سورة الطلاق

[مدنية ، وهي اثنتا عشرة آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«يا ايها النبي اذا طلقتم النساء» . القمي: المخاطبة للنبي والمعنى للناس (2) . «فطلقوهن لعدتهن‏» قال: «في قبل عدتهن‏» (3) .وقال: «العدة: الطهر من المحيض‏» (4) .وفي رواية: «اذا اراد الرجل الطلاق ، طلقها في قبل عدتها بغير جماع‏» (5) . «واحصوا العدة‏»: اضبطوها ، واكملوها ثلاثة قروء «واتقوا الله ربكم‏» في تطويل العدة والاضرار بهن . «لا تخرجوهن من بيوتهن‏» من مساكنهن حتى تنقضي عدتهن «ولا يخرجن‏» . قال: «انما عني بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة ، فتلك التي لا تخرج ولا تخرج حتى تطلق الثالثة ، فاذا طلقت الثالثة فقد بانت منه ، ولا نفقة لها . والمراة التي يطلقها الرجل تطليقة ، ثم يدعها حتى يخلو اجلها ، فهذه ايضا تقعد في منزل زوجها ، ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدتها» (6) . «الا ان ياتين بفاحشة مبينة‏» قال: «يعني بالفاحشة المبينة ان تؤذي اهل زوجها ، فاذا فعلت ، فان شاء ان يخرجها من قبل ان تنقضي عدتها ، فعل‏» (7) .وفي رواية: «الا ان تزني ، فتخرج ويقام عليها الحد» (8) .وفي اخرى: «السحق‏» (9) .والقمي: ان تزني او تشرف على الرجال . ومن الفاحشة السلاطة (10) على زوجها (11) . «وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري‏» اي: النفس «لعل الله يحدث بعد ذ لك امرا»قال: «لعلها ان تقع في نفسه فيراجعها» (12) . «فاذا بلغن اجلهن‏»: شارفن آخر عدتهن «فامسكوهن‏»: راجعوهن «بمعروف‏»: بحسن عشرة وانفاق مناسب «او فارقوهن بمعروف‏» بايفاء الحق والتمتيع واتقاء الضرار «واشهدوا ذوي عدل منكم‏» على الطلاق . القمي: معطوف على قوله: "اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" (13) .قال لابي يوسف القاضي (14) : «ان الله تبارك وتعالى امر في كتابه بالطلاق واكد فيه بشاهدين ، ولم يرض بهما الا عدلين ، وامر في كتابه بالتزويج ، فاهمله بلا شهود ; فاثبتم شاهدين فيما اهمل ، وابطلتم الشاهدين فيما اكد!» (15) . «واقيموا الشهادة‏» ايها الشهود عند الحاجة «لله‏»: خالصا لوجهه «ذ لكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا» قال: «من شبهات الدنيا .ورد: «هي آية لو اخذ بها الناس لكفتهم‏» (18) . «ويرزقه من حيث لا يحتسب‏» قال: «في دنياه‏» (19) .وقال: «اي: يبارك له فيما آتاه‏» (20) .و ورد: «من اتاه الله برزق لم يخط اليه برجله ، ولم يمد اليه يده ، ولم يتكلم فيه بلسانه ، ولم يشد اليه ثيابه ، ولم يتعرض له ، كان ممن ذكره الله في كتابه: "ومن يتق الله" ، الآية‏» (21) . و ورد: «ان قوما لما نزلت هذه الآية اغلقوا الابواب واقبلوا على العبادة ، فقال لهم النبي‏صلى الله عليه وآله: من فعل ذلك لم يستجب له ، عليكم بالطلب‏» (22) .وفي رواية: «هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ، ليس عندهم ما يتحملون به الينا ، فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا ، فيرحل قوم فوقهم وينفقون اموالهم ويتعبون ابدانهم ، حتى يدخلوا علينا ; فيسمعوا حديثنا فينقلوه اليهم ; فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء . فاولئك الذين يجعل الله لهم مخرجا ، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون‏» (23) . «ومن يتوكل على الله فهو حسبه‏»: كافيه «ان الله بالغ امره‏»: يبلغ ما يريده ، ولا يفوته مراد «قد جعل الله لكل شي‏ء قدرا» تقديرا او مقدارا لا يتغير . وهو بيان لوجوب التوكل ، وتقرير لما تقدم من الاحكام ، وتمهيد لما سياتي من المقادير .

قال: «التوكل على الله درجات ، منها: ان تتوكل على الله في امورك كلها ; فما فعل بك كنت عنه راضيا ، تعلم انه لا يالوك خيرا وفضلا ، وتعلم ان الحكم في ذلك له‏» (24) .وسال النبي‏صلى الله عليه وآله جبرئيل: ما التوكل على الله؟ فقال: «العلم بان المخلوق لا يضر ولاينفع ولا يعطي ولا يمنع ، واستعمال الياس من الخلق . فاذا كان العبد كذلك ; لم يعمل لاحد سوى الله ، ولم يرج ولم يخف سوى الله ، ولم يطمع في احد سوى الله ، فهذا هو التوكل‏» (25) . «واللائي يئسن من المحيض من نسائكم‏» فلا يحضن «ان ارتبتم‏»: شككتم في امرهن ، فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن ام لعارض «فعدتهن ثلاثة اشهر» .

قال: «هن اللواتي امثالهن يحضن ; لانهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى‏» (26) . «واللائي لم يحضن‏» يعني واللائي لم يحضن بعد كذلك «واولات الاحمال اجلهن ان يضعن حملهن‏» قال: «هي في الطلاق خاصة‏» (27) .اقول: وذلك لان عدتهن في الموت ابعد الاجلين ، كما ورد في اخبار كثيرة (28) . «ومن يتق الله‏» في احكامه ، فيراعي حقوقها «يجعل له من امره يسرا»: يسهل عليه امره ويوفقه للخير .

«ذ لك‏» اشارة الى ما ذكر من الاحكام «امر الله انزله اليكم ومن يتق الله‏» في امره «يكفر عنه سيئاته‏» فان الحسنات يذهبن السيئات «ويعظم له اجرا» بالمضاعفة .

«اسكنوهن من حيث‏سكنتم‏» اي: مكانا من سكناكم «من وجدكم‏» من وسعكم «ولا تضاروهن‏» في السكنى «لتضيقوا عليهن‏»: «فتلجئوهن الى الخروج قبل انقضاء عدتهن‏» . كذا ورد (29) .قال: «والمطلقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها ، انما هي التي لزوجها عليها رجعة‏» (30) . «و ان كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن‏» فيخرجن من العدة «فان ارضعن لكم‏» بعد انقطاع علاقة النكاح «فآتوهن اجورهن‏» على الارضاع «واتمروا بينكم بمعروف‏»: ولياتمر بعضكم بعضا بجميل في الارضاع والاجر . «و ان تعاسرتم‏»: تضايقتم «فسترضع له اخرى‏»: امراة اخرى ; وفيه معاتبة للام على المعاسرة .

«لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا» عاجلا او آجلا . هذا الحكم يجري في كل انفاق فقد ورد: انه سئل عن الرجل الموسر يتخذ الثياب الكثيرة الجياد ، والطيالسة (31) والقمص الكثيرة ; يصون بعضها بعضا ، يتجمل بها ، ايكون مسرفا؟ قال: «لا ، لان الله عزوجل يقول: "لينفق ذو سعة من سعتة"» (32) . «وكاين من قرية‏»: اهل قرية «عتت عن امر ربها ورسله‏»: اعرضت عنه اعراض العاتي «فحاسبناها حسابا شديدا» بالاستقصاء والمناقشة «وعذبناها عذابا نكرا»: منكرا .

«فذاقت وبال امرها وكان عاقبة امرها خسرا» .

«اعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا اولي الالباب الذين آمنوا قد انزل الله اليكم ذكرا» .

«رسولا» . «الذكر: رسول الله‏» . كذا ورد (33) . «يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الى النور»: من الضلالة الى الهدى «ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا قد احسن الله له رزقا» .

«الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن‏» . في العدد «يتنزل الامر بينهن‏»: يجري امر الله وقضاؤه بينهن ، وينفذ حكمه فيهن «لتعلموا ان الله على كل شي‏ء قدير وان الله قد احاط بكل شي‏ء علما» .

ورد ما ملخصه: «ان السماء الدنيا فوق هذه الارض قبة عليها ، والارض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة ، والارض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبة ، وهكذا الى السابعة من كل منهما . وعرش الرحمان فوق السماء السابعة ، وهو قول الله: "الذي خلق سبع سماوات طباقا" الآية (34) .قال: فاما صاحب الامر فهو رسول الله ، والوصي بعد رسول الله قائم هو على وجه الارض ، فانما يتنزل الامر اليه من فوق السماء بين السماوات والارضين . وقال: ما تحتنا الا ارض واحدة وان الست لهي فوقنا» (35) . اقول: كانه‏عليه السلام جعل كل سماء ارضا بالاضافة الى ما فوقها وسماء بالاضافة الى ما تحتها ، فيكون التعدد باعتبار تعدد سطحيها .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) القمي 2: 373 .

3) مجمع البيان 9 - 10: 302 ، عن علي بن الحسين وابي عبد الله‏عليهم السلام .

4) القمي 2: 373 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

5) الكافي 6: 69 ، الحديث: 9 ، عن ابي عبد الله ، عن امير المؤمنين‏عليهما السلام .

6) الكافي 6: 90 ، الحديث: 5 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

7) المصدر: 97 ، الحديث: 2 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

8) من لا يحضره الفقيه 3: 322 ، الحديث: 1565 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

9) كمال الدين 2: 459 ، الباب: 43 ، قطعة من حديث: 21 ، عن القائم‏عليه السلام .

10) السلاطة: حدة اللسان ، يقال: رجل سليط ، اي: صخاب بذي اللسان ، وامراة سليطة كذلك . مجمع البحرين 4: 255 (سلط) .

11) القمي 2: 374 .

12) الكافي 6: 92 ، الحديث: 14 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

13) القمي 2: 373 .

14) يعقوب‏بن ابراهيم بن حبيب الانصاري الكوفي البغدادي، ابويوسف: صاحب ابي حنيفة وتلميذه واول من نشر مذهبه . تولى القضاء في بغداد ايام المهدي والهادي والرشيد ، وهو اول من دعي «قاضي القضاة‏» . ولد بالكوفة سنة: 113ه ، ومات في خلافته ببغداد ، سنة: 182ه . الاعلام (للزركلي) 8 : 193

15) الكافي 5: 387 ، الحديث: 4 ، عن ابي الحسن الكاظم‏عليه السلام .

16) مجمع البيان 9 - 10: 306 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

17) نهج البلاغة (صبحي الصالح) 266 ، الخطبة: 183 .

18) مجمع البيان 9 - 10: 306 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

19) القمي 2: 375 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

20) مجمع البيان 9 - 10: 306 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

21) من لا يحضره الفقيه 3: 101 ، الحديث: 399 ، عن ابي عبد الله ، عن ابيه ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام .

22) الكافي 5: 84 ، الحديث: 5 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

23) الكافي 8 : 178 ، الحديث: 201 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

24) الكافي 2: 65 ، الحديث: 5 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

25) معاني الاخبار: 260 ، الحديث: 1 .

26) مجمع البيان 9 - 10: 307 ، عن ائمتناعليهم السلام .

27) مجمع البيان 9 - 10: 307 ، عن ائمتناعليهم السلام .

28) الكافي 6: 114 ، الحديث: 2 ، 4 ، 5 و 6 ; المصدر 5: 427 ، الحديث: 4 و 5 ; من لا يحضره الفقيه 3: 330 ، الحديث: 1597 .

29) الكافي 6: 123 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

30) المصدر: 104 ، الحديث: 1 و 4 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

31) الطيالسة ، واحدة: الطيلسان ، مثلثة اللام: ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس ، خال عن التفصيل والخياطة . وهو من لباس العجم . والهاء في الجمع للعجمة ; لا نه فارسي ، معرب: تالشان . مجمع البحرين 4: 82 (طيلس) .

32) الكافي 6: 443 ، الحديث: 12 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

33) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 239 ، الباب: 23 ، قطعة من حديث: 1 .

34) سورة الملك (67): 3 .

35) القمي 2: 329 ، ذيل الآية: 7 من سورة الذاريات ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .