سورة الدخان

[مكية ، وهي تسع وخمسون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«حم‏» .

«والكتاب المبين‏» .

«انا انزلناه في ليلة مباركة‏» قال: «هي ليلة القدر ، انزل الله القرآن فيها الى البيت المعمور جملة واحدة ، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله‏صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة‏» (2) . «انا كنا منذرين‏» . «فيها يفرق كل امر حكيم‏» «اي: محكم‏» . كذا ورد (3) . قال: «اي: يقدر الله كل امر من الحق والباطل ، وما يكون في تلك السنة ، وله فيه البداء (4) والمشيئة ، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، من الآجال والارزاق ، والبلايا والاعراض والامراض ، ويزيد فيه ما يشاء وينقص ما يشاء ، ويلقيه رسول الله‏صلى الله عليه وآله الى امير المؤمنين‏عليه السلام ، ويلقيه امير المؤمنين الى الائمة ، حتى ينتهي ذلك الى صاحب الزمان صلوات الله عليهم ، ويشترط له فيه البداء والمشيئة ، والتقديم والتاخير» (5) .وفي رواية: «انه لينزل الى ولي الامر تفسير الامور سنة سنة ، يؤمر فيها في امر نفسه بكذا وكذا ، وفي امر الناس بكذا وكذا» (6) .وورد في تفسير هذه الآية في الباطن: «اما "حم" فهو محمدصلى الله عليه وآله ، وهو في كتاب هود الذي انزل عليه ، وهو منقوص الحروف . واما "الكتاب المبين" فهو امير المؤمنين‏عليه السلام . واما الليلة ، ففاطمة صلوات الله عليها . واما قوله: "فيها يفرق كل امر حكيم" يقول: يخرج منها خير كثير ، فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم‏» الحديث (7) . «امرا من عندنا»: على مقتضى حكمتنا «انا كنا مرسلين‏»: من عادتنا ارسال الرسل بالكتب .

«رحمة من ربك‏» . وضع الرب موضع الضمير اشعارا بان الربوبية اقتضت ذلك ، فانه اعظم انواع التربية . «انه هو السميع العليم‏» .

«رب السموات والارض وما بينهما ان كنتم موقنين‏»: علمتم ان الامر كما قلنا .

«لا اله الا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الاولين‏» .

«بل هم في شك يلعبون‏» . رد لكونهم موقنين .

«فارتقب‏»: فانتظر لهم «يوم تاتي السماء بدخان مبين‏» .

«يغشى الناس‏»: يحيط بهم «هذا عذاب اليم‏» . روي في حديث اشراط الساعة: «اول الآيات: الدخان ، ونزول عيسى ، ونار تخرج من قعر عدن ابين ، تسوق الناس الى المحشر . قيل: فما الدخان؟ فتلا رسول الله‏صلى الله عليه وآله هذه الآية ، وقال: يملا ما بين المشرق والمغرب ، يمكث اربعين يوما وليلة ، اما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام ، واما الكافر فهو كالسكران ، يخرج من منخريه واذنيه ودبره‏» (8) .اقول: ابين بالموحدة ثم المثناة من تحت: اسم رجل نسب اليه عدن .

وفي رواية: «دخان ياتي من السماء قبل قيام الساعة ، يدخل في اسماع الكفرة ، حتى يكون راس الواحد كراس الحنيذ (9) ،ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام ، ويكون الارض كلها كبيت اوقد فيه ، ليس فيه خصاص (10) ،يمتد ذلك اربعين يوما» (11) .والقمي: ذلك اذا خرجوا في الرجعة من القبر ، يغشى الناس كلهم الظلمة ، فيقولوا: "هذا عذاب اليم" (12) . «ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون‏» وعد بالايمان ، ان كشف عنهم العذاب .

«ا نى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين‏»: ابان لهم ما هو اعظم منها ، في ايجاب الذكرى من الآيات والمعجزات .

«ثم تولوا عنه وقالوا معلم‏»: يعلمه غلام اعجمي لبعض ثقيف «مجنون‏» . القمي: قالوا ذلك لما نزل الوحي فاخذه الغش ، فقالوا: هو مجنون (13) . «انا كاشفوا العذاب قليلا انكم عائدون‏» قيل: يعني الى الكفر غب الكشف (14) .والقمي: يعني الى القيامة (15) . «يوم نبطش البطشة الكبرى‏» القمي: القيامة (16) .والبطش: التناول بصولة . «انا منتقمون‏».

«ولقد فتنا»: اختبرنا «قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم‏» .

«ان ادوا الي عباد الله‏»: ارسلوهم معي . القمي: اي: ما فرض الله من الصلاة والزكاة والصوم والحج والسنن والاحكام (17) . «اني لكم رسول امين‏»: غير متهم . «وان لا تعلوا على الله‏» بالاستهانة بوحيه ورسوله «اني آتيكم بسلطان مبين‏» . لذكر الامين مع الاداء ، والسلطان مع العلاء شان لا يخفى .

«و اني عذت بربي وربكم‏»: التجات اليه وتوكلت عليه «ان ترجمون‏»: ان تؤذوني ضربا او شتما .

«و ان لم تؤمنوا لي فاعتزلون‏» لا علي، ولا لي .

«فدعا ربه‏» بعد ما كذبوه «ان هؤلاء قوم مجرمون‏» . تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ، ولذلك سماه دعاء .

«فاسر» اي: فاوحى الله اليه ان اسر «بعبادي ليلا انكم متبعون‏»: يتبعكم فرعون وجنوده ، اذا علموا بخروجكم .

«واترك البحر رهوا» قيل: اي: مفتوحا ذا فجوة واسعة ، او ساكنا على هيئته (18) .والقمي: اي: جانبا ، وخذ على الطريق (19) . «انهم جند مغرقون‏» . «كم تركوا»: كثيرا تركوا «من جنات وعيون‏» .

«وزروع ومقام كريم‏»: محافل مزينة ومنازل حسنة .

«ونعمة‏»: وتنعم «كانوا فيها فاكهين‏»: متنعمين . والقمي: النعمة في الابدان . فاكهين اي: مفاكهة النساء (20) . «كذ لك واورثناها قوما آخرين‏» .

«فما بكت عليهم السماء والارض‏» . قيل: مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم ، والاعتداد بوجودهم (21) .و ورد: «ما بكت السماء والارض الا على يحيى بن زكريا ، وعلى الحسين بن علي‏» (22) .وفي رواية «بكت السماء على يحيى بن زكريا ، وعلى الحسين بن علي اربعين صباحا ، ولم تبك الا عليهما . قيل: فما بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء» (23) .وفي اخرى: «بكت السماء على الحسين اربعين يوما بالدم‏» (24) . «وما كانوا منظرين‏»: ممهلين الى وقت آخر .

«ولقد نجينا بني اسرائيل من العذاب المهين‏»: من استعباد فرعون وقتله ابناءهم .

«من فرعون انه كان عاليا من المسرفين‏» .

«ولقد اخترناهم على علم‏» بانهم احقاء بذلك ، «على العالمين‏»: على عالمي زمانهم . القمي: فلفظه عام ومعناه خاص (25) . «وآتيناهم من الآيات‏» كفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وانزال المن والسلوى . «ما فيه بلاء مبين‏»: نعمة جلية ، او اختبار ظاهر .

«ان هؤلاء» يعني كفار قريش ; فان قصة فرعون كانت معترضة . «ليقولون‏» .

«ان هي الا موتتنا الاولى‏»: ما العاقبة ونهاية الامر الا الموتة المزيلة للحياة الدنيوية . «وما نحن بمنشرين‏»: بمبعوثين .

«فاتوا بآبائنا ان كنتم صادقين‏» .

«اهم خير ام قوم تبع‏» الحميري (26) ،الذي سار بالجيوش وحير الحيرة ; كان مؤمنا وقومه كافرين ، ولذلك ذمهم دونه . ورد: «لا تسبوا تبعا ، فانه كان قد اسلم‏» (27) . «والذين من قبلهم‏» كعاد وثمود . «اهلكناهم انهم كانوا مجرمين‏» كما ان هؤلاء مجرمون .

«وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين‏» .

«ما خلقناهما الا بالحق ولكن اكثرهم لا يعلمون‏» .

«ان يوم الفصل‏»: فصل الحق عن الباطل ، والمحق عن المبطل «ميقاتهم اجمعين‏» .

«يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا» من الاغناء «ولا هم ينصرون‏» .

«الا من رحم الله‏» بالعفو عنه ، وقبول الشفاعة فيه «انه هو العزيز»: لا ينصر منه من اراد تعذيبه «الرحيم‏» لمن اراد ان يرحمه .

قال: «نحن والله الذي يرحم الله (28) ،ونحن والله الذي استثنى الله ، لكنا نغني عنهم‏» (29) .وفي رواية: «يعني بذلك عليا وشيعته‏» (30) . «ان شجرت الزقوم‏» . مضى صفتها في الصافات (31) . «طعام الاثيم‏»: كثير الآثام . القمي: نزلت في ابي جهل (32) . «كالمهل‏» القمي: الصفر المذاب (33) . «يغلي في البطون‏» . «كغلي الحميم‏» القمي: هو الذي حمي وبلغ المنتهى (34) . «خذوه‏» على ارادة القول ، والمقول له الزبانية «فاعتلوه‏»: فجروه بمجامعه بقهر «الى سواء الجحيم‏»: وسطه .

«ثم صبوا فوق راسه من عذاب الحميم‏»: من عذاب هو الحميم .

«ذق انك انت العزيز الكريم‏» اي: وقولوا له ذلك استهزاء به . القمي: وذلك ، ان اباجهل كان يقول: انا العزيز الكريم ، فيعير بذلك في النار (35) . «ان هذا ما كنتم به تمترون‏»: تشكون وتمارون فيه .

«ان المتقين في مقام امين‏»: يامن صاحبه عن الآفة والانتقال .

«في جنات وعيون‏» .

«يلبسون من سندس‏»: ما رق من الحرير «واستبرق‏»: ما غلظ منه «متقابلين‏» في مجالسهم ، ليستانس بعضهم ببعض .

«كذلك‏»:الامر كذلك «وزوجناهم بحور عين‏» الحوراء: البيضاء، والعيناء: عظيم العينين .

ورد: «المؤمن يزوج ثمانمائة عذراء والف ثيب ، وزوجتين من الحور العين‏» (36) . «يدعون فيها بكل فاكهة‏»: يطلبون ويامرون باحضار ما يشتهون من الفواكه ، لا يتخصص شي‏ء منها بمكان ولا زمان «آمنين‏» من الضرر .

«لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى‏» التي في الدنيا ، حين يشارف الجنة ويشاهدها «ووقاهم عذاب الجحيم‏» .

«فضلا من ربك ذ لك هو الفوز العظيم‏» .

«فانما يسرناه‏بلسانك لعلهم يتذكرون‏»: يفهمونه ، فيتذكرون به لما لم يتذكروا .

«فارتقب‏» ما يحل بهم «انهم مرتقبون‏» ما يحل بك .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) القمي 2: 290 ، عن ابي جعفر ، وابي عبد الله ، وابي الحسن‏عليهم السلام .

3) الكافي 1: 248 ، الحديث: 3 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

4) البداء في اصل اللغة بمعنى الظهور ، وقد اكتسب في الاستعمال اختصاصا في ظهور راي جديد في امر .

5) القمي 2: 290 ، عن ابي جعفر ، وابي عبد الله ، وابي الحسن‏عليهم السلام .

6) الكافي 1: 248 ، الحديث: 3 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

7) المصدر: 479 ، قطعة من حديث: 4 ، عن ابي الحسن‏عليه السلام .

8) الكشاف 3: 501 ; البيضاوي 5: 65 .

9) الحنذ: اشتواء اللحم ، والحنيذ: المشوي ، كتاب العين 3: 201 (حنذ) .

10) الخصاص: الخلل والفرج . مجمع البحرين 4: 167 (خصص) .

11) جوامع الجامع: 438 ; الكشاف 3: 501 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

12) القمي 2: 290 .

13) القمي 2: 291 .

14) البيضاوي 5: 66 .

15-16) القمي 2: 291 .

17) القمي 2: 291 .

18) البيضاوي 5: 66 .

19) القمي 2: 291 .

20) القمي 2: 291 .

21) البيضاوي 5: 66 .

22) القمي 2: 291 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

23) المناقب 4: 54 ; مجمع البيان 9 - 10: 65 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

24) المناقب 4: 54 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

25) القمي 2: 292 .

26) التبابعة‏» اسم ملوك اليمن ، فتبع لقب له ، كما يقال: خاقان لملك الترك ، وقيصر لملك الروم . سمي تبعا لكثرة اتباعه من الناس ; وقيل: سمي تبعا لا نه تبع من قبله من ملوك اليمن . مجمع البيان‏9 - 10: 66 .

27) مجمع البيان 9 - 10: 66 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

28) في المصدر: رحم الله‏» .

29) الكافي 1: 423 ، الحديث: 56 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

30) الكافي 8 : 35 ، ذيل الحديث: 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

31) الصافات (37): 64 - 65 .

32) القمي 2: 292 .

33-34-35) القمي 2: 292 .

36) القمي 2: 82 ، ذيل تفسير الآية: 23 ، من سورة الحج ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام . وفيه: واربعة آلاف ثيب‏» .