سورة الاحقاف

[مكية ، وهي خمس وثلاثون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«حم‏» .

«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏» .

«ما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى والذين كفروا عما انذروا معرضون‏» .

«قل ارايتم ما تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا» يعني القرآن . قال: «عنى بالكتاب التوراة والانجيل‏» (2) . «او اثارة من علم‏»: او بقية بقيت عليكم من علوم الاولين قال: «عنى بذلك علم اوصياء الانبياء» (3) . «ان كنتم صادقين‏» . «ومن اضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له الى يوم القيامة‏»: ما دامت الدنيا «وهم عن دعائهم غافلون‏» . «و اذا حشر الناس كانوا لهم اعداء»: يضرونهم ولا ينفعونهم «وكانوا بعبادتهم كافرين‏» . كل من الضميرين ذو وجهين .

«و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين‏» .

«ام يقولون افتراه قل ان افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا» يعني ان عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شي‏ء منها ، فكيف اجترئ عليه واعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ، ولا دفع ضر من قبلكم! «هو اعلم بما تفيضون فيه‏» من القدح في آياته «كفى به شهيدا بيني وبينكم‏» يشهد لي بالصدق والبلاغ ، وعليكم بالكذب والانكار ; وهو وعيد بجزاء افاضتهم . «وهو الغفور الرحيم‏» . وعد بالرحمة والمغفرة لمن تاب وآمن ، واشعار بحلم الله عنهم مع جراتهم ، وقد سبق شان نزول هذه الآية في الشورى (4) . «قل ما نت‏بدعا من الرسل‏»: بديعا منهم ، ادعوكم الى ما لم يدعوا اليه ، او اقدر على ما لم يقدروا عليه . «وما ادري ما يفعل بي ولا بكم‏» في الدارين على التفصيل ، اذ لا علم لي بالغيب «ان اتبع الا ما يوحى الي وما انا الا نذير مبين‏» . «قل ارايتم ان كان من عند الله‏» اي: القرآن «وكفرتم به وشهد شاهد من بني اسرائيل‏» قيل (5) : هو عبد الله بن سلام (6) .وقيل: موسى‏عليه السلام ، وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول‏صلى الله عليه وآله (7) . «على مثله‏» مما في التوراة من المعاني المصدقة له المطابقة عليه «فآمن‏» به «واستكبرتم ان الله لا يهدي القوم الظالمين‏» . استئناف مشعر بان كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم ، ودليل على الجواب المحذوف ، اي: الستم ظالمين .

«وقال الذين كفروا للذين آمنوا» اي: لاجلهم وفي شانهم «لو كان خيرا» اي: الايمان «ما سبقونا اليه‏» وهم فقراء وموال ورعاة «و اذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم‏» .

«ومن قبله‏»: ومن قبل القرآن «كتاب موسى اماما ورحمة وهذا كتاب مصدق‏» لكتاب موسى «لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين‏» .

«ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» . مضى تفسيره في حم السجدة (8) . «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏» .

«اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون‏»«ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله‏»: ومدة حمله وفطامه «ثلاثون شهرا» . ذلك كله بيان لما تكابده الام في تربية الولد ، مبالغة في التوصية بها «حتى اذا بلغ اشده‏»: استحكم قوته وعقله «وبلغ اربعين سنة قال رب اوزعني‏»: الهمني «ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي اني تبت اليك‏» عما يشغل عنك «و اني من المسلمين‏»: المخلصين لك .

ورد ما ملخصه: «انها نزلت في الحسين‏عليه السلام ، وان كراهة امه بالحمل والوضع من جهة انها اخبرت بانه سيقتل ، فلما بشرت بان في ذريته الامامة والولاية والوصية رضيت ، قال: فلولا انه قال: "اصلح لي في ذريتى" لكانت ذريته كلهم ائمة . قال: ولم يولد لستة اشهر الا عيسى بن مريم والحسين‏عليهما السلام‏» (9) . «اولئك الذين نتقبل عنهم احسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في اصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون‏» .

«والذي قال لوالديه اف لكما اتعدانني ان اخرج‏»: ان ابعث «وقد خلت القرون من قبلي‏» فلم يرجع احد منهم «وهما يستغيثان الله ويلك آمن ان وعد الله حق فيقول ما هذا الا اساطير الاولين‏»: اباطيلهم التي كتبوها . القمي: نزلت في عبد الرحمان بن ابي بكر (10) . «اولئك الذين حق عليهم القول‏» بانهم اهل النار «في امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين‏» .

«ولكل‏» من الفريقين «درجات مما عملوا»: مراتب في الخير والشر . والدرجة غالبة في المثوبة ، وهاهنا جاءت على التغليب . «و ليوفيهم اعمالهم‏»: جزاؤها «وهم لا يظلمون‏» بنقص ثواب ، وزيادة عقاب .

«ويوم يعرض الذين كفروا على النار اذهبتم طيباتكم‏»: لذائذكم «في حياتكم الدنيا» باستيفائها «واستمتعتم بها» فما بقي لكم منها شي‏ء . القمي: اكلتم وشربتم ولبستم وركبتم ، وهي في بني فلان (11) .ورد: «اتي النبي‏صلى الله عليه وآله بخبيص (12) فابى ان ياكله ، فقيل: اتحرمه؟ فقال: لا ، ولكني اكره ان تتوق (13) اليه نفسي ، ثم تلا هذه الآية‏» (14) . «فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون‏» .

«واذكر اخا عاد» يعني هودا «اذ انذر قومه بالاحقاف‏» . قيل: هي جمع «حقف‏» ، وهي رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء (15) .القمي: الاحقاف من بلاد عاد ، من الشقوق (16) الى الاجفر (17) ،وهي اربعة منازل (18) . «وقد خلت النذر»: الرسل «من بين يديه ومن خلفه‏»: قبل هود وبعده «الا تعبدوا الا الله اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم‏» .

«قالوا اجئتنا لتافكنا»: لتصرفنا «عن آ لهتنا فاتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين‏» .

«قال انما العلم عند الله‏»: لا علم لي بوقت عذابكم ، ولا مدخل لي فيه فاستعجل به ، وما لي الا البلاغ «وابلغكم ما ارسلت‏به ولكني اراكم قوما تجهلون‏» .

«فلما راوه عارضا»: سحابا عرض في افق السماء «مستقبل اوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو» اي: قال هود: بل هو «ما استعجلتم به‏» من العذاب «ريح فيها عذاب اليم‏» .

«تدمر»: تهلك «كل شي‏ء» من نفوسكم واموالكم «بامر ربها فاصبحوا» اي: فجاءتهم الريح فدمرتهم فاصبحوا «لا يرى الا مساكنهم كذ لك نجزي القوم المجرمين‏» .

روي: «ان هودا لما احس بالريح ، اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة ، وجاءت الريح فامالت الاحقاف على الكفرة ، وكانوا تحتها سبع ليال وثمانية ايام ، ثم كشفت عنهم واحتملتهم وقذفتهم في البحر» (19) . «ولقد مكناهم فيما ان مكناكم فيه‏» «ان‏» نافية او شرطية محذوفة الجواب ، اي: كان بغيكم اكثر . «وجعلنا لهم سمعا وابصارا وافئدة‏» ليعرفوا تلك النعم ، ويستدلوا بها على منعمها ، ويواظبوا على شكرها . «فما اغنى عنهم سمعهم ولا ابصارهم ولا افئدتهم من شي‏ء»: من الاغناء «اذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون‏» من العذاب . القمي: اي: قد اعطيناهم فكفروا ، فنزل بهم العذاب ، فاحذروا ان لا ينزل بكم ما نزل بهم (20) . «ولقد اهلكنا ما حولكم‏» يا اهل مكة «من القرى‏» كحجر ثمود ، وقرى قوم لوط «وصرفنا الآيات‏» بتكريرها «لعلهم يرجعون‏» عن كفرهم .

«فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة‏»: فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم الى الله ، حيث قالوا: " هؤلاء شفعاؤنا عند الله" (21) . «بل ضلوا عنهم‏»: غابوا عن نصرهم «وذ لك افكهم‏»: صرفهم عن الحق «وما كانوا يفترون‏» .

«و اذ صرفنا اليك نفرا من الجن‏» والنفر دون العشرة .

ورد: «انهم كانوا تسعة ، واحد من جن نصيبين والثمان من بني عمرو بن عامر وذكر اسماءهم‏» (22) . «يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا»: قال بعضهم لبعض: اسكتوا لنسمعه . «فلما قضي‏»: فرغ من قراءته «ولوا الى قومهم منذرين‏» اياهم .

«قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي الى الحق و الى طريق مستقيم‏» .

«يا قومنا اجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم‏»: بعض ذنوبكم . قيل: هو ما يكون من خالص حق الله ، فان المظالم لا تغفر بالايمان (23) . «ويجركم من عذاب اليم‏» .

«ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الارض‏» اذ لا ينجي منه مهرب «وليس له من دونه اولياء» يمنعونه منه «اولئك في ضلال مبين‏» .

سئل عن مؤمني الجن: ايدخلون الجنة؟ فقال: «لا ، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار ، يكون فيها مؤمنو الجن وفساق الشيعة‏» (24) . «او لم يروا ان الله الذي خلق السموات والارض ولم يعي‏»: ولم يتعب ولم‏يعجز «بخلقهن بقادر على ان يحيي الموتى بلى انه على كل شي‏ء قدير» .

«ويوم يعرض الذين كفروا على النار اليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون‏» .

«فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل‏»: اولوا الثبات والجد منهم ، فانك من جملتهم . واولوا العزم: اصحاب الشرائع ، اجتهدوا في تاسيسها وتقريرها ، وصبروا على مشاقها . قال: «هم نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم‏» (25) . «ولا تستعجل لهم‏»: لكفار قريش بالعذاب ، فانه نازل بهم في وقته لا محالة . «كا نهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار» استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا ، حتى يحسبونها ساعة . «بلاغ‏»: هذا الذي وعظتم به كفاية ، او تبليغ من الرسول . «فهل يهلك الا القوم الفاسقون‏»: الخارجون عن الاتعاظ والطاعة .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2-3) الكافي 1: 426 ، الحديث: 72 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

4) ذيل الآية: 25 .

5) التبيان 9: 271 ; الكشاف 3: 518 ; البيضاوي 5: 73 .

6) عبد الله بن سلام بن الحارث الاسرائيلي ، ابو يوسف ، صحابي ، قيل: انه من نسل يوسف بن يعقوب . اسلم عند قدوم النبي‏صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، وقيل: تاخر اسلامه الى سنة ثمان . وكان حليفا لبني قينقاع ، وكان اسمه في الجاهلية «الحصين‏» . وان امير المؤمنين‏عليه السلام لما بويع ارسل خلف جمع وامرهم بالبيعة . فقيل له: الا تبعث الى حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن سلام؟ فقال: لا حاجة ، لنا فيمن لا حاجة له فينا . ومات بالمدينة سنة: 43 . راجع: الاصابة 4: 80 ; شرح نهج البلاغة (لابن ابي الحديد) 4: 9 ; الاعلام (للزركلي) 4: 90 .

7) التبيان 9: 271 ; البيضاوي 5: 73 .

8) ذيل الآية: 30 .

9) الكافي 1: 464 ، الحديث: 3 و 4 ; علل الشرائع 1: 206 ، الباب: 156 ، الحديث: 3 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

10) القمي 2: 297 .

11) القمي 2: 298 .

12) الخبيص: طعام معمول من التمر والزبيب والسمن . مجمع البحرين 4: 167 (خبص) .

13) تاقت نفسي الى الشي‏ء ، اي: اشتاقت . الصحاح 4: 1453 (توق) .

14) المحاسن 2: 409 ، الباب: 15 ، الحديث: 133 ، عن ابي عبد الله ، عن آبائه‏عليهم السلام .

15) الكشاف 3: 523 ; البيضاوي 5: 74 .

16) شقوق: جمع شق او شق ، وهو الناحية: منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة وبعدها تلقاء مكة بطان وقبر العبادي ، وهو لبني سلامة من بني اسد . والشقوق ايضا: من مياه ضبة بارض اليمامة . معجم البلدان 3: 356 .

17) الاجفر: جمع جفر ، وهو البئر الواسعة لم تطو: موضع بين فيد والخزيمية ، بينه وبين فيد ستة وثلاثون فرسخا نحو مكة . وقال الزمخشري: الاجفر ماء لبني يربوع ، انتزعته منهم بنو جذيمة . معجم البلدان 1: 102 .

18) القمي 2: 298 .

19) البيضاوي 5: 75 .

20) القمي 2: 299 .

21) يونس (10): 18 .

22) الاحتجاج 1: 330 ، عن موسى بن جعفر ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام .

23) البيضاوي 5: 76 .

24) القمي 2: 300 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

25) الكافي 1: 175 ، الحديث: 3 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; وص‏224 ، الحديث: 2 ; الخصال 1: 300 ، الحديث: 73 ، عن ابي جعفرعليه السلام ; عيون اخبار الرضاعليه السلام 2: 79 ، الباب: 32 ، الحديث: 13 .