سورة الجاثية

[مكية ، وهي سبع وثلاثون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«حم‏» .

«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏» .

«ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين‏» من النجوم والشمس والقمر ، ومما يخرج من الارض من انواع النبات للناس والدواب .

«وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون‏» .

«واختلاف الليل والنهار وما انزل الله من السماء من رزق‏»: من مطر ; سماه رزقا لا نه سببه . «فاحيا به الارض بعد موتها»: يبسها «وتصريف الرياح‏» باختلاف جهاتها واحوالها ، واثارتها السحاب . والقاحها الشجر «آيات لقوم يعقلون‏» . ولعل اختلاف الفواصل لاختلاف الآيات في الدقة والظهور . «تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فباي حديث‏بعد الله وآياته يؤمنون‏» اي: بعد حديثه ، وهو القرآن . وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم ، كقولك: اعجبني زيد وكرمه .

«ويل لكل افاك اثيم‏»: كذاب كثير الاثم .

«يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر»: يقيم على كفره «مستكبرا» عن الايمان بالآيات . و«ثم‏» لاستبعاد الاصرار بعد سماع الآيات . «كان لم يسمعها» اي: كانه «فبشره بعذاب اليم‏» .

«و اذا علم من آياتنا شيئا» القمي: واذا راى (2) . «اتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين‏» .

«من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا» من الاموال والاولاد «شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله اولياء» من الاصنام والرؤساء «ولهم عذاب عظيم‏» .

«هذا هدى‏» اي: القرآن «والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز»: من اشد العذاب «اليم‏» .

«الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بامره‏»: بتسخيره وانتم راكبوها «ولتبتغوا من فضله‏» بالتجارة والغوص والصيد وغيرها «ولعلكم تشكرون‏» .

«وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا» بان خلقها كلها نافعة لكم «منه‏»: كائنة منه «ان في ذ لك لآيات لقوم يتفكرون‏» .

«قل للذين آمنوا يغفروا» اي: قل لهم: اغفروا يغفروا . يعني يعفوا ويصفحوا . «للذين لا يرجون ايام الله‏»: لا يتوقعون وقائعه باعدائه .

قال: «قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا ان يعرفوا الذين لا يعلمون ، فاذا عرفوهم فقد غفروا لهم‏» (3) .والقمي: يقول الائمة الحق: لا تدعوا على ائمة الجور ، حتى يكون الله هو الذي يعاقبهم (4) . «ليجزي قوما بما كانوا يكسبون‏» . «من عمل صالحا فلنفسه‏» ثوابه «ومن اساء فعليها» عقابه «ثم الى ربكم ترجعون‏» فيجازيكم على اعمالكم .

«ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب‏»: التوارة «والحكم‏»: والحكمة ، او فصل الخصومات «والنبوة‏» اذ كثر الانبياء فيهم ما لم يكثر في غيرهم «ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين‏»: عالمي زمانهم .

«وآتيناهم بينات من الامر»: ادلة من امر الدين «فما اختلفوا» في ذلك الامر «الا من بعد ما جاءهم العلم‏» بحقيقة الحال «بغيا بينهم‏»: عداوة وحسدا .

«ان ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏».

«ثم جعلناك على شريعة من الامر»: طريقة من امر الدين «فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون‏» . القمي: هذا تاديب لرسول الله‏صلى الله عليه وآله ، والمعنى لامته (5) . «انهم لن يغنوا عنك من الله شيئا» مما اراد بك «و ان الظالمين بعضهم اولياء بعض والله ولي المتقين‏» .

«هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون‏» .

«ام حسب الذين اجترحوا السيئات‏»: اكتسبوها «ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون‏» .

«وخلق الله السموات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لايظلمون‏» .

«افرايت من اتخذ الهه هواه‏» بان اطاعه وبنى عليه دينه .

القمي: نزلت في قريش ، كلما هووا شيئا عبدوه ، وجرت بعد رسول الله‏صلى الله عليه وآله في اصحابه الذين غصبوا امير المؤمنين‏عليه السلام ، واتخذوا اماما باهوائهم (6) . «واضله الله على علم‏»: وخذله ; عالما بضلاله وفساد جوهر روحه . «وختم على سمعه وقلبه‏» فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات «وجعل على بصره غشاوة‏» فلاينظر بعين الاستبصار والاعتبار «فمن يهديه من بعد الله‏»: من بعد اضلاله «افلا تذكرون‏» .

«وقالوا ما هي‏»: ما الحياة «الا حياتنا الدنيا» التي نحن فيها «نموت ونحيا» . القمي: هذا مقدم ومؤخر ، لان الدهرية لم يقروا بالبعث والنشور بعد الموت ، وانما قالوا: نحيا ونموت (7) .وقيل: اي نموت نحن ويحيا آخرون ممن ياتون بعدنا (8) . «وما يهلكنا الا الدهر»: الا مرور الزمان «وما لهم بذ لك من علم ان هم الا يظنون‏» .

قال في حديث: «فاما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية ، وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم: الدهرية ، وهم الذين يقولون: "وما يهلكنا الا الدهر" ، وهو دين وضعوه لانفسهم ، بالاستحسان منهم على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشي‏ء مما يقولون . قال الله عزوجل: "ان هم الا يظنون" ان ذلك كما يقولون‏» (9) . «و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم‏»: ما كان لهم متشبث‏يعارضونها به «الا ان قالوا ائتوا بآبائنا ان كنتم صادقين‏» .

«قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم الى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏» لقصور نظرهم على ما يحسونه .

«ولله ملك السموات والارض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون‏» .

«وترى كل امة جاثية‏» القمي: اي: على ركبها (10) .اقول: يعني مستوفزين . وقيل: اي: مجتمعة ; من الجثوة وهي الجماعة (11) . «كل امة تدعى الى كتابها»: صحيفة اعمالها . «اليوم تجزون ما كنتم تعملون‏» .

«هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق‏»: يشهد عليكم .

و ورد: «ان الكتاب لم ينطق ولن ينطق ، ولكن رسول الله‏صلى الله عليه وآله هو الناطق بالكتاب . قال الله تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق" فقيل: انا لا نقرؤها هكذا؟ فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل‏عليه السلام على محمدصلى الله عليه وآله ، ولكنه مما حرف من كتاب الله‏» (12) .اقول: يعني انه نزل على البناء للمفعول .

«انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون‏»: نستكتب الملائكة اعمالكم من اللوح المحفوظ .

ورد: «ان الملكين الموكلين بالعبد اذا ارادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما اسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ ، فيعطيهما ذلك ، فاذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد قابله اسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما ، حتى يظهر انه كان كما نسخ منه‏» (13) .وفي رواية: «اولستم عربا فكيف لا تعرفون معنى الكلام؟! واحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب ، او ليس انما ينسخ من كتاب آخر من الاصل ، وهو قوله: "انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون"» (14) . «فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذ لك هو الفوز المبين‏» . «واما الذين كفروا افلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين‏» . «و اذا قيل ان وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة ان نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين‏» .

«وبدا لهم‏»: ظهر لهم «سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون‏» .

«وقيل اليوم ننساكم‏»: نترككم في العذاب ترك ما ينسى . «كما نسيتم لقاء يومكم هذا وماواكم النار وما لكم من ناصرين‏» .

«ذ لكم با نكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون‏»: لا يطلب منهم ان يعتبوا ربهم ، اي: يرضوه لفوات اوانه .

«فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين‏» اذ الكل نعمة منه .

«وله الكبرياء في السموات والارض‏» اذ ظهر فيها آثار قدرته «وهو العزيز» الذي لا يغلب «الحكيم‏» فيما قدر وقضى ; فاحمدوه وكبروه واطيعوا له .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) القمي 2: 293 .

3) القمي 2: 294 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

4) القمي 2: 293 .

5) القمي 2: 294 .

6) القمي 2: 294 .

7) القمي 2: 294 .

8) جامع البيان (للطبري) 25: 91 ; الكشاف 3: 512 البيضاوي 5: 7 .

9) الكافي 2: 389 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

10) القمي 2: 295 .

11) الكشاف 3: 513 ; البيضاوي 5: 71 .

12) الكافي 8 : 50 ، الحديث: 11 ; القمي 2: 295 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

13) سعد السعود: 226 .

14) القمي 2: 380 ، ذيل الآية: 1 ، عن سورة القلم ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .