سورة الذاريات

[مكية ، وهي ستون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«والذاريات ذروا» قال: «الريح‏» (2) . «فالحاملات وقرا» قال: «السحاب‏» (3) . «فالجاريات يسرا» قال: «السفن‏» (4) . «فالمقسمات امرا» قال: «الملائكة‏» (5) .القمي: وهو قسم كله (6) . «انما توعدون لصادق‏» .

«و ان الدين لواقع‏» جواب القسم ، والدين: الجزاء .

«والسماء ذات الحبك‏» قال: «ذات الحسن والزينة‏» (7) .وفي رواية قال: «هي محبوكة الى الارض ، وشبك بين اصابعه‏» (8) .يعني على كل ارض سماء ، وعلى كل سماء ارض ، وياتي بيانه في سورة الطلاق (9) . «انكم لفي قول مختلف‏» قال: «في امر الولاية‏» (10) . «يؤفك عنه من افك‏»: يصرف عنه من صرف . قال: «من افك عن الولاية افك عن الجنة‏» (11) . «قتل الخراصون‏»: الكذابون . القمي: الذين يخرصون الدين بآرائهم من غير علم ولا يقين (12) . «الذين هم في غمرة‏»: في جهل وضلال يغمرهم «ساهون‏»: غافلون عما امروا به «يسالون ايان يوم الدين‏»: متى يكون يوم الجزاء؟ .

«يوم هم على النار يفتنون‏»: يحرقون ويعذبون .

«ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون‏» .

«ان المتقين في جنات وعيون‏» .

«آخذين ما آتاهم ربهم‏»: قابلين له ، راضين به . ومعناه: ان كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول . «انهم كانوا قبل ذ لك محسنين‏»: قد احسنوا اعمالهم ، فهم مستحقون لذلك .

«كانوا قليلا من الليل ما يهجعون‏»: ينامون . قال: «كانوا اقل الليالي يفوتهم (13) ; لا يقومون فيها» (14) .وفي رواية: «كان القوم ينامون ، ولكن كلما انقلب احدهم قال: الحمد لله ، ولا اله الا الله ، والله اكبر» (15) . «وبالاسحار هم يستغفرون‏» قال: «كانوا يستغفرون في الوتر، في آخر الليل سبعين مرة‏» (16) . «وفي اموالهم حق‏»: نصيب ; يستوجبونه على انفسهم تقربا الى الله ، واشفاقا على الناس «للسائل والمحروم‏» .

قال: «المحروم: المحارف (17) الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع‏» (18) .وفي رواية: «الذي ليس بعقله باس ، ولا يبسط له في الرزق ; وهو محارف‏» (19) . «وفي الارض آيات للموقنين‏»: دلائل تدل على عظمة الله وعلمه ، وكمال قدرته وفرط رحمته . «وفي انفسكم‏» اي: آيات . قال: «يعني انه خلقك سميعا بصيرا ، تغضب وترضى وتجوع وتشبع ، وذلك كله من آيات الله‏» (20) .وسئل امير المؤمنين‏عليه السلام: بما عرفت ربك؟ قال: «بفسخ العزائم ونقض الهمم ، لما ان هممت فحال بيني وبين همي ، وعزمت فخالفت القضاء عزمي ، علمت ان المدبر غيري‏» (21) . «افلا تبصرون‏»: تنظرون نظر من يعتبر .

«وفي السماء رزقكم وما توعدون‏». القمي:المطر ينزل‏من السماء فتخرج به اقوات العالم من الارض،وما توعدون من اخبار الرجعة والقيامة،والاخبار التي في السماء (22) .وسئل عن ارزاق الخلائق؟ فقال: «في السماء الرابعة ، تنزل بقدر ، وتبسط بقدر» (23) . «فورب السماء والارض انه لحق مثل ما ا نكم تنطقون‏» اي: مثل نطقكم ، كما انه لا شك لكم في انكم تنطقون ; ينبغي ان لاتشكوا في تحقق ذلك .

«هل اتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين‏» .

«اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام‏» عدل به الى الرفع لقصد الثبات ، حتى يكون تحيته احسن من تحيتهم ، «قوم منكرون‏» اي: انتم قوم منكرون .

«فراغ الى اهله‏»: فذهب اليهم في خفية من ضيفه ، فان من ادب المضيف ان يبادر بالقرى ، حذرا من ان يكفه الضيف ، او يصير منتظرا . «فجاء بعجل سمين‏» اذ كان عامة ماله البقر .

«فقربه اليهم قال الا تاكلون‏» .

«فاوجس منهم خيفة‏»: فاضمر منهم خوفا لما رآى من اعراضهم عن طعامه ، لظنه انهم جاؤوه لشر . «قالوا لا تخف‏» انا رسل ربك «وبشروه بغلام‏» هو اسحاق «عليم‏»: يكمل علمه اذا بلغ .

«فاقبلت امراته‏»: سارة «في صرة‏» قال: «في جماعة‏» (24) . «فصكت وجهها» قيل: لطمته تعجبا (25) .والقمي: اي: غطته (26) . «وقالت عجوز عقيم‏» اي: انا عجوز عاقر ، فكيف الد؟!

«قالوا كذ لك قال ربك انه هو الحكيم العليم‏» .

«قال فما خطبكم ايها المرسلون‏» لما علم انهم ملائكة ، وانهم لا ينزلون مجتمعين الا لامر عظيم ، سال عنه .

«قالوا انا ارسلنا الى قوم مجرمين‏» يعنون قوم لوط .

«لنرسل عليهم حجارة من طين‏» اي: السجيل ، فانه طين متحجر .

«مسومة‏»:مرسلة او معلمة «عند ربك للمسرفين‏»: المجاوزين الحد في الفجور .

«فاخرجنا من كان فيها»: في قرى قوم لوط «من المؤمنين‏» .

«فما وجدنا فيها غير بيت‏»: اهل بيت «من المسلمين‏» قال: «هي منزل لوط‏» (27) . «وتركنا فيها آية‏»: علامة «للذين يخافون العذاب الاليم‏» .

«وفي موسى اذ ارسلناه الى فرعون بسلطان مبين‏» .

«فتولى بركنه‏»: فاعرض بما يتقوى به من جنوده «وقال ساحر او مجنون‏» .

«فاخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم‏»: آت بما يلام عليه، من الكفر والعناد .

«وفي عاد اذ ارسلنا عليهم الريح العقيم‏» . سميت عقيما لانها اهلكتهم وقطعت دابرهم ، او لانها لم تتضمن منفعة .

ورد: «الرياح خمسة ، منها الريح العقيم ، فتعوذوا بالله من شرها» (28) . «ما تذر من شي‏ء اتت عليه الا جعلته كالرميم‏»: كالرماد .

«وفي ثمود اذ قيل لهم تمتعوا حتى حين‏»: تمتعوا في داركم ثلاثة ايام .

«فعتوا عن امر ربهم‏»: فاستكبروا عن امتثاله «فاخذتهم الصاعقة وهم ينظرون‏» .

«فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين‏»: ممتنعين منه .

«وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين‏»: خارجين عن الاستقامة .

«والسماء بنيناها بايد»: بقوة «و انا لموسعون‏» قيل: اي: لقادرون ; من الوسع بمعنى الطاقة ، او لموسعون السماء (29) . «والارض فرشناها»: مهدناها لتستقروا عليها «فنعم الماهدون‏» نحن .

«ومن كل شي‏ء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون‏» . قال: «بمضادته بين الاشياء عرف ان لا ضد له ، وبمقارنته بين الاشياء عرف ان لا قرين له ، ضاد النور بالظلمة ، واليبس بالبلل ، والخشن باللين ، والصرد بالحرور ، مؤلفا بين متعادياتها ، مفرقا بين متدانياتها ، دالة بتفريقها على مفرقها ، وبتاليفها على مؤلفها ، وذلك قوله ; "ومن كل شي‏ء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" ففرق بين قبل وبعد ; ليعلم ان لا قبل له ولا بعد» الحديث (30) . «ففروا الى الله‏» قال: «حجوا الى الله‏» (31) .والحج القصد والقدوم . قيل: اي: فروا من عقابه الى الايمان والتوحيد وملازمة الطاعة (32) . «اني لكم منه نذير مبين‏» . «ولا تجعلوا مع الله الها آخر اني لكم منه نذير مبين‏» . كرره للتاكيد ، او الاول مرتب على ترك الايمان والطاعة ، والثاني على الاشراك .

«كذ لك‏» اشارة الى تكذيبهم وتسميتهم الرسول ساحرا او مجنونا «ما اتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر او مجنون‏» .

«اتواصوا به‏» اي: كان الاولين والآخرين منهم اوصى بعضهم بعضا بهذا القول ، حتى قالوه جميعا . «بل هم قوم طاغون‏» اضراب عن كونه تواصيا الى ان الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه .

«فتول عنهم‏»: فاعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة ، فابوا الا الاصرار والعناد . «فما انت‏بملوم‏» على الاعراض بعد بذل جهدك في البلاغ . «وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين‏»: فانها تزداد بصيرة . قال: «اراد هلاكهم ، ثم بدا لله فقال: "وذكر"» (33) .وعن امير المؤمنين‏عليه السلام: «لما نزلت "فتول عنهم" لم يبق احد منا الا ايقن بالهلكة ، فلما نزل "وذكر" الآية طابت انفسنا (34) » . «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون‏» قال: «خلقهم ليامرهم بالعبادة‏» (35) .والقمي: خلقهم للامر والنهي والتكليف ، ليست‏خلقة جبر ان يعبدوه ، ولكن خلقة اختيار ; ليختبرهم بالامر والنهي ومن يطع الله ومن يعصي (36) .وفي رواية: «ما خلق العباد الا ليعرفوه ، فاذا عرفوه عبدوه ، واذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه ، قيل: فما معرفة الله؟ قال: معرفة اهل كل زمان امامهم الذي تجب عليهم طاعته‏» (37) . «ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون‏» كما هو شان السادة مع عبيدهم ، فانهم انما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم ، تعالى الله عن ذلك .

«ان الله هو الرزاق ذوالقوة المتين‏» . «فان للذين ظلموا ذنوبا»: نصيبا من العذاب «مثل ذنوب اصحابهم‏»: مثل نصيب نظرائهم من الامم السالفة «فلا يستعجلون‏» القمي: العذاب (38) . «فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون‏»: من يوم القيامة ، او الرجعة .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2-3-4-5) القمي 2: 327 ، عن ابي عبد الله ، عن امير المؤمنين‏عليهما السلام ; الاحتجاج 1: 386 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

6) القمي 2: 327 .

7) مجمع البيان 9 - 10: 153 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

8) القمي 2: 328 ، مجمع البيان 9 - 10: 153 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

9) ذيل الآية: 12 .

10-11) الكافي 1: 422 ، الحديث: 48 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

12) القمي 2: 329 .

13) في المصدر: «تفوتهم‏» .

14) الكافي 3: 446 ، الحديث: 18 ; التهذيب 2: 336 ، الحديث: 1386 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

15) التهذيب 2: 335 ، الحديث: 1384 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

16) التهذيب 2: 130 ، الحديث: 498 ; مجمع البيان 9 - 10: 155 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

17) المحارف: المحدود المدبر ، وهو خلاف قولك: مبارك . كتاب العين 3: 210 ; الصحاح 4: 1342 (حرف) .

18) الكافي 3: 500 ، الحديث: 12 ; التهذيب 4: 108 ، الحديث: 312 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

19) المصدر ، ذيل الحديث: 12 ; التهذيب 4: 108 ، الحديث: 313 ، عن ابي جعفر ، وابي عبد الله‏عليهما السلام .

20) مجمع البيان 9 - 10: 156 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

21) الخصال 1: 33 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام ; التوحيد: 288 ، الباب: 41 ، الحديث: 6 ، عن ابي جعفر ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام ; وجاء صدر الحديث في نهج البلاغة: 511 ، الحكمة: 250 .

22) القمي 2: 330 .

23) القمي 2: 271 ، في ذيل الآية: 7 من سورة الشورى ، عن حسن بن علي‏عليهما السلام .

24) مجمع البيان 9 - 10: 157 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

25) المصدر ، عن الكلبي ومقاتل ; الكشاف 4: 18 ; البيضاوي 5: 97 .

26) القمي 2: 330 .

27) علل الشرائع 2: 548 ; الباب: 340 ، الحديث: 4 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، بالمضمون .

28) من لا يحضره الفقيه 1: 345 ، الحديث: 1527 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام ، وفيه: «فنعوذ بالله من شرها» .

29) البيضاوي 5: 97 .

30) الكافي 1: 139 ، ذيل الحديث: 4 ، عن ابي عبد الله ، عن امير المؤمنين‏عليهما السلام .

31) الكافي 4: 256 ، الحديث: 21 ; معاني الاخبار: 222 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، وفي مجمع البيان 9 - 10: 160 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ما يقرب منه .

32) البيضاوي 5: 98 .

33) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 181 ، الباب: 13 ، ذيل الحديث: 1 .

34) مجمع البيان 9 - 10: 161 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

35) علل الشرائع 1: 13 ، الباب: 9 ، الحديث: 10 ; العياشي 2: 164 ، الحديث: 83 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

36) القمي 2: 331 .

37) علل الشرائع 1: 9 ، الباب: 9 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله ، عن حسين بن علي‏عليهم السلام .

38) لم نعثر عليه في تفسير القمي المطبوع ، ولعله سقط من النساخ ; لانه بعينه موجود في النسخة المخطوطة من تفسير القمي ، الموجودة في مكتبة الاعلام الاسلامي ، تحت رقم: 26818 .