يوصف الله تعالى به، ثم ما يوصف به الروحانيون و مراتبهم في انفسهم و منازلهم من الله تعالى و ما فعل كل واحد منهم، ثم كون العالم و ما يوصف به العالم و اجزاؤه و مراتب اجزائه.و كيف حدثت الاجسام الاول و ان من الاول اجساما هي اصول سائر الاجسام [ثم] (التي) تحدث اولا و تبطل، و كيف حدثت‏سائر الاجسام عن التي هي من الاجسام اصول، و مراتب هذه، و كيف ارتباط الاشياء التي يحويها العالم بعضها ببعض و انتظامها، و ان كل ما يجري فيها عدل لاجور فيه، و كيف نسبة كل واحد منها الى الله تعالى و الى الروحانيين، ثم كون الانسان و حصول النفس فيه، و العقل و مرتبته من العالم و منزلته من الله و من الروحانيين، ثم ان‏توصف النبوة ما هي، و الوحي كيف هو و كيف يكون، ثم، ما يوصف به الموت والحياة الاخرة، والسعادة التي يصير اليها الافاضل و الابرار والشقاء الذي‏يصير اليه الاراذل و الفجار في‏الحياة الاخرة.والضرب الثاني ما يوصف به الانبياء والملوك الافاضل و الرؤساء الابرار و ائمة الهدى والحق الذين توالوا في‏الزمان السالف، واقتصاص ما اشتركوا فيه والذي‏اختص به كل واحد من افعال الخير، و ما آلت اليه انفسهم وانفس من انقاد لهم واقتدى بهم من المدن والامم في‏الاخرة، و ما يوصف به الملوك الاراذل والرؤساء الفجار المتسلطون من اهل الجاهلية وائمة الضلال الذين كانوا في‏الزمان السالف، واقتصاص ما اشتركوا فيه و ما اختص به كل واحد من افعال الشر، و ما آلت اليه انفسهم و انفس من انقاد لهم واقتدى بهم من المدن والامم في‏الاخرة، و ما يوصف به من في‏الزمان الحاضر من الملوك الافاضل و الابرار وائمة الحق، و ذكر ما شاركوا فيه من تقدمهم و ما اختص به هؤلاء من افعال الخير; و ما يوصف به الرؤساء الفجار و ائمة الضلال واهل الجاهلية الذين في‏الزمان الحاضر، واقتصاص ما شاركوا فيه من تقدم و ما اختصوا به من افعال الشر و ما تؤول اليه انفسهم في‏الاخرة.و ينبغي ان تكون الصفات التي توصف بها الاشياء التي تشتمل عليها آراء الملة صفات تخيل الى المدنيين جميع ما في‏المدينة من الملوك والرؤساء والخدم و مراتبهم و ارتباط بعضهم ببعض و انقياد بعضهم لبعض و جميع ما يرسم لهم ليكون ما يوصف لهم من تلك مثالات يقتفونها في‏مراتبهم وافعالهم.فهذه هي الآراء التي في‏الملة.

(3) و اما الافعال فاولها الافعال والاقاويل التي يعظم الله بها و يمجد، ثم التي يعظم بها الروحانيون و الملائكة، ثم التي يعظم بها الانبياء والملوك الافاضل والرؤساء الابرار وائمة الهدى الذين كانوا فيما سلف، ثم التي يخسس بها الملوك الاراذل و رؤساء الفجار وائمة الضلال ممن سلف و تقبح به امورهم.(ثم) التي يعظم بها من في‏الزمان من الملوك الافاضل والرؤساء الابرار وائمة الهدى و يخسس من في‏الزمان من اضدادهم.ثم من بعد هذا كله تقدير الافعال التي بها تكون معاملات اهل المدن، اما فيما ينبغي ان يعمله الانسان بنفسه و اما فيما ينبغي ان يعامل به غيره، وتعريف العدل في‏شى‏ء شى‏ءمن هذه الافعال.

فهذه جملة ما تشتمل عليه الملة الفاضلة.

(4) والملة والدين يكاد يكونان اسمين مترادفين، وكذلك الشريعة والسنة.فان هذين انما يدلان و يقعان عند الاكثر على الافعال المقدرة من جزاي الملة.و قد يمكن ان تسمى الآراء المقدرة ايضا شريعة، فيكون الشريعة والملة والدين اسماء مترادفة.فان الملة تلتئم من جزئين: من تحديد آراء و تقدير افعال.فالضرب الاول من الآراء المحدودة في‏الملة ضربان: اما راى عبر عنه باسمه الخاص به الذي‏جرت العادة بان يكون دالا على ذاته.واما راى عبر عنه باسم مثاله المحاكي له.فالآراء المقدرة التي في‏الملة الفاضلة اما حق واما مثال الحق.والحق بالجملة ما تيقن به الانسان اما بنفسه بعلم اول واما ببرهان.وكل ملة لم يكن الضرب الاول من الآراء التي فيها يشمل على ما يمكن ان يتيقن به الانسان لا من ذاته ولا ببرهان، ولا كان فيه مثال لشى‏ء يمكن ان يتيقن به باحد هذين الوجهين، فتلك ملة ضلالة.

(5) فالملة الفاضلة شبيهة بالفلسفة.و كما ان الفلسفة منها نظرية ومنها عملية، فالنظرية الفكرية هي التي اذا علمها الانسان لم يمكنه ان يعملها، والعملية هي التي اذا علمها الانسان امكنه ان يعملها، (كذلك الملة).و العملية في الملة هي التي كلياتها في الفلسفة العملية.و ذلك ان التي في الملة من العملية هي تلك الكليات مقدرة بشرائط قيدت بها، فالمقيد بشرائط هو اخص مما اطلق بلاشرائط، مثل قولنا «الانسان الكاتب‏» هو اخص من قولنا «الانسان‏».فاذن الشرائع الفاضلة كلها تحت الكليات في الفلسفة العملية.و الآراء النظرية التي في‏الملة براهينها في الفلسفة النظرية، و تؤخذ في الملة بلابراهين.فاذن الجزءان اللذان منهما تلتئم الملة هما تحت الفلسفة، لان الشي‏ء انما يقال انه جزء لعلم او انه تحت علم باحد وجهين: اما ان تكون براهين مااخذ فيه بلا براهين هي في ذلك العلم (ا) و اذا كان العلم الذي يشتمل على الكليات هو الذي يعطي اسباب الجزئيات التي تحته.فالجزء العملي من الفلسفة اذن هو الذي يعطي اسباب الشرائط التي يقدر بها الافعال لاجل اي شي‏ء شرطت و اي غرض قصد ان ينال بتلك الشرائط.و اذا كان علم الشي‏ء هو العلم البرهاني، فهذا الجزء من الفلسفة هو الذي يعطي اذن برهان الافعال المقدرة التي في الملة الفاضلة.و قد كان الجزء النظري من الفلسفة هو الذي يعطي براهين الجزء النظري من الملة فاذن الفلسفة هي التي تعطي براهين ما تحتوي عليه الملة الفاضلة.فاذن المهنة الملكية التي عنها تلتئم الملة الفاضلة هي تحت الفلسفة.

(6) و اذا كان الجدل يعطي الظن القوي فيما تعطي فيه البراهين اليقين او في كثير منها، و (كانت الخطابة تقنع) في كثير مما ليس شانه ان يبرهن و لا ايضا مما ينظر فيه الجدل، و كانت الملة الفاضلة ليست انما هي للفلاسفة او لمن منزلته ان يفهم ما يخاطب به على طريق الفلسفة فقط، بل اكثر من يعلم آراء الملة و يلقنها و يؤخذ بافعالها ليست تلك منزلته - و ذلك اما بالطبع و اما لانه مشغول عنه - و كانوا اولئك ليس ممن لايفهم المشهورات او المقنعات، صار الجدل و الخطابة لذلك السبب عظيمي الغناء في‏ان تصحح بهما آراء الملة عند المدنيين و تنصر بهما و يد (افع) عن (ها) و تمكن في‏نفوسهم و في‏ان تنصر بهما تلك الآراء اذا ورد من يروم مغالطة اهلها بالقول و تضليلهم و معاندتها.

(7) و الرئيس الاول قد يلحقه و يعرض له ان لايقدر الافعال كلها و يستوفيها فيقدر اكثرها، و (قد) يلحقه في‏بعض ما يقدره ان لايستوفي‏شرائطها كلها بل يمكن ان تبقى افعال كثيرة مما سبيلها ان تقدر فلايقدرها لاسباب تعرض: اما لان المنية تخترمه و تعاجله قبل ان ياتى على جميعها و امالاشغال (ضرورية) تعوقه من حروب و غيرها و اما لانه لايقدر الافعال الا عند حادث حادث و (عارض عارض) مما يشاهده (هو) او (مما) يسال عنه.(فيقدر) حينئذ و يشرع و (يسن) ماينبغي ان‏يعمل في‏ذاك النوع من الحوادث.فلاتعرض كل العوارض في‏زمانه و لافي‏البلد الذي‏هو فيه، فتبقى اشياء كثيرة مما يجوز ان يعرض في‏غير زمانه او في‏غير بلده يحتاج فيها الى (فعل محدود) مقدر (في‏ذلك الشى‏ء العارض) فلايكون (هو) شرع فيها شيا او يعمد الى ما يظن او يعلم انها من الافعال اصول تمكن غيره ان يستخرج عنها الباقية فيشرع فيها كيف و كم ينبغي ان تعمل و يترك الباقية علما منه انه يمكن ان‏يستخرجها غيره اذا (قصد قصده و) احتذي‏حذوه، او يري‏ان يبتدى‏ء في‏ان يشرع و يقدر الافعال التي هي اعظم قوة و اكثر نفعا و اشد غنى (و جدوي) في‏ان تلتئم بها المدينة و ترتبط و ينتظم امرها، فيشرع في‏تلك وحدها و يترك الباقية اما لوقت فراغه لها او لان غيره (يمكنه ان) يستخرجها، اما في‏زمانه و اما بعده، اذا احتذي‏حذوه.

(8) فاذا خلفه بعد وفاته من هو مثله في‏جميع الاحوال كان الذي‏يخلفه هو الذي‏يقدر ما لم‏يقدره الاول، و ليس هذا فقط، بل و (له ايضا) ان يغير كثيرا مما شرعه الاول، فيقدره غير ذلك التقدير اذا علم ان ذلك هو الاصلح في‏زمانه، لالان الاول اخطا، لكن الاول قدره بما هو الاصلح في‏زمانه، و قدر هذا بما هو الاصلح بعد زمان الاول، و يكون ذلك مما لو شاهده الاول لغيره ايضا و كذلك اذا خلف الثاني ثالث مثل الثاني في‏جميع احواله، و الثالث رابع، فان للتالي ان يقدر من تلقاء نفسه ما لايجده مقدرا، و له ان يغير ما قدره من قبله، لان الذي‏قبله لو بقى لغير ايضا ذلك الذي (غيره الذي) بعده.

(9) و اما اذا مضى واحد من هؤلاء الائمة الابرار الذين هم الملوك في‏الحقيقة و لم‏يخلفه من هو مثله في‏جميع الاحوال احتيج في‏كل ما يعمل في‏المدن التي تحت رئاسة من تقدم الى ان يحتذي‏في‏التقدير حذو من تقدم و لايخالف و لايغير بل يبقى كل ما قدره المتقدم على حاله، و ينظر الى كل ما يحتاج الى تقدير مما لم‏يصرح به من تقدم فيستنبط و يستخرج عن الاشياء التي صرح الاول بتقديرها، فيضطر حينئذ الى صناعة الفقه، و هي التي يقتدر الانسان بها على ان يستخرج و يستنبط صحة تقدير شى‏ء شى‏ء مما لم‏يصرح واضع الشريعة بتحديده عن الاشياء التي صرح (فيها) بالتقدير، و تصحيح ذلك بحسب غرض واضع الشريعة بالملة (باسرها) (التي شرعها) في‏الامة التي لهم شرعت.و ليس يمكن هذا التصحيح او يكون صحيح الاعتقاد لآراء تلك الملة فاضلا بالفضائل التي هي في‏تلك الملة فضائل.فمن كان هكذا فهو فقيه.

(10) و اذا كان التقدير (في) شيئين - في‏الآراء و (في) الافعال - لزم ان تكون صناعة الفقه جزئين: جزءا في‏الآراء و جزءا في‏الافعال.فالفقيه في‏الافعال يلزمه ان يكون قد استوفى علم كل ما صرح واضع الشريعة بتحديده من الافعال.و التصريح ربما كان بقول و ربما كان بفعل يفعله واضع الشريعة، فيقوم فعله ذلك مقام قوله في‏ذلك الشى‏ء انه ينبغي ان يفعل فيه كذا و كذا و ان يكون مع ذلك عارفا بالشرائع.التي انما شرعها الاول بحسب وقت ما ثم ابدل مكانها غيرها و استدامها ليحتذي‏في‏زمانه حذو الاخيرة لا الاولى.و يكون ايضا عارفا باللغة التي بها كانت مخاطبة الرئيس الاول، و عادات اهل زمانه في‏استعمالهم لغتهم، و ما كان منها يستعمل في‏الدلالة على الشى‏ء بجهة الاستعارة له و هو في‏الحقيقة اسم غيره، لئلايظن بالشى‏ء الذي‏استعير له اسم شى‏ء آخر (انه عند) ما لفظ به اراد ذلك الشى‏ء الآخر، او يظن ان هذا هو ذاك و يكون له مع ذلك جودة فطنة للمعنى الذي‏اريد بالاسم المشترك في‏الموضع الذي‏استعمل فيه ذلك الاسم، و كذلك متى كان الاشتراك (في‏القول) و يكون له جودة فطنة ايضا للذي‏يستعمل على الاطلاق و مقصد القائل اخص منه، و الذي‏يستعمل في‏ظاهر القول على التخصيص و مقصد القائل اعم منه، و الذي‏يستعمل على التخصيص او على العموم او على الاطلاق و مقصد القائل هو ما يدل ذلك عليه في‏الظاهر.و يكون له معرفة بالمشهور من الامور و الذي‏هو في‏العادة.و يكون له مع ذلك قوة على اخذ التشابه و التباين في‏الاشياء، و قوة على اللازم للشى‏ء من غير اللازم - و ذلك يكون بجودة الفطرة و بالدربة الصناعية - و يصل الى الفاظ واضع الشريعة في‏جميع ما شرعه بقول، و الى افعاله فيما شرعه بان فعله و لم ينطق به اما بالمشاهدة و السماع منه ان كان في‏زمانه و صحبه و اما بالاخبار عنه - و الاخبار عنه اما مشهورة و اما مقنعة، و كل واحدة من هذه اما مكتوبة و اما غير مكتوبة.و الفقيه في‏الآراء المقدرة في‏الملة ينبغي ان يكون قد علم ما علمه الفقيه في‏الاعمال.فالفقه في‏الاشياء العملية من الملة اذن انما يشتمل على اشياء هي جزئيات الكليات التي يحتوي‏عليها المدني، فهو اذن جزء من اجزاء العلم المدني و تحت الفلسفة العملية.و الفقه في‏الاشياء العلمية من الملة مشتمل اما على جزئيات الكليات التي تحتوي‏عليها الفلسفة النظرية و اما على (ما هي) مثالات الاشياء تحت الفلسفة النظرية، فهو اذن جزء من الفلسفة النظرية و تحتها (و العلم النظري الاصل).

(11) و العلم المدني يفحص اولا عن السعادة.و يعرف ان السعادة ضربان: سعادة يظن بها انها سعادة من غير ان يكون كذلك، و سعادة هي في‏الحقيقة سعادة و هي التي تطلب لذاتها و لاتطلب في‏وقت من الاوقات لينال بها غيرها، و سائر الاشياء الاخر انما تطلب لتنال هذه، فاذا نيلت كف الطلب.و هذه ليست تكون في‏هذه الحياة بل في‏الحياة الآخرة التي (تكون) بعد هذه، و هي تسمى السعادة القصوى.و (اما) التي يظن بها انها سعادة و ليست كذلك فهي مثل الثروة و اللذات او الكرامة و ان يعظم الانسان او غير ذلك من التي تطلب و تقتني في‏هذه الحياة من التي يسميها الجمهور خيرات.

(12) ثم يفحص عن الافعال و السير و الاخلاق و الشيم و الملكات الارادية حتى يستوفيها كلها و ياتي عليها.

(13) ثم يبين ان هذه ليس يمكن ان توجد جميعا في‏انسان واحد.(و لا ان يستعملها انسان واحد) ، بل انما يمكن ان تستعمل و تظهر بالفعل بان تتوزع في‏جماعة.و يبين انها اذا توزعت في‏جماعة، فليس يمكن [ان يقوم] من يفوض اليه نوع من هذه ان يقوم بذلك و لا ان يستعمله دون ان يعاونه آخر بالنوع الذي‏فوض اليه القيام به، و لا ايضا ذلك يمكنه ان يقوم بما فوض اليه دون ان يعاونه ثالث‏بالنوع الذي‏فوض اليه القيام به.و انه لايمتنع مع ذلك ان [لا]يوجد فيهم من لايمكنه القيام بفعله الذي‏فوض اليه دون ان تعاونه جماعة كل واحد منهم بالنوع الذي‏فوض اليه القيام به: مثال ذلك ان الذي‏يفوض اليه القيام بامر الفلاحة لايتم فعله دون ان يعاونه النجار بان يعد له خشبة الكراب و يعد له الحداد حديدة الكراب و يعد له البقار بقر الفدان.فيبين ان الافعال و الملكات الارادية ليس يمكن ان يبلغ بها الغرض دون ان تتوزع انواعها في‏جماعة عظيمة اما واحد واحد منها على واحد واحد من الجماعة او واحد واحد على طائفة طائفة من الجماعة.حتى يكون تعاون طوائف الجماعة بالافعال و الملكات التي فيها على تكميل الغرض بجملة الجماعة كتعاون اعضاء الانسان بالقوى التي فيها على تكميل الفرض بجملة البدن، و انه يلزم لذلك ان يكون الجماعة متجاورين في‏مسكن [بالتجاور ] (واحد).و يحصى اصناف الجماعات المتجاورة في‏مسكن واحد، و ان منها جماعة مدنية و منها جماعة امية و غير ذلك.

(14) ثم يميز السير و الاخلاق و الملكات التي اذا استعملت في‏المدن او الامم عمرت بها مساكنهم ونال بها اهلها الخيرات في‏هذه الحياة الدنيا و السعادة القصوي‏في‏الحياة الاخرى، و يفردها عن التي ليست كذلك، و ان التي تنال بها السعادة القصوي‏من الافعال و السير و الاخلاق و الشيم و الملكات الارادية هي الفاضلة وحدها و هي الخيرات وحدها و هي الجميلة في‏الحقيقة.و ما عداها من الافعال و الملكات فهي‏المظنون بها (انها) خيرات او فضائل او جميلة من غير ان تكون كذلك، بل هي في‏الحقيقة شرور.

(14 آ) و يبين ان التي شانها ان توزع في‏المدينة او في‏المدن او في‏امة او في‏امم لتستعمل استعمالا مشتركا انما يتاتى ذلك برئاسة تمكن تلك الافعال و الملكات في‏المدينة او في‏الامة و تجتهد في‏ان تحفظها عليهم حتى لاتزول عنهم و لاتبيد، و ان الرئاسة التي بها تمكن فيها تلك السير و الملكات و تحفظها عليهم ليس يمكن ان تكون الا بمهنة وصناعة و ملكة و قوة تكون عنها الافعال التي بها تمكن فيهم و تحفظ عليهم.و هذه المهنة هي مهنة الملك و المهنة الملكية او ما شاء الانسان ان يسميها بدل اسم الملك.و السياسة هي فعل هذه المهنة و ذلك ان تفعل الافعال التي بها تمكن تلك السير و تلك الملكات في‏المدينة و الامة و تحفظ عليهم.و انما تلتئم هذه المهنة بمعرفة جميع الافعال التي بها يتاتى التمكين اولا و الحفظ بعد ذلك.و ان الرئاسة التي بها تمكن في‏المدينة (او) (في) الامة السير و الملكات التي تنال بها السعادة القصوي‏و تحفظها عليهم هي الرئاسة الفاضلة.و المهنة الملكية التي بها تكون هذه الرئاسة هي المهنة الملكية الفاضلة.و السياسة الكائنة عن هذه المهنة هي السياسة الفاضلة.(و المدينة) و لامة المنقادة لهذه السياسة هي المدينة الفاضلة و الامة الفاضلة.و الانسان الذي هو جزء من هذه المدينة او الامة هو الانسان الفاضل.و الرئاسة و المهنة الملكية و السياسة التي ليس يقصد بها ان ينال السعادة القصوي‏التي هي السعادة في‏الحقيقة بل كان يقصد بها ان يحصل خيرا من الخيرات التي في‏هذه الحياة الدنيا خاصة - و هي التي يظنها الجمهور خيرات - فانها ليست فاضلة، بل تسمى رئاسة جاهلية و سياسة جاهلية و مهنة جاهلية، بل لاتسمى ملكا لان الملك عند القدماء ما كان بمهنة ملكية فاضلة.و المدينة او الامة المنقادة لما تمكن فيها الرئاسة الجاهلية من الافعال و الملكات، تسمى المدينة او الامة الجاهلية، و الانسان الذي‏هو جزء من هذه المدينة (يسمى) انسان جاهلي.و تنقسم هذه الرئاسة و المدن و الامم اقساما كثيرة.و يسمى كل واحد منها باسم غرضها الذي‏تقصده من الخيرات المظنونة: اما اللذات و اما الكرامات و اما اليسار و اما غير ذلك.ولايمتنع ان يكون من هو جزء (من) المدينة الفاضلة ساكنا بارادته او بلا ارادته في‏مدينة جاهلية.و يكون ذلك الانسان في‏تلك المدينة جزءا غريبا منها كما لو اتفق ان يكون حيوان (ما) رجله مثلا رجل حيوان (من نوع) آخر (دونه).و كذلك حال من هو جزء مدينة جاهلية متى سكن في‏مدينة فاضلة، (لايكون كحيوان ما راسه مثلا راس حيوان من نوع آخر اشرف منه).و لهذا احتاج الافاضل الذين دفعوا الى سكنى المدن الجاهلية لعدم المدينة الفاضلة الى الهجرة الى المدينة الفاضلة اذا اتفق وجودها في‏وقت ما.

(14 ب) و ان الرئاسة الفاضلة ضربان: رئاسة اولى و رئاسة تابعة للاولى.فالرئاسة الاولى هي التي تمكن في‏المدينة او الامة السير و الملكات الفاضلة اولا من غير ان تكون تلك في‏هم قبل ذلك و تنقلهم مع ذلك عن السير الجاهلية الى السير الفاضلة. فالذي‏يقوم بهذه الرئاسة هو الرئيس الاول.و الرئاسة التابعة للاولى هي التي تقتفي في‏افعالها حذو الرئاسة الاولى و القائم بهذه الرئاسة يسمى رئيس السنة و ملك السنة و رئاسته هي الرئاسة السنية.و المهنة الملكية الفاضلة الاولى تلتئم بمعرفة جميع الافعال التي بها يتاتى تمكين السير و الملكات الفاضلة‏في‏المدن و الامم.و حفظها عليهم و حياطتها و احرازها عن ان يداخلها شى‏ء من السير الجاهلية، فان تلك كلها امراض تعرض للمدن الفاضلة - على مثال ما عليه مهنة الطب، فانها انما تلتئم بمعرفة جميع الافعال التي تمكن الصحة في‏الانسان و تحفظها عليه و تحوطها من ان يعرض لها شى‏ء من الامراض.

(14 ج) و الطبيب فبين انه ينبغي ان يعرف ان الاضداد ينبغي ان تقاوم بالاضداد، و يعرف ايضا ان الحرارة تقاوم بالبرودة، و يعرف ايضا ان الحمى الصفراوية ينبغي ان تقاوم بماء الشعير، او بماء التمرالهندي.و هذه الثلاثة بعضها اعم من بعض: فاعمها ان الاضداد ينبغي ان تقاوم بالاضداد، و اخصها ان الحمى الصفراوية ينبغي ان تقاوم بماء الشعير، و قولنا «ان الحرارة تقاوم بالبرودة‏» متوسط بين الاعم و الاخص.غير ان الطبيب لما كان لما عالج انما يعالج ابدان الاشخاص و الآحاد، مثل بدن زيد و بدن عمرو.صار لايجتزى‏ء في علاج حمى زيد الصفراوية بما عرفه من ان الاضداد تقاوم بالاضداد.و لا ان الحمى الصفراوية ينبغي ان تقاوم بماء الشعير، دون ان يعلم في‏حمى زيد هذا علما اخص من تلك الاشياء التي عرفها من صناعته: فيفحص هل حماه هذه الصفراوية ينبغي ان تقاوم بماء الشعير (من) قبل امتلاء في‏بدنه من اشياء بارادة رطبة، او ان ماء الشعير يصحح الخلط فلايتركه ان ينضح، و اشباه هذه.و ان كان ينبغي ان يسقى ماء الشعير فليس يجتزى‏ء بان يكون عرف ذاك معرفة مطلقة دون ان يعرف كم مقدار ما ينبغي ان يسقى منه في‏كثرته و كيف ينبغي ان يكون قوام ما يسقاه منه في‏الثخن و الرقة و في‏اى وقت من اوقات النهار ينبغي ان يسقى و في‏اى حال من احوال زيد هذا المحموم ينبغي ان يسقى.فيكون قد قدر ذلك في‏كميته و كيفيته و في‏زمانه.و ليس يمكنه ان يقدر دون ان يشاهد العليل ليكون تقدير ذلك بحسب ما يشاهد من حال هذا العليل الذي‏هو زيد.و بين ان تقديره هذا ليس يمكن ان يكون استفاده من كتب الطب التي تعلمها و ارتاض بها و لابقدرته على معرفة الكليات و الاشياء العامة التي هي مثبتة في‏كتب الطب، بل بقوة اخري‏تحدث بمزاولة اعمال الطب في‏واحد واحد من آحاد الابدان و بطول مشاهدته لاحوال المرضى و التجربة التي تحصل له في‏طول الزمان عن معاناته العلاج و توليه ذلك في‏شخص شخص فاذن الطبيب الكامل انما تتم له مهنته حتى يتاتى بها الافعال الكائنة عن تلك المهنة بقوتين اثنتين: احداهما بالقدرة على معرفة الكليات التي هي اجزاء صناعته على الاطلاق و باستيفائها حتى لايشذ عنه شى‏ء ثم بالقوة التي تحدث له عن طول افعال صناعته في‏شخص شخص.

(14 د) و كذلك حال المهنة الملكية الاولى.فانها تشتمل اولا على اشياء كلية.و ليس يجتزى‏ء في‏ان يفعل افعالها تلك بان يكون قد استوعب معرفة الاشياء الكلية و بقدرته عليها دون ان يكون معه قوة اخري‏استفادها عن طول التجربة و المشاهدة يقدر بها على تقدير الافعال في‏كميتها و كيفيتها و ازمانها و سائر ما يمكن ان تقدر بها الافعال و يشترط فيها شرائط اما بحسب مدينة مدينة او امة امة او واحد واحد.او بحسب حال يحدث و بحسب عارض في‏وقت وقت، اذ كانت افعال المهنة الملكية انما هي في‏المدن الجزئية: اعنى هذه المدينة و تلك المدينة او هذه الامة و تلك الامة او هذا الانسان و ذلك الانسان.و القوة التي يقتدر بها الانسان على استنباط الشرائط التي يقدر بها الافعال بحسب ما يشاهد في‏جمع جمع او مدينة مدينة او طائفة طائفة او واحد واحد، و بحسب عارض عارض في‏مدينة او امة او في‏واحد يسمها القدماء التعقل.و هذه القوة ليست تحصل بمعرفة كليات الصناعة واستيفائها كلها لكن بطول التجربة في‏الاشخاص.

(15) و العلم المدني الذي هو جزء من الفلسفة يقتصر فيما يفحص عنه من الافعال و السير و الملكات الارادية و سائر ما يفحص عنه على الكليات و اعطاء رسومها، و يعرف ايضا الرسوم في‏تقديرها في‏الجزئيات كيف و باي شى‏ء و بكم شى‏ء ينبغي ان تقدر، و يتركها غير مقدرة بالفعل، لان التقدير بالفعل لقوة اخرى غير الفلسفة، و عسى ان تكون الاحوال و العوارض التي بحسبها يكون التقدير بلانهاية و غير محاط بها.و هذا العلم جزءان: جزء يشتمل على تعريف السعادة و ما هي السعادة في‏الحقيقة و ما هي المظنون بها انها سعادة و على احصاء الافعال و السير و الاخلاق و الشيم و الملكات و الارادية الكلية التي شانها ان تكون في‏المدن و الامم، و يميز الفاضل منها من غير الفاضل.و جزء يشتمل على تعريف الافعال التي بها تمكن الافعال و الملكات الفاضلة و ترتب في‏اهل المدن و الافعال التي بها يحفظ عليهم ما مكن فيهم.

(16) ثم يحصي اصناف المهن الملكية غير الفاضلة و [الرئاسات] كم هي.و يعطي رسوم الافعال التي تفعلها كل واحدة من تلك المهن الملكية حتى ينال بها غرضها من اهل المدن التي تحت رئاستها.و يبين ان تلك الافعال و السير و الملكات التي هي غير فاضلة هي امراض المدن الفاضلة، و سيرها و سياساتها امراض المهنة الملكية الفاضلة.و اما الافعال و السير و الملكات التي في‏المدن غير الفاضلة فهي امراض المدن الفاضلة.

(17) ثم [لا]يحصي كم الاسباب و الجهات التي من قبلها لايؤمن في‏الاكثر ان تستحيل الرئاسات الفاضلة و (سير) المدن الفاضلة الى السير و الملكات غير الفاضلة، و كيف تكون استحالاتها الى غير الفاضلة.و يحصي و يعرف الافعال التي بها تضبط المدن و السياسات الفاضلة حتى لاتفسد ولاتستحيل الى غير الفاضلة، و الاشياء التي بها يمكن اذا استحالت و مرضت ان ترد الى صحتها.

(18) ثم يبين ان المهنة الملكية الفاضلة الاولى لايمكن ان تكون افعالها عنها على التمام الا بمعرفة كليات هذه الصناعة بان تقرن اليها الفلسفة النظرية و بان ينضاف اليها التعقل - و هو القوة الحاصلة عن التجربة الكائنة بطول مزاولة افعال الصناعة في‏آحاد المدن و الامم و آحاد جمع جمع، و تلك هي القدرة على جودة استنباط الشرائط التي تقدر بها الافعال و السير و الملكات بحسب جمع جمع او مدينة مدينة او امة امة، اما بحسب وقت ما قصير او بحسب وقت ما طويل محدود او بحسب الزمان ان امكن.و تقديرها ايضا بحسب حال حال يحدث و عارض عارض يعرض في‏المدينة او في‏الامة او في‏الجمع - و ان هذه هي التي تلتئم بها (المهنة) الملكية الفاضلة الاولى.و اما التابعة لها التي رئاستها سنية فليس تحتاج الى الفلسفة بالطبع.و (يبين) ان الاجود و الافضل في‏المدن و الامم الفاضلة ان يكون ملوكها و رؤساؤها الذين يتوالون في‏الازمان على شرائط الرئيس الاول.و يعرف كيف ينبغي ان يعمل حتى يكون ملوكها الذين يتوالون على احوال من الفضيلة واحدة باعيانها، و اي شرائط يتفقد في‏اولاد ملوك المدينة حتى ان وجدت في‏واحد منهم امل فيه ان يصير ملكا على مثل حال الرئيس الاول.و يبين مع ذلك كيف ينبغي ان يربى و كيف ينشا و بماذا يؤدب حتى يصير ملكا على التمام.و يبين مع ذلك ان الملوك الذين رئاساتهم جاهلية ليس يحتاجون الى كليات هذه الصناعة و لاالى الفلسفة، بل يمكن كل واحد منهم ان يصير الى غرضه في‏المدينة بالقوة التجربية التي تحصل له في‏جنس الافعال التي ينال بها مقصوده و يصل بها الى غرضه من الخيرات المظنونة متى اتفقت له جودة قريحة خبيثة [فان] قوية للتاتي لاستنباط ما يحتاج اليه هو في‏تقدير الافعال التي يفعلها هو و في‏تقدير الافعال التي يستعمل فيها اهل المدينة; و تكون مهنته التي هو بها ملك ملتئمة عن اشياء حصلت‏بالتجربة، اما بتجربته هو او بتجربة غيره من المشاركين له في‏مقصده ممن مقصده من الملوك مقصده هو، فاقتفاه فيها او تادب بها، و جمع اليها ما جر به هو - و عن امور استنبطها هو بخبث قريحته و دهائه عن الاصول التي حصلت له بالتجربة.

(19) ثم يعرف بعد ذلك مراتب الاشياء التي في‏العالم و بالجملة مراتب الموجودات.فيبتدى‏ء من الاشياء التي هي اشد تاخرا من اجزاء العالم، و هي التي ليست لها رئاسة على شى‏ء اصلا و انما تصدر عنها من الافعال التي تخدم بها فقط لا الافعال التي ترؤس بها.و يرتقى منها الى الاشياء التي ترؤس هذه بلا توسط و هي اقرب الاشياء التي ترؤس هذه.و يعرف مراتبها من الرئاسة اي مراتب هي و كم مقدار رئاستها، و انها بعد ليست تامة الرئاسة، و ان الهيئات و القوى الطبيعية التي لها ليست كافية في‏ان تكون لها من اجلها رئاسات بانفسها حتى تستغنى عن ان ترؤسها غيرها.

بل يلزم ضرورة ان تكون هناك رئاسات فوقها تدبرها.فيرتقى منها الى اقرب الاشياء التي ترؤس هذه، و يعرف مراتبها في‏الرئاسة، اي مراتب هي، و كم مقدار رئاستها، و انها بعد ليست تامة الرئاسة، و ان الهيئات و القوى الطبيعية التي لها ليست كافية في‏ان تكون لها من اجلها رئاسات بانفسها حتى تستغنى عن ان ترؤسها غيرها، بل يلزم ضرورة ان تكون هناك رئاسات فوقها تدبرها.فيرتقى منها الى اقرب الاشياء التي ترؤس هذه، و يعرف مراتبها في‏الرئاسة اي مراتب هي، و كم مقادير رئاساتها، و انها ايضا ليست تامة الا انها اتم من رئاسات ما دونها، و يعرف ايضا ان قواها و هيئاتها الطبيعية ليست‏بعد كافية في‏ان تكون رئاساتها بانفسها حتى لايكون لها رئيس اصلا، بل يلزم ضرورة ان تكون فوقها رئاسات اخر تدبرها.فيرتقى ايضا الى اقرب الاشياء التي ترؤس هذه ايضا، و يعرف من امرها ما عرف من تلك الاول.فلايزال يرتقى هكذا من اشياء في‏مراتب سفلى الى اشياء في‏مراتب عليا اتم رئاسة من التي دونها.و هكذا يرتقى من الاكمل الى الاكمل فالاكمل من الموجودات، و يعرف انه كلما يرتقى الى مرتبة (اعلى) و الى موجود اكمل في‏نفسه و اكمل رئاسة يلزم ان يكون عدد ما فيها من الموجودات اقل وان يكون كل واحد من الموجوادت التي فيها ازيد وحدة في‏نفسه و انقص كثرة.و يبين مع ذلك [ان] الكثرة في‏الشى‏ء و الوحدة التي به.و لايزال يرتقى على كمال هذا النظام من رتبة الى رتبة رئاسة اكمل منها الى ان ينتهى الى رتبة لايمكن ان يكون فيها الا موجود واحد - واحد في‏العدد و واحد من كل وجوه الوحدة - ولايمكن ايضا ان تكون فوقها رئاسة بل يكون الرئيس الذي‏في‏تلك الرتبة يدبر كل ما دونه و لايمكن ان يدبره آخر اصلا و يرؤس كل ما دونه; و انه لايمكن ان يكون فيه نقص و لابوجه من الوجوه اصلا، و لايمكن ان يكون كمال اتم من كماله و لا وجود افضل من وجوده، و ان كل ما دونه ففيه بوجه من الوجوه نقص، و ان اقرب المراتب اليه اكمل المراتب التي دون رتبته.

(20) ثم لايزال كلما انحط كانت الموجودات في‏كل رتبة ازيد كثرة و انقص كمالا الى ان ينتهى الى آخر الموجودات و هي التي افعالها افعال خدمة، و ان هذه المتاخرة لاشى‏ء اشد تاخرا منها في‏الوجود و لايمكن ان تكون افعالها افعال رئاسة اصلا.و ان ذلك الاول الواحد الاقدم الذي‏لاشى‏ء يمكن ان يكون اشد تقدما منه لايمكن ان يكون فعله فعل خدمة اصلا، و ان كل واحد من المتوسطات التي هي في‏المراتب التي دون الرئيس الاول افعالها فيما دونها افعال رئاسة تخدم بها الرئيس الاول.و يعرف مع ذلك ائتلافها و ارتباط بعضها ببعض و انتظامها و انتظام افعالها و تعاضدها حتى تكون على كثرتها كشى‏ء واحد عن قوة تدبير ذلك الواحد لها و نفاذه في‏جميعها على قدر مرتبته و بحسب ما يلزم ان يكون عليه من هو في‏تلك الرتبة من الوجود على مقدار استئهاله الطبيعي الذي‏له و ما يلزم ان يفوض اليه من الاعمال التي يخدم بها او يرؤس بها او بجميع الامرين.

(21) (ثم ياخذ نظائر هذه في‏القوى النفسانية الانسانية).

(22) ثم ياخذ نظائر هذه في‏اعضاء بدن الانسان.

(23) ثم ياخذ نظائر هذه ايضا في‏المدينة الفاضلة و يجعل منزلة الملك و الرئيس الاول فيما منزلة الاله الذي‏هو المدبر الاول للموجودات و للعالم و اصناف ما فيه.

(24) ثم لايزال ينزل المراتب فيها الى ان ينتهي من اقسام اهل المدينة الى الطوائف التي افعالهم افعال لايمكن ان يرؤسوا بها بل يخدموا فقط، و ملكاتهم الارادية التي لهم ملكات لايمكن ان يراس بها بل ان يخدم فقط، و ان الطوائف التي في‏المراتب المتوسطة افعالها افعال ترؤس بها ما دونها و تخدم بها من فوقها، و ان الاقرب فالاقرب الى رتبة الملك اكمل هيئات و افعالا، فلذلك تكون اكمل رئاسة، الى ان ينتهي الى رتبة المهنة الملكية.و بين ان تلك المهنة لايمكن ان يخدم بها انسان اصلا بل هي مهنة و ملكة يراس بها فقط.

(25) ثم يبتدي‏بعد ذلك فيرتقى من اولى المراتب فيها و هي مراتب الخدمة الى اقرب ما فوقها من مراتب الرئاسة.ولايزال يرتقى بالقول و الصفة من رتبة سفلى الى رتبة اعلى منها الى ان ينتهي الى رتبة ملك المدينة (الذي‏يرؤس و لايخدم).

(26) ثم يرتقى من تلك الرتبة الى رتبة مدبر ملك المدينة الفاضلة و الرئيس الاول من الروحانيين، و هو الذي‏جعل الروح الامين و هو الذي‏به يوحى الله تعالى الى الرئيس الاول للمدينة، فينظر ما رتبته و اى رتبة هي من مراتب الروحانيين.

(27) ثم لايزال هكذا يرتقى في‏التعريف الى ان ينتهي الى الاله جل ثناؤه و يبين كيف ينزل الوحي من عنده رتبة رتبة الى الرئيس الاول، فيدبر الرئيس الاول المدينة (ا) و الامة و الامم بما ياتى به الوحي من الله تعالى فينفذ التدبير ايضا من الرئيس الاول الى كل قسم من اقسام المدينة ايضا على ترتيب الى ان ينتهي الى الاقسام الاخيرة.و يبين ذلك بان الله تعالى هو المدبر ايضا للمدينة الفاضلة كما هو المدبر للعالم، و ان تدبيره تعالى للعالم بوجه و تدبيره للمدينة الفاضلة بوجه آخر غير ان بين التدبيرين تناسب و بين اجزاء العالم و اجزاء المدينة او الامة الفاضلة تناسب، و انه يلزم ايضا ان يكون بين اجزاء الامة الفاضلة ائتلاف و ارتباط و انتظام و تعاضد بالافعال، و ان الذي‏يوجد في‏اجزاء العالم من الائتلاف و الارتباط و الانتظام و التعاضد بالافعال عن الهيئات الطبيعية التي لها يجب ان يوجد مثلها في‏اقسام الامة الفاضلة عن الهيئات و الملكات الارادية التي لها.و كما ان مدبر العالم جعل في‏اجزاء العالم هيئات طبيعية بها ائتلفت و انتظمت و ارتبطت و تعاضدت بالافعال حتى صارت على كثرتها و كثرة افعالها كشى‏ء واحد يفعل فعلا واحدا لغرض واحد كذلك يلزم مدبر الامة ان يجعل و يرسم في‏نفوس اقسام الامة و المدينة هيئات و ملكات ارادية تحملهم على ذلك الائتلاف و الارتباط بعضها ببعض و التعاضد بالافعال حتى تصير الامة و الامم على كثرة اقسامها و اختلاف مراتبها و كثرة افعالها كشى‏ء واحد يفعل فعلا واحدا ينال به غرضا واحدا.و نظير ذلك يتبين لمن تامل اعضاء (بدن) الانسان.و كما ان مدبر العالم اعطى العالم و جزاءه مع الفطر و الغرائز التي ركزها اشياء اخر يستبقى و يستديم بها وجود العالم و اقسامه على ما فطرها عليه مددا طويلة جدا كذلك ينبغي ان يفعل مدبر الامة الفاضلة.فانه ينبغي ان (لا) يقتصر على الهيئات و الملكات فاضلة التي يرسمها في‏نفوسهم لياتلفوا و يرتبطوا و يتعاضدوا بالافعال دون ان يعطى مع ذلك اشياء اخر يلتمس بها استبقاءهم و استدامتهم على الفضائل و الخيرات التي ركزها فيهم منذ اول الامر.و بالجملة فانه ينبغي ان يتاسى بالله و (يقتفي آثار تدبير مدبر العالم) فيما اعطى اصناف الموجودات و فيما دبر به امورها من الغرائز و الفطر و الهيئات الطبيعية التي‏جعلها و ركزها فيها حتى تمت الخيرات الطبيعية في‏كل واحد من اصناف العوالم بحسب رتبته و في‏جملة الموجودات، فيجعل هو (ايضا) في‏المدن و الامم نظائرها من الصناعات و الهيئات و الملكات الارادية حتى تتم له الخيرات الارادية في‏كل واحدة من المدن و الامم بحسب رتبته و استئهاله ليصل لاجل ذلك جماعات الامم و المدن الى السعادة في‏هذه الحياة و في‏الحياة الآخرة.و لاجل هذا يلزم ايضا ان يكون الرئيس الاول للمدينة الفاضلة قد عرف الفلسفة النظرية على التمام، لانه لايمكن ان يقف على شى‏ء مما في‏العالم من تدبير الله تعالى حتى ياتسي به الا من هناك.و تبين مع ذلك ان هذه كلها لاتمكن الا ان تكون في‏المدن ملة مشتركة تجتمع بها آراؤهم و اعتقاداتم و افعالهم و تاتلف بهما اقسامهم و ترتبط و تنتظم و عند ذلك تتعاضد افعالهم و تتعاون حتى يبلغوا الغرض الملتمس و هو السعادة القصوى.