سورة القلم

[مكية ، وهي اثنتان وخمسون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«ن والقلم وما يسطرون‏» قال: «واما "ن" فهو نهر في الجنة . قال الله عز وجل: اجمد ، فجمد ، فصار مدادا ، ثم قال عزوجل للقلم: اكتب ، فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة . فالمداد مداد من نور ، والقلم قلم من نور ، واللوح لوح من نور ، ثم قال: فنون ملك يؤدي الى القلم وهو ملك ، والقلم يؤدي الى اللوح وهو ملك ، واللوح يؤدي الى اسرافيل ، واسرافيل يؤدي الى ميكائيل ، وميكائيل يؤدي الى جبرئيل ، وجبرئيل يؤدي الى الانبياء والرسل صلوات الله عليهم‏» (2) .و ورد: «اول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب ، فكتب القلم ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة‏» (3) .وفي رواية: «"ن" اسم رسول الله‏صلى الله عليه وآله‏» (4) . «ما انت‏بنعمة ربك بمجنون‏» جواب القسم ، اي: ما انت‏بمجنون ، منعما عليك بالنبوة وحصافة الراي ; وهو جواب لقولهم: "يا ايها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون" (5) . «و ان لك‏» على تحمل اعباء الرسالة وقيامك بمواجبها «لاجرا»: لثوابا «غير ممنون‏»: غير مقطوع ، او غير ممنون به عليك .

«و انك لعلى خلق عظيم‏» اذ تحتمل من قومك ما لا يحتمله غيرك .

قال: «ان الله ادب نبيه على محبته (6) ،فلما اكمل له الادب . قال: "انك لعلى خلق عظيم"» (7) .وفي رواية: «يقول على دين عظيم‏» (8) . وفي اخرى: «هو الاسلام‏» (9) . «فستبصر ويبصرون‏» .

«بايكم المفتون‏»: ايكم الذي فتن بالجنون . والباء مزيدة ; او بايكم احرى هذا الاسم ، قال: «قال رسول الله‏صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن الا وقد خلص ودي الى قلبه ، وما خلص ودي الى قلب احد الا وقد خلص ود علي الى قلبه ، كذب يا علي من زعم انه يحبني ويبغضك . قال: فقال رجلان من المنافقين: لقد فتن رسول الله بهذا الغلام! فانزل الله تبارك وتعالى: "فستبصر ويبصرون بايكم .والمشهور انها نزلت في الوليد بن المغيرة (11) ،كان يمنع عشيرته عن الاسلام ، وكان موسرا وله عشر بنين ، فكان يقول لهم وللحمته: من اسلم منكم منعته رفدي ، وكان دعيا ادعاه ابوه بعد ثماني عشرة من مولده .

«ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين‏» . «فلا تطع المكذبين‏».

«ودوا لو تدهن فيدهنون‏»: تلاينهم فيلاينونك . القمي: اي: احبوا ان تغش في علي فيغشون معك (12) . «ولا تطع كل حلاف‏»: كثير الحلف «مهين‏»: حقير الراي .

«هماز»: عياب طعان «مشاء بنميم‏»: نقال للحديث على وجه السعاية .

«مناع للخير»: يمنع الناس عن الخير من الايمان والانفاق والعمل الصالح «معتد»: متجاوز في الظلم «اثيم‏»: كثير الآثام .

«عتل‏»: جاف غليظ . قال: «عظيم الكفر» (13) . «بعد ذ لك‏»: بعد ما عد من مثالبه «زنيم‏» قال: «الذي لا اصل له‏» (14) وفي رواية: «المستهتر بكفره‏» (15) .وسئل النبي‏صلى الله عليه وآله عن العتل الزنيم ، فقال: «هو الشديد الخلق ، المصحح ، الاكول الشروب ، الواجد للطعام والشراب ، الظلوم للناس ، الرحب (16) الجوف‏» (17) .والقمي: الزنيم الدعي (18) . «ان كان ذا مال وبنين‏»: لان كان متمولا مستظهرا بالبنين .

«اذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين‏» اي: اكاذيبهم ، قاله من فرط غروره .

«سنسمه على الخرطوم‏»: على الانف . قيل: وقد اصاب انف الوليد جراحة يوم بدر ، فبقي اثره (19) .وقيل: انه كناية عن ان يذله غاية الاذلال ، كقولهم: جدع انفه ورغم انفه (20) .والقمي: كناية عن الثاني . وان امير المؤمنين‏عليه السلام اذا رجع ورجع اعداؤه يسمهم بميسم معه ، كما توسم البهائم على الخراطيم ، ، الانف والشفتان (21) . «انا بلوناهم‏»: اختبرنا اهل مكة بالقحط «كما بلونا اصحاب الجنة‏» قيل: اصحاب البستان الذي كان دون صنعاء لشيخ ، وكان يمسك منها قدر كفايته ويتصدق بالباقي فلما مات قال بنوه: نحن احق بها لكثرة عيالنا ، ولا يسعنا ان نفعل كما فعل ابونا ، وعزموا على حرمان المساكين (22) . «اذ اقسموا ليصرمنها مصبحين‏»: ليقطعنها وقت الصباح . «ولا يستثنون‏»: ولا يقولون: ان شاء الله .

«فطاف عليها»: على الجنة «طائف‏»: بلاء طائف «من ربك وهم نائمون‏» .

«فاصبحت كالصريم‏» قيل: كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شي‏ء ، او كالليل المظلم باحتراقها واسودادها ، او كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس (23) .والصريمان الليل والنهار لانصرام احدهما من الآخر (24) . «فتنادوا مصبحين‏» .

«ان اغدوا على حرثكم‏»: اخرجوا اليه غدوة ; ضمن معنى الاقبال او الاستيلاء ، فعدي ب «على‏» . «ان كنتم صارمين‏»: قاطعين له .

«فانطلقوا وهم يتخافتون‏»: يتسارون فيما بينهم .

«ان لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين‏» .

«وغدوا على حرد قادرين‏» قيل: اي: على نكد قادرين لا غير ، مكان قدرتهم على الانتفاع يعني: انهم عزموا ان يتنكدوا على المساكين ، فتنكد عليهم ، بحيث لم يقدروا فيها الا على النكد والحرمان (25) . «فلما راوها قالوا انا لضالون‏»: ظللنا طريق جنتنا وما هي بها .

«بل نحن محرومون‏» اي: بعدما تاملوا وعرفوا انها هي ، قالوا: بل نحن حرمنا خيرها لجنايتنا على انفسنا .

«قال اوسطهم‏»: خيرهم واعدلهم قولا «الم اقل لكم لولا تسبحون‏»: لولا تذكرون الله ، وتشكرونه باداء حقه .

«قالوا سبحان ربنا انا كنا ظالمين‏» .

«فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون‏»: يلوم بعضهم بعضا ، فان منهم من اشار بذلك ، ومنهم من استصوبه ، ومنهم من سكت راضيا ، ومنهم من انكره .

«قالوا يا ويلنا انا كنا طاغين‏»: متجاوزين حدود الله .

«عسى ربنا ان يبدلنا خيرا منها انا الى ربنا راغبون‏»: راجون العفو ، طالبون الخير . روي: «انهم ابدلوا خيرا منها» (26) . «كذ لك‏»: مثل ما بلونا به اهل مكة واصحاب الجنة «العذاب‏» في الدنيا «ولعذاب الآخرة اكبر لو كانوا يعلمون‏» لاحترزوا عما يؤديهم الى العذاب .

«ان للمتقين عند ربهم جنات النعيم‏» . «افنجعل المسلمين كالمجرمين‏» انكار لقولهم: ان صح انا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا ، بل نكون احسن حالا منهم ، كما نحن عليه في الدنيا .

«ما لكم كيف تحكمون‏» التفات فيه تعجيب من حكمهم واستبعاد له ، واشعار بانه صادر من اختلال فكر واعوجاج راي .

«ام لكم كتاب‏» من السماء «فيه تدرسون‏»: تقرؤون .

«ان لكم فيه لما تخيرون‏»: ان لكم ما تختارونه وتشتهونه .

«ام لكم ايمان علينا»: عهود مؤكدة بالايمان «بالغة‏»: متناهية في التوكيد «الى يوم القيامة‏» ثابتة لكم علينا الى يوم القيامة ، لا نخرج عن عهدته حتى نحكمكم في ذلك اليوم «ان لكم لما تحكمون‏» جواب القسم المضمن في "ام لكم ايمان" .

«سلهم ا يهم بذ لك زعيم‏»: بذلك الحكم كفيل يدعيه ويصححه .

«ام لهم شركاء» يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين ، او يشاركونهم في هذا القول ; فهم يقلدونهم «فلياتوا بشركائهم ان كانوا صادقين‏» .

«يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون‏» .

«خاشعة ابصارهم ترهقهم ذلة‏»: يوم يشتد الامر ويصعب الخطب . وكشف الساق مثل في ذلك ، واصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب .

قال: «افحم (27) القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ; لما رهقهم من الندامة والخزي والذلة‏» (28) .وقال: «حجاب من نور يكشف ، فيقع المؤمنون سجدا ، ويدبخ (29) اصلاب المنافقين ، فلا يستطيعون السجود» (30) . «وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون‏» قال: «اي: مستطيعون ، يستطيعون الاخذ بما امروا به ، والترك لما نهوا عنه ، ولذلك ابتلوا» (31) . «فذرني ومن يكذب بهذا الحديث‏»: كله الي ، فاني اكفيكه «سنستدرجهم‏»: سندينهم من العذاب درجة درجة ، بالامهال وادامة الصحة وازدياد النعمة وانساء الذكر «من حيث لايعلمون‏» انه استدراج .

«واملي لهم‏»: وامهلهم «ان كيدي متين‏»: لا يدفع بشي‏ء . وقد مضى تمام تفسيره في سورة الاعراف (32) . «ام تسالهم اجرا» على الارشاد «فهم من مغرم‏»: من غرامة «مثقلون‏» بحملها ، فيعرضون عنك .

«ام عندهم الغيب فهم يكتبون‏» منه ما يحكمون ويستغنون به عن علمك .

«فاصبر لحكم ربك‏» وهو امهالهم وتاخير نصرتك عليهم . «ولا تكن كصاحب الحوت‏» يعني يونس بن متى ، لما دعا على قومه ثم ذهب مغاضبا لله «اذ نادى‏» في بطن الحوت «وهو مكظوم‏» قال: «اي: مغموم‏» (33) . «لولا ان تداركه نعمة من ربه‏»: التوفيق للتوبة وقبولها . القمي: النعمة: الرحمة (34) . «لنبذ بالعراء» القمي: الموضع الذي لا سقف له (35) . «وهو مذموم‏»: مليم . «فاجتباه ربه‏» بان رد الوحي اليه «فجعله من الصالحين‏» .

«و ان يكاد الذين كفروا ليزلقونك بابصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون انه لمجنون‏» .

«وما هو الا ذكر للعالمين‏» يعني انهم لشدة عداوتهم ، وانبعاث بغضهم وحسدهم عند سماع القرآن والدعاء الى الخير ، ينظرون اليك شزرا (36) ،بحيث‏يكادون يزلون قدمك فيصرعونك ، من قولهم: نظر الي نظرا يكاد يصرعني . اي: لو امكنه بنظره الصرع لفعله . والمعنى: انهم يكادون يصيبونك بالعين .

ورد: «ان العين حق‏» (37) .و: «ان العين ليدخل الرجل القبر والجمل القدر» (38) .و: «انه لو كان شي‏ء يسبق القدر لسبقه العين‏» (39) .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) معاني الاخبار: 23 ، ذيل الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

3) القمي 2: 198 ، ذيل الآية: 3 من سورة سبا ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

4) الخصال 2: 426 ، الحديث: 2 ، عن ابي جعفرعليه السلام ; تاويل الآيات الظاهرة: 685 ، عن ابي الحسن موسى‏عليه السلام .

5) الحجر (15): 6 .

6) الكافي 1: 265 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

7) المصدر: 266 ، الحديث: 4 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

8) القمي 2: 382 ، عن ابي جعفرعليه السلام ; معاني الاخبار: 188 ، ذيل الحديث: 1 .

9) معاني الاخبار: 188 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

10) المحاسن: 151 ، الحديث: 71 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

11) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، ابو عبد شمس: من قضاة العرب في الجاهلية ، ومن زعماء قريش ، ومن زنادقتها . وادرك الاسلام وهو شيخ هرم ، فعاداه وقاوم دعوته ، هلك بعد الهجرة بثلاثة اشهر ، وهو والد خالد بن الوليد . الاعلام (للزركلي) 8 : 122 .

12) القمي 2: 380 .

13) معاني الاخبار: 149 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; تاويل الآيات الظاهرة: 687، عنهم صلوات الله عليهم .

14) مجمع البيان 9 - 10: 334 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

15) معاني الاخبار: 149 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

16) في المصدر: «الرحيب الجوف‏». ورجل رحيب الجوف: واسعها. لسان العرب 1: 414 (رحب).

17) مجمع البيان 9 - 10: 334 ; كنز العمال 2: 540 ، الحديث: 4678 .

18) القمي 2: 380 .

19-20) البيضاوي 5: 144 ; تفسير الكبير 30: 86 .

21) القمي 2: 381 .

22) الجامع لاحكام القرآن (للقرطبي) 18: 240 ، عن ابن عباس .

23) البيضاوي 5: 145 .

24) مجمع البيان 9 - 10: 336 ، عن ابن عباس وابي عمرو بن العلاء .

25) البيضاوي 5: 145 .

26) الكشاف 4: 145 ; البيضاوي 5: 145 .

27) الافحام: الاسكات بالحجة . المصباح المنير 2: 135 (فحم) .

28) التوحيد: 154 ، الباب: 14 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; مجمع البيان 9 - 10: 339 ، عن ابي جعفر وابي عبد الله‏عليهما السلام .

29) دبخ الرجل تدبيخا: اذا قبب ظهره وطاطا راسه ، «الصحاح 1: 420 - دبخ‏». وفي المصدرين: تدمج‏»، والدمج: دخول شي‏ء في شي‏ء مستحكما ; كانه يدخل في اصلابهم شي‏ء يمنعهم عن الانحناء فلا يستطيعون السجود .

30) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 121 ، الباب: 11 ، ذيل الحديث: 14 ; التوحيد: 154 ، الباب: 14 ، الحديث: 1 ، عن ابي الحسن‏عليه السلام .

31) التوحيد: 349 ، الباب: 56 ، الحديث: 9 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، وفيه: «وبذلك ابتلوا» .

32) ذيل الآية: 182 - 183 .

33) القمي 2: 383 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

34) القمي 2: 383 .

35) القمي 2: 383 .

36) نظر اليه شزرا ، وهو نظر الغضبان بمؤخر العين . الصحاح 2: 696 (شزر) .

37) مجمع البيان 5 - 6: 249 ، ذيل الآية: 67 من سورة يوسف ; التفسير الكبير 30: 100 ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

38) البيضاوي 5: 147 ; التفسير الكبير 30: 100 عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

39) مجمع البيان 5 - 6: 249 ، ذيل الآية: 67 من سورة يوسف ; و 9 - 10: 341 ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .