سورة محمد

[مدنية ، وهي ثمان وثلاثون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله اضل اعمالهم‏» . القمي: نزلت في اصحاب رسول الله‏صلى الله عليه وآله الذين ارتدوا بعد رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، وغصبوا اهل بيته حقهم ، وصدوا عن امير المؤمنين وولاية الائمة‏عليهم السلام . "اضل اعمالهم" ، اي: ابطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله‏صلى الله عليه وآله من الجهاد (2) . «والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد» قال: «بما نزل على محمد في علي ; هكذا نزلت‏» (3) . «وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم واصلح بالهم‏»: حالهم . القمي: نزلت في ابي ذر وسلمان وعمار والمقداد ، لم ينقضوا العهد وثبتوا على الولاية (4) . «ذ لك بان الذين كفروا اتبعوا الباطل وان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذ لك يضرب الله للناس امثالهم‏» .

قال: «في سورة محمد آية فينا وآية في اعدائنا» (5) . «فاذا لقيتم الذين كفروا» في المحاربة «فضرب الرقاب‏»: فاضربوا الرقاب ضربا «حتى اذا اثخنتموهم‏»: اكثرتم قتلهم واغلظتموه «فشدوا الوثاق‏»: فاسروهم واحفظوهم «فاما منا بعد و اما فداء»: فاما تمنون منا ، او تفدون فداء . والمراد التخيير بين المن والاطلاق ، وبين اخذ الفداء . «حتى تضع الحرب اوزارها»: آلاتها واثقالها التي لا تقوم الا بها ، كالسلاح والكراع . اي: تنقضي الحرب ولم يبق الا مسلم او مسالم .

«ذ لك‏»: الامر ذلك «ولو يشاء الله لانتصر منهم‏»: لانتقم منهم بالاستئصال «ولكن ليبلو بعضكم ببعض‏»: ولكن امركم بالقتال ، ليبلو المؤمنين بالكافرين ، بان يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم ، والكافرين بالمؤمنين ، بان يعاجلهم بايديهم ببعض عذابهم ، كي يرتدع بعضهم عن الكفر . «والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل اعمالهم‏»: فلن يضيعها .

«سيهديهم ويصلح بالهم‏» .

«ويدخلهم الجنة عرفها لهم‏» القمي: اي: وعدها اياهم ، وادخرها لهم (6) . «يا ايها الذين آمنوا ان تنصروا الله‏»: ان تنصروا دينه ورسوله «ينصركم‏» على عدوكم «ويثبت اقدامكم‏» في القيام بحقوق الاسلام ، والمجاهدة مع الكفار .

«والذين كفروا فتعسا لهم‏»: فعثورا وانحطاطا لهم «واضل اعمالهم‏» .

«ذ لك با نهم كرهوا ما انزل الله‏» في علي . قال: «هكذا نزل جبرئيل بهذه الآية ، الا انه كشط (7) الاسم‏» (8) . «فاحبط اعمالهم‏» . «افلم يسيروا في الارض‏» القمي: في اخبار الامم الماضية (9) . «فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم‏»: اهلكهم وعذبهم «وللكافرين‏» الذين كرهوا ما انزل الله في علي «امثالها» من العذاب والهلاك .

«ذ لك بان الله مولى الذين آمنوا»: ناصرهم «وان الكافرين لا مولى لهم‏»: لا ناصر لهم فيدفع عنهم العذاب واما قوله: "وردوا الى الله موليهم الحق" (10) فالمولى فيه بمعنى المالك .

«ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار والذين كفروا يتمتعون‏»: ينتفعون بمتاع الدنيا «وياكلون كما تاكل الانعام‏»: حريصين غافلين عن العاقبة «والنار مثوى لهم‏»: منزل ومقام .

«وكاين من قرية هي اشد قوة من قريتك التي اخرجتك اهلكناهم فلا ناصر لهم‏» يدفع عنهم .

«افمن كان على بينة من ربه‏» القمي: يعني اميرالمؤمنين صلوات الله عليه (11) . «كمن زين له سوء عمله واتبعوا اهواءهم‏» . ورد: «هم المنافقون‏» (12) .القمي: يعني الذين غصبوه (13) . «مثل الجنة‏» اي: امثل الجنة «التي وعد المتقون فيها انهار من ماء غير آسن‏»: غير متغير الطعم والريح «وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين‏»: لذيذة لهم ، لا يكون فيها كراهة ريح ، ولا غائلة سكر وخمار . القمي: اذا تناولها ولي الله وجد رائحة المسك فيها (14) . «وانهار من عسل مصفى‏»: لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها «ولهم فيها من كل الثمرات و مغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار»: كمثل من هو خالد في النار «وسقوا ماء حميما» مكان تلك الاشربة «فقطع امعاءهم‏» من فرط الحرارة .

«ومنهم من يستمع اليك حتى اذا خرجوا من عندك قالوا للذين اوتوا العلم ماذا قال آنفا» . القمي: نزلت في المنافقين من اصحاب رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، ومن كان اذا سمع شيئا لم يكن يؤمن به ولم يعه ، فاذا خرج قال للمؤمنين: ماذا قال محمد آنفا (15) ؟ «اولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا اهواءهم‏» .

«والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم‏» .

«فهل ينظرون‏»: ينتظرون «الا الساعة ان تاتيهم بغتة فقد جاء اشراطها»: فقد ظهر اماراتها «فا نى لهم اذا جاءتهم ذكراهم‏»: تذكرهم ، ولا ينفع حينئذ ولا فراغ له .

ورد: «اما اشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق الى المغرب‏» (16) .وفي رواية: «ان من اشراط الساعة ان يرفع العلم ويظهر الجهل ، ويشرب الخمر ، ويفشو الزنا ، ويقل الرجال وتكثر النساء ، حتى ان الخمسين امراة فيهن واحد من الرجال‏» (17) .وفي ديث‏سلمان عد منها اشياء كثيرة ، وهو مذكور في الصافي (18) . «فاعلم ا نه لا اله الا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات‏» يعني اذا علمت‏سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين ; فاثبت على ما انت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس باصلاح احوالها وافعالها وهضمها بالاستغفار لذنبك، ولذنوب المؤمنين والمؤمنات ، بالدعاء لهم والتحريض (19) على ما يستدعي غفرانهم . «والله يعلم متقلبكم‏» في الدنيا ، ولها مراحل لابد من قطعها «ومثواكم‏» في العقبى ، فانها دار اقامتكم .

ورد: «الاستغفار وقول لا اله الا الله خير العبادة . قال الله العزيز الجبار: "فاعلم انه لا اله الا الله واستغفر لذنبك"» (20) . «ويقول الذين آمنوا لولا نزلت‏سورة‏» في امر الجهاد «فاذا انزلت‏سورة محكمة‏»: مبينة «وذكر فيها القتال‏» اي: الامر به «رايت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشي عليه من الموت‏»: جبنا ومخافة «فاولى لهم‏»: فويل لهم .

«طاعة وقول معروف‏» خير لهم «فاذا عزم الامر» اي: جد . اسند عزم اصحاب الامر الى الامر مجازا ، وجوابه محذوف . «فلو صدقوا الله‏» اي: فيما زعموا من الحرص على الجهاد «لكان‏» الصدق «خيرا لهم‏» .

«فهل عسيتم‏»: فهل يتوقع منكم «ان توليتم‏» امور الناس وتامرتم عليهم ، او اعرضتم وتوليتم عن الاسلام «ان تفسدوا في الارض وتقطعوا ارحامكم‏» تناحرا (21) على الولاية وتجاذبا لها ، او رجوعا الى ما كنتم عليه في الجاهلية ; من تغاور ومقاتلة مع الاقارب . والمعنى: انهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا ; احقاء بان يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ، ويقول لهم هل عسيتم؟

ورد: «انها نزلت في بني امية‏» (22) . «اولئك الذين لعنهم الله فاصمهم‏» عن استماع الحق «واعمى ابصارهم‏» فلا يهتدون سبيله .

«افلا يتدبرون القرآن‏» قال: «افلا يتدبرون القرآن فيقضون ما عليهم من الحق‏» (23) . «ام على قلوب اقفالها» لا يصل اليها ذكر ولا ينكشف لها امر . واضافة الاقفال اليها ، للدلالة على اقفال مناسبة لها مختصة بها ، لا تجانس الاقفال المعهودة .

ورد: «ان الله اذا اراد ان يهدي عبدا فتح مسامع قلبه ، واذا اراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه ، فلا يصلح ابدا ; وهو قول الله عزوجل: " ام على قلوب اقفالها"» (24) . «ان الذين ارتدوا على ادبارهم‏» الى ما كانوا عليه من الكفر «من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم‏»: سهل لهم «واملى لهم‏»: مدلهم في الآمال والاماني . وعلى قراءة: املي (25) ،اي: وانا امهلهم ولم اعاجلهم بالعقوبة . قال: «نزلت والله فيهما وفي اتباعهما» (26) .وفي رواية: «الشيطان: الثاني‏» (27) . «ذ لك با نهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله‏» قال: «في علي‏» (28) . «سنطيعكم في بعض الامر» .

قال:«دعوا بني امية الى ميثاقهم ان لايصيروا الامر فينا بعد النبي‏صلى الله عليه وآله،ولايعطونا من الخمس شيئا.وقالوا:ان اعطيناهم اياه لم‏يحتاجوا الى شي‏ء،ولم‏يبالوا ان‏لايكون الامر فيهم. فقالوا:سنطيعكم في بعض الامر الذي دعوتمونا اليه، وهو الخمس الاتعطيهم منه شيئا» (29) . «والله يعلم اسرارهم‏» . «فكيف‏» يعملون ويحتالون «اذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم‏» .

«ذ لك بانهم اتبعوا ما اسخط الله‏» القمي: يعني موالاة فلان وفلان (30) . «وكرهوا رضوانه‏» .

قال: «كرهوا عليا ; امر الله بولايته يوم بدر ، ويوم حنين ، وببطن نخلة ، ويوم التروية ، ويوم عرفة ; نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التي صد فيها رسول الله‏صلى الله عليه وآله عن المسجد الحرام ، وبالجحفة ، وبخم‏» (31) . «فاحبط اعمالهم‏» القمي: يعني التي عملوها من الخيرات (32) . «ام حسب الذين في قلوبهم مرض ان لن يخرج الله اضغانهم‏»: ان لن يبرز الله لرسوله والمؤمنين احقادهم .

«ولو نشاء لاريناكهم‏»: لعرفناكهم بدلائل تعرفهم باعيانهم «فلعرفتهم بسيماهم‏»: بعلاماتهم التي نسمهم بها «ولتعرفنهم في لحن القول‏»: في اسلوبه ، وامالته الى جهة تعريض وتورية . قال بعض الصحابة: لحن القول: بغض علي بن ابي طالب ، وكنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله بذلك (33) . «والله يعلم اعمالكم‏» . «ولنبلونكم‏» بالتكاليف الشاقة «حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو اخباركم‏» عن ايمانكم وموالاتكم المؤمنين في صدقها وكذبها .

«ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا» بكفرهم وصدهم «وسيحبط اعمالهم‏» .

«يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول ولا تبطلوا اعمالكم‏» الصالحات بترك الاطاعة فيما افترض الله ورسوله عليكم .

«ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم‏» .

«فلا تهنوا»: فلا تضعفوا «وتدعوا الى السلم‏»: ولا تدعوا الى الصلح خورا وتذللا «وانتم الاعلون‏»: الاغلبون «والله معكم‏»: ناصركم «ولن يتركم اعمالكم‏»: ولن يضيع اعمالكم بافراده عن الثواب . والآية ناسخة لقوله تعالى: "وان جنحوا للسلم فاجنح لها" (34) . «انما الحياة الدنيا لعب ولهو» لا ثبات لها «و ان تؤمنوا وتتقوا يؤتكم اجوركم‏»: ثواب ايمانكم وتقواكم «ولا يسالكم اموالكم‏»: جميع اموالكم ، بل يقتصر على جزء يسير ، كالعشر ونصف العشر وربع العشر .

«ان يسالكموها فيحفكم‏»: فيجهدكم بطلب الكل ، والاحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية «تبخلوا» فلا تعطوا «ويخرج اضغانكم‏»: العداوة التي في صدوركم .

«ها انتم هؤلاء» قيل: اي: انتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون (35) .والقمي: معناه: انتم يا هؤلاء (36) «تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه‏»: فان نفع الانفاق وضر (37) الامساك عائدان اليه «والله الغني وانتم الفقراء» فما يامركم به فهو لاحتياجكم ، فان امتثلتم فلكم ، وان توليتم فعليكم «و ان تتولوا» عطف على "وان تؤمنوا" . «يستبدل قوما غيركم‏»: يقم مكانكم قوما آخرين «ثم لا يكونوا امثالكم‏» في معاداتكم وخلافكم . قال: «ان تتولوا معشر العرب يستبدل قوما غيركم ، يعني الموالي‏» (38) .وفي رواية: «عنى ابناء الموالي المعتقين‏» (39) .وروي: «ان اناسا قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه؟ وكان سلمان الى جنبه ، فضرب بيده على فخذ سلمان فقال: هذا وقومه ، والذي نفسي بيده ، لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس‏» (40) .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) القمي 2: 300 .

3) المصدر: 301 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

4) المصدر: 301 .

5) المصدر ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

6) القمي 2: 302 .

7) الكشط: رفعك شيئا عن شي‏ء قد غطاه . كتاب العين 5: 289 (كشط) .

8) القمي 2: 302 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

9) القمي 2: 302.

10) يونس (10): 30 .

11) القمي 2: 302 .

12) مجمع البيان 9 - 10: 100 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

13) القمي 2: 302 .

14-15) المصدر: 303 .

16) علل الشرائع 1: 95 ، الباب: 3 ، الحديث: 85 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

17) روضة الواعظين 2: 485 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، وفي «ج‏»: «الخميسين‏» .

18) الصافي 5: 25 - 26 .

19) في «الف‏»: «التحريص‏» .

20) الكافي 2: 517 ، الحديث: 2 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

21) انتحر القوم على الامر: تشاحوا عليه . وقيل: انتحروا وتناحروا: من شدة حرصهم . القاموس المحيط 2: 144 ; كتاب العين 3: 210 (نحر) . وفي «الف‏»: «تفاخرا» .

22) الكافي 8 : 103 ، الحديث: 76 ; القمي 2: 308 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

23) مجمع البيان 9 - 10: 104 ، عن ابي عبد الله وابي الحسن‏عليهما السلام .

24) المحاسن: 300 ، الحديث: 35 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

25) مجمع البيان 9 - 10: 103 ، في قراءة اهل البصرة .

26) الكافي 1: 420 ، الحديث: 43 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

27) القمي 2: 308: عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

28-29) الكافي 1: 421 ، ذيل الحديث: 43 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

30) القمي 2: 309 .

31) روضة الواعظين: 106 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

32) القمي 2: 309 .

33) مجمع البيان 9 - 10: 106 ، عن ابي سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله الانصاري .

34) الانفال (8): 61 .

35) البيضاوي 5: 81 .

36) القمي 2: 309 .

37) في «الف‏»: «ضرر» .

38) مجمع البيان 9 - 10: 108 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

39) القمي 2: 309 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

40) الكشاف 3: 540 ; معالم التنزيل 4: 187 ; تفسير القرآن العظيم 4: 196 ;مجمع البيان 9 - 10: 108 .