سورة المدثر

[مكية ، وهي ست وخمسون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«يا ايها المدثر» اي: المتدثر ، وهو لابس الدثار . القمي: تدثر رسول الله‏صلى الله عليه وآله فالمدثر يعني المدثر بثوبه (2) . «قم فانذر» .

«وربك فكبر» صفه بالكبرياء عقدا وقولا .

روي: «انه لما نزلت ; كبر وايقن انه الوحي ، وذلك ان الشيطان لا يامر بذلك‏» (3) .وروي: «انه كان ذلك في اوائل بعثته‏» (4) . «وثيابك فطهر» قال: «اي: فشمر» (5) .وقال: «ارفعها ولا تجرها» (6) .وفي رواية: «وكانت ثيابة طاهرة ، وانما امره بالتشمير» (7) .وفي اخرى: «تشمير الثياب: طهورها» (8) .وفي اخرى: «معناه: وثيابك فقصر» (9) . «والرجز فاهجر» . القمي: الرجز: الخبيث (10) . «ولا تمنن تستكثر» قال: «لا تعط العطية تلتمس اكثر منها» (11) .وفي رواية: «لا تستكثر ما عملت من خير لله‏» (12) . «ولربك فاصبر» على مشاق التكاليف واذى المشركين .

«فاذا نقر في الناقور»: فاذا نفخ في الصور .

«فذ لك يومئذ يوم عسير» .

«على الكافرين غير يسير» .

«ذرني ومن خلقت وحيدا» .

«وجعلت له مالا ممدودا» .

«وبنين شهودا» قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة (13) - عم ابي جهل - فانه كان يلقب بالوحيد ، سماه الله به تهكما (14) .القمي: وانما سمي وحيدا لا نه قال لقريش: انا اتوحد بكسوة البيت‏سنة ، وعليكم في جماعتكم سنة ، وكان له مال كثير وحدائق ، وعشر بنين بمكة وعشرة عبيد ; عند كل الف دينار يتجر بها (15) .وفي رواية: «انما نزلت في عمر ; في انكاره الولاية‏» (16) .وانه انما سمي وحيدا لا نه كان ولد زنا . وقال: «ان الوحيد من لا يعرف له اب‏» (17) . «ومهدت له تمهيدا»: وبسطت له في الرئاسة والجاه العريض ، حتى لقب ريحانة قريش والوحيد .

«ثم يطمع ان ازيد» .

«كلا انه كان لآياتنا عنيدا» .

«سارهقه صعودا»: ساغشيه عقبة شاقة المصعد ; وهو مثل لما يلقى من الشدائد .

وروي: «ان الصعود جبل من النار ، يصعد فيه سبعين خريفا ، ثم يهوي فيه كذلك ابدا ، فاذا وضع يده عليها ذابت واذا رفعها عادت ، وكذلك رجله‏» (18) . «انه فكر وقدر»: فكر فيما تخيل طعنا في القرآن ، وقدر في نفسه ما يقول فيه ، وذلك بعد ما اقشعر جلده من سماعه ، وقامت كل شعرة في راسه ولحيته .

القمي: قال له ابو جهل ; اخطب هو؟ قال: لا ، ان الخطب كلام متصل ، وهذا كلام منثور ولا يشبه بعضه بعضا . قال: افشعر هو؟ قال: لا ، اما اني لقد سمعت اشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها ، وما هو بشعر . قال: فما هو؟ قال: دعني افكر فيه . فلما كان من الغد قالوا له: ما تقول فيما قلناه؟ قال: قولوا: هو سحر ، فانه آخذ بقلوب الناس ، فنزلت (19) .وروي: «انه قال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ، ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة (20) ،وان اعلاه لمثمر وان اسفله لمغدق ، وانه يعلو وما يعلى! فقالت قريش: صبا (21) والله وليد! ليصبان قريش . فقال ابو جهل: انا اكفيكموه ، وقعد اليه حزينا ، وكلمه بما احماه . فقام فاتاهم ، فقال: تزعمون: ان محمدا مجنون! فهل رايتموه يخنق؟ وتقولون: انه كاهن! فهل رايتموه يتحدث بما يتحدث به الكهنة؟ وتزعمون: انه شاعر! فهل رايتموه يتعاطى شعرا قط؟ وتزعمون: انه كذاب! فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في ذلك كله: اللهم لا . قالوا له: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو الا ساحر ، اما رايتموه يفرق بين الرجل واهله وولده ومواليه ، وما يقوله سحر يؤثر عن اهل بابل ، فتفرقوا متعجبين منه (22) . «فقتل كيف قدر» تعجيب من تقديره .

«ثم قتل كيف قدر» التكرير للمبالغة ، و«ثم‏» للدلالة على ان الثانية ابلغ من الاولى .

«ثم نظر» في امر القرآن مرة اخرى .

«ثم عبس‏»: قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا ، ولم يدر ما يقول «وبسر» اتباع لعبس .

«ثم ادبر» عن الحق «واستكبر» عن اتباعه .

«فقال ان هذا الا سحر يؤثر»: يروى ويتعلم .

«ان هذا الا قول البشر» .

«ساصليه سقر» .

«وما ادراك ما سقر» تفخيم لشانها .

«لا تبقي ولا تذر»: لا تبقي على شي‏ء يلقى فيها ، ولا تدعه حتى تهلكه . «لواحة للبشر»: مسودة لاعالي الجلد .

«عليها تسعة عشر» ملكا يلون امرها . القمي: قال: لكل رجل تسعة عشر من الملائكة يعذبونه (23) . «وما جعلنا اصحاب النار الا ملائكة‏» ليخالفوا جنس المعذبين ، فلايرقوا لهم ولايستروحون اليهم ، ولا نهم اقوى الخلق باسا واشدهم غضبا لله .

روي: «ان ابا جهل لما سمع: "عليها تسعة عشر" قال لقريش: ايعجز كل عشرة منكم ان يبطشوا برجل منهم ، فنزلت‏» (24) . «وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا»: وما جعلنا عددهم الا العدد الذي اقتضى فتنتهم ، وهو التسعة عشر .

قيل: افتتانهم به استقلالهم له واستهزاؤهم به ، واستبعادهم ان يتولى هذا العدد القليل تعذيب اكثر الثقلين (25) . «ليستيقن الذين اوتوا الكتاب‏»: ليكتسبوا اليقين بنبوة محمدصلى الله عليه وآله وصدق القرآن ، لما راوا ذلك موافقا لما في كتابهم .

قال: «يستيقنون ان الله ورسوله ووصيه حق‏» (26) . «ويزداد الذين آمنوا ايمانا» بتصديق اهل الكتاب له «ولا يرتاب الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون‏» اي: في ذلك ، وهو تاكيد للاستيقان ، وزيادة الايمان ، ونفي لما يعرض المتيقن حيثما عراه شبهة . «وليقول الذين في قلوبهم مرض‏»: شك او نفاق «والكافرون‏»: الجازمون في التكذيب «ماذا اراد الله بهذا مثلا» اي شي‏ء اراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل؟

«كذ لك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك‏»: اصناف خلقه على ما هي عليه «الا هو وما هي‏» قيل: وما سقر ، او عدة الخزنة ، او السورة (27) .و ورد: «يعني ولاية علي‏» (28) . «الا ذكرى للبشر»: الا تذكرة لهم . «كلا» ردع لمن انكرها ، او انكار لان يتذكروا بها . «والقمر» .

«والليل اذ ادبر» .

«والصبح اذا اسفر»: اضاء .

«انها لاحدى الكبر»: لاحدى البلايا الكبر . قال: «الولاية‏» (29) . «نذيرا للبشر»: انذارا لهم او منذرة .

«لمن شاء منكم ان يتقدم او يتاخر»: ليتقدم الى الخير او يتاخر عنه .

قال: «من تقدم الى ولايتنا اخر عن سقر ، ومن تاخر عنها تقدم الى سقر» (30) . «كل نفس بما كسبت رهينة‏»: مرهونة عند الله .

«الا اصحاب اليمين‏» فانهم فكوا رقابهم بما احسنوا من اعمالهم .

قال: «هم والله شيعتنا» (31) . «في جنات يتساءلون‏»: يسال بعضهم بعضا .

«عن المجرمين‏» .

«ما سلككم في سقر» حكاية لما جرى بين المسؤولين والمجرمين .

«قالوا لم نك من المصلين‏» يعني: «الصلاة المفروضة‏» . كذا ورد (32) .وفي رواية: «عنى لم نك من اتباع الائمة الذين قال الله فيهم: " والسابقون السابقون اولئك المقربون" (33) .قال: اما ترى الناس يسمون الذي يلي السابق في الحلبة (34) مصليا ، وذلك الذي عنى ، حيث قال: "لم نك من المصلين" ، اي: لم نك من اتباع السابقين‏» (35) .وفي اخرى: «يعني انا لم نتول وصي محمد والاوصياء من بعده ، ولم نصل عليهم‏» (36) . «ولم نك نطعم المسكين‏»: ما يجب اعطاؤه . القمي: حقوق آل محمدصلى الله عليه وآله من الخمس (37) . «وكنا نخوض مع الخائضين‏»: نشرع في الباطل مع الشارعين فيه .

«وكنا نكذب بيوم الدين‏» اي: وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة . وتاخيره لتعظيمه .

«حتى اتانا اليقين‏»: الموت .

«فما تنفعهم شفاعة الشافعين‏» لو شفعوا لهم جميعا .

«فما لهم عن التذكرة معرضين‏» قال: «اي: عن الولاية معرضين‏» (38) . «كا نهم حمر مستنفرة‏» .

«فرت من قسورة‏» . شبههم في اعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة فرت من اسد .

«بل يريد كل امري‏ء منهم ان يؤتى صحفا منشرة‏» قال: «وذلك انهم قالوا يا محمد! قد بلغنا ان الرجل من بني اسرائيل كان يذنب الذنب فيصبح وذنبه مكتوب عند راسه وكفارته ، فنزل جبرئيل‏عليه السلام على رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، وقال: يسالك قومك سنة بني اسرائيل في الذنوب ، فان شاؤوا فعلنا ذلك بهم ، واخذناهم بما كنا ناخذ به بني اسرائيل فزعموا ان رسول الله‏صلى الله عليه وآله كره ذلك لقومه‏» (39) . «كلا» ردع عن اقتراحهم . «بل لا يخافون الآخرة‏» فلذلك اعرضوا عن التذكرة .

«كلا» ردع عن اعراضهم . «انه تذكرة‏» .

«فمن شاء ذكره‏» .

«وما يذكرون الا ان يشاء الله هو اهل التقوى واهل المغفرة‏» .

قال: «قال الله تعالى: انا اهل ان اتقى ، ولا يشرك بي عبدي شيئا ، وانا اهل ان لم يشرك بي عبدي شيئا ان ادخله الجنة‏» (40) .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) القمي 2: 393 .

3) البيضاوي 5: 158 .

4) الكشاف 4: 181 ; البيضاوي 5: 158 ; جامع البيان (للطبري) 29: 90 .

5) الكافي 6: 455 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; الخصال 2: 623 ، قطعة من حديث: 10 ، عن ابي عبد الله ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام .

6) الكافي 6: 456 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

7) الكافي 6: 456 ، الحديث: 4 ، عن ابي الحسن‏عليه السلام .

8-9) مجمع البيان 9 - 10: 385 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

10) القمي 2: 393 .

11) المصدر ، في رواية ابي الجارود .

12) الكافي 2: 499 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

13) مرت ترجمته في ذيل الآية: 6 من سورة القلم .

14) الكشاف 4: 182 ; البيضاوي 5: 159 .

15) القمي 2: 394 .

16) المصدر: 395 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

17) مجمع البيان 9 - 10: 387 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

18) الكشاف 4: 182 .

19) القمي 2: 394 .

20) الطلاوة: الحسن والقبول . الصحاح 6: 2414 (طلا) .

21) صبا الرجل صبوءا: اذا خرج من دين الى دين . الصحاح 1: 59 (صبا) .

22) جوامع الجامع: 517 ; الكشاف 4: 183 .

23) القمي 2: 395 .

24) الكشاف 4: 184 ; البيضاوي 5: 160 .

25) البيضاوي 5: 160 .

26) الكافي 1: 434 ، قطعة من حديث: 91 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

27) البيضاوي 5: 161 .

28-29-30-31) الكافي 1: 434 ، قطعة من حديث: 91 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

32) نهج البلاغة 316 ، الخطبة: 199 ، بالمضمون .

33) الواقعة (56): 10 11 .

34) الحلبة: خيل تجمع للسباق من كل اوب ، لا تخرج من اصطبل واحد . الصحاح 1: 115 (حلب) .

35) الكافي 1: 419 ، الحديث: 38 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

36) الكافي 1: 434 ، قطعة من حديث: 91 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

37) القمي 2: 395 .

38) الكافي 1: 434 ، قطعة من حديث: 91 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

39) القمي 2: 396 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

40) التوحيد: 20 ، الباب: 1 ، الحديث: 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .