سورة السجدة

[ مكية ، وهي اربع وخمسون آية] (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

«حم‏» .

«تنزيل من الرحمن الرحيم‏» .

«كتاب فصلت آياته‏»: بين حلالها وحرامها ، واحكامها وسننها ، «قرآنا عربيا لقوم يعلمون‏» .

«بشيرا ونذيرا فاعرض اكثرهم‏» عن تدبره وقبوله «فهم لا يسمعون‏» سماع تامل وطاعة .

«وقالوا قلوبنا في اكنة‏»: في اغطية «مما تدعونا اليه وفي آذاننا وقر»: صمم «ومن بيننا وبينك حجاب‏» يمنعنا عن التفهم منك ، والتواصل . تمثيلات لنبو (3) قلوبهم عن الموافقة «فاعمل‏» على دينك «اننا عاملون‏» على ديننا . «قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي ا نما الهكم اله واحد»: لست ملكا ولا جنيا لا يمكنكم التلقي منه ، ولا ادعوكم الى ما تنبو عنه العقول والاسماع ; وانما ادعوكم الى التوحيد والاستقامة في العمل «فاستقيموا» في افعالكم ، متوجهين «اليه واستغفروه‏» مما انتم عليه «وويل للمشركين‏» .

«الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون‏» . قال: «اترى ان الله عزوجل طلب من المشركين زكاة اموالهم وهم يشركون به ، حيث‏يقول: "وويل للمشركين" الآية؟ قيل: ففسره لي . فقال: ويل للمشركين الذين اشركوا بالامام الاول ، وهم بالائمة الآخرين كافرون . انما دعا الله العباد الى الايمان به ، فاذا آمنوا بالله وبرسوله افترض عليهم الفرائض‏» (4) . «ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم اجر غير ممنون‏»: غير مقطوع ; اولا يمن به عليهم .

«قل ا انكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين‏» القمي: اي وقتين: ابتداء الخلق وانقضائه (5) .اقول: وفي هذا سر لايدركه الا من له صفاء ذهن ونقاء سريرة .

«وتجعلون له اندادا ذ لك رب العالمين‏» .

«وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها»: واكثر خيرها . القمي: اي: لا تزول وتبقى (6) . «وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام سواء» . القمي: يعني في اربعة اوقات ، وهي التي يخرج الله عزوجل فيها اقوات العالم ، من الناس والبهائم والطير وحشرات الارض ، وما في البر والبحر من الخلق ، من الثمار والنبات والشجر ، وما يكون فيه معاش الحيوان كله ; وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء ، ففي الشتاء يرسل الله الرياح والامطار والانداء (7) والطلول من السماء ، فتلقح الارض والشجر ، وهو وقت‏بارد ، ثم يجي‏ء بعده الربيع ، وهو وقت معتدل ، حار وبارد ، فيخرج من الشجر ثماره ، ومن الارض نباتها ، فيكون اخضر ضعيفا ، ثم يجي‏ء وقت الصيف ، وهو حار ، فينضج الثمار ويصلب الحبوب التي هي اقوات العالم وجميع الحيوان . ثم يجي‏ء من بعده وقت الخريف ، فيطيبه ويبرده . ولو كان الوقت كله شيئا واحدا لم يخرج النبات من الارض . لا نه لو كان الوقت كله ربيعا ، لم ينضج الثمار ولم يبلغ الحبوب . ولو كان الوقت كله صيفا ، لاحترق كل شي‏ء في الارض ، ولم يكن للحيوان معاش ولا قوت . ولو كان الوقت كله خريفا ولم يتقدمه شي‏ء من هذه الاوقات ، لم يكن شي‏ء يتقوت به العالم . فجعل الله هذه الاقوات في اربعة اوقات: في الشتاء والربيع والصيف والخريف ، وقام به العالم واستوى وبقي ، وسمى الله هذه الاوقات اياما (8) . «للسائلين‏» القمي: يعني المحتاجين ; لان كل محتاج سائل ، وفي العالم من خلق الله من لا يسال ولا يقدر عليه من الحيوان كثير ، فهم سائلون وان لم يسالوا (9) . «ثم استوى الى السماء»: قصد نحو خلقها وتدبيرها ، و«ثم‏» لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة ; اذ لا مدة قبل خلق السماء . «وهي دخان‏»: امر ظلماني «فقال لها وللارض ائتيا طوعا او كرها»: شئتما ذلك او ابيتما «قالتا اتينا طائعين‏»: منقادين بالذات . تمثيل لتاثير قدرته فيهما وتاثرهما بالذات عنها بامر المطاع ، واجابة المطيع الطائع ، كقوله: "كن فيكون" (10) ; او هو نوع من الكلام باطنا من دون حرف ولا صوت . سئل: عمن كلم الله لا من الجن ولا من الانس؟ ، فقال: «السماوات والارض في قوله: "ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين"» (11) . «فقضاهن سبع سموات‏»: فخلقهن خلقا ابداعيا «في يومين‏» القمي: في وقتين: ابداءا وانقضاء (12) . «واوحى في كل سماء امرها»: شانها وما يتاتى منها ، بان حملها عليه اختيارا او طبعا . القمي: هذا وحي تقدير وتدبير (13) . «وزينا السماء الدنيا بمصابيح‏»: بالنجوم «وحفظا» من الشيطان المسترق وسائر الآفات .

ورد: «النجوم امان لاهل السماء ، فاذا ذهبت النجوم ذهب اهل السماء . واهل بيتي امان لاهل الارض ، فاذا ذهب اهل بيتي ذهب اهل الارض‏» (14) . «ذ لك تقدير العزيز العليم‏»: البالغ في القدرة والعلم .

«فان اعرضوا» عن الايمان بعد هذا البيان . القمي: وهم قريش ، وهو معطوف على قوله: "فاعرض اكثرهم فهم لا يسمعون" (15) «فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» .

«اذ جاءتهم الرسل من بين ايديهم‏»: من تقدمهم «ومن خلفهم‏»: من ارسل اليهم (16) ; او من جميع جوانبهم ، واجتهدوا بهم من كل جهة ; او بالانذار بما جرى على الكفار في الدنيا ، وبالتحذير عما اعد لهم في الآخرة . «الا تعبدوا الا الله قالوا لو شاء ربنا» ارسال الرسل «لانزل ملائكة فانا بما ارسلتم به كافرون‏» .

«فاما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق وقالوا من اشد منا قوة‏»: اغتروا بقوتهم . قيل: كان من قوتهم ان الرجل منهم ينزع الصخرة فيقلعها بيده (17) . «او لم يروا ان الله الذي خلقهم هو اشد منهم قوة‏»: قدرة «وكانوا بآياتنا يجحدون‏»: يعرفون انها حق وينكرونها .

«فارسلنا عليهم ريحا صرصرا» . قال: «الصرصر: البارد» (18) . «في ايام نحسات‏» قال: «مياشيم‏» (19) . «لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة اخزى وهم لا ينصرون‏» .

«واما ثمود فهديناهم‏» قال: «عرفناهم‏» (20) وجوب الطاعات وتحريم المعاصي . «فاستحبوا العمى على الهدى‏» قال: «وهم يعرفون‏» (21) . . «فاخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون‏»«ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون‏» .

«ويوم يحشر اعداء الله الى النار فهم يوزعون‏» قال: «يحبس اولهم على آخرهم‏» (22) . «حتى اذا ما جاءوها»: اذا حضروها . و«ما» مزيدة لتاكيد اتصال الشهادة بالحضور . «شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون‏» بانطاق الله اياها .

«وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شي‏ء وهو خلقكم اول مرة و اليه ترجعون‏» .

القمي: نزلت في قوم تعرض عليهم اعمالهم فينكرونها ، فيقولون: ما عملنا شيئا منها . فتشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم اعمالهم . قال الصادق‏عليه السلام: «فيقولون لله: يا رب هؤلاء ملائكتك يشهدون لك . ثم يحلفون بالله ما فعلوا من ذلك شيئا . وهو قول الله عزوجل: "يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم" (23) .وهم الذين غصبوا امير المؤمنين‏عليه السلام . فعند ذلك يختم الله على السنتهم وينطق جوارحهم ، فيشهد السمع بما سمع ما حرم الله ، ويشهد البصر بما نظر به الى ما حرم الله ، وتشهد اليدان بما اخذتا ، وتشهد الرجلان بما سعتا في ما حرم الله ، ويشهد الفرج بما ارتكب مما حرم الله . ثم انطق الله السنتهم ، فيقولون هم لجلودهم: "لم شهدتم علينا"؟» (24) . «وما كنتم تستترون‏» قال: «اي: من الله‏» (25) . «ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم‏» . قال: «يعني بالجلود الفروج والافخاذ» (26) . «ولكن ظننتم ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون‏» فلذلك اجتراتم على ما فعلتم .

«وذ لكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين‏» اذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببا لشقاء النشاتين .

ورد: «ليس من عبد يظن بالله عزوجل خيرا الا كان عند ظنه به ; وذلك قوله عزوجل: "وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين"» (27) . «فان يصبروا فالنار مثوى لهم‏» لا خلاص لهم عنها «و ان يستعتبوا»: يسالوا العتبى ; وهي الرجوع الى ما يحبون «فما هم من المعتبين‏» اي: لايجابوا الى ذلك .

«وقيضنا»: وقدرنا «لهم قرناء» من شياطين الجن والانس «فزينوا لهم ما بين ايديهم‏» من امر الدنيا واتباع الشهوات «وما خلفهم‏» من امر الآخرة وانكاره «وحق عليهم القول‏» اي: كلمة العذاب «في امم‏»: في جملة امم «قد خلت من قبلهم من الجن والانس‏» وقد عملوا مثل اعمالهم «انهم كانوا خاسرين‏» .

«وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه‏»: وعارضوه بالخرافات . القمي: وصيروه سخرية ولغوا (28) . «لعلكم تغلبون‏»: تغلبونه على قراءته . «فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم اسوا الذي كانوا يعملون‏»: سيئات اعمالهم .

«ذ لك جزاء اعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون‏» .

«وقال الذين كفروا ربنا ارنا الذين اضلانا من الجن والانس‏»: شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان .

قال: «يعنون ابليس الابالسة وقابيل بن آدم ، اول من ابدع المعصية‏» (29) .وفي رواية قال: «هما ، ثم قال: وكان فلان شيطانا» (30) .اقول: لعل ذلك «لان ولد الزنا يخلق من مائي الزاني والشيطان معا» . كما ورد (31) .وفي اخرى:«من الجن:ابليس الذي رد عليه قتل رسول الله‏صلى الله عليه وآله في دارالندوة، واضل الناس بالمعاصي، وجاء بعد وفاة رسول الله‏صلى الله عليه وآله الى ابي بكر فبايعه،ومن الانس: فلان‏» (32) . «نجعلهما تحت اقدامنا»: ندسهما انتقاما منهما «ليكونا من الاسفلين‏» ذلا ومكانا .

«ان الذين قالوا ربنا الله‏» اعترافا بربوبيته ، واقرارا بوحدانيته «ثم استقاموا» على مقتضاه . قال: «على الائمة واحدا بعد واحد» (33) .وفي رواية: «هي والله ما انتم عليه‏» (34) .وفي نهج البلاغة: «واني متكلم بعدة الله وحجته ، قال الله تعالى: "ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا" الآية ، وقد قلتم: "ربنا الله" ، فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج امره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ، ثم لا تمرقوا منها ، ولا تبتدعوا فيها ، ولا تخالفوا عنها ، فان اهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة‏» (35) . «تتنزل عليهم الملائكة‏» قال: «عند الموت‏» (36) . «الا تخافوا» ما تقدمون عليه «ولا تحزنوا» على ما خلفتم «وابشروابالجنة التي كنتم توعدون‏» .

قال: «فما امامكم من الاهوال فقد كفيتموها ، وما تخلفونه من الذراري والعيال ، فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم ; وذلك حين اراهم ملك الموت درجات الجنان وقصورها ، والنبي والوصي والطيبين من آلهما في اعلى عليين ، عند الموت‏» . كذا ورد (37) . «نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا» قال: «اي: نحرسكم في الدنيا» (38) . «وفي الآخرة‏» قال: «عند الموت‏» (39) . «ولكم فيها ما تشتهي انفسكم ولكم فيها ما تدعون‏»: ما تتمنون ; من الدعاء ، بمعنى الطلب .

«نزلا من غفور رحيم‏» . قيل له: بلغنا ان الملائكة تتنزل عليكم ، قال: «اي والله لتنزل علينا ، فتطا فرشنا ; اما تقرا كتاب الله تعالى: " ان الذين قالوا ربنا الله" الآية‏» (40) . «ومن احسن قولا ممن دعا الى الله‏»: الى عبادته «وعمل صالحا وقال انني من المسلمين‏» . ورد: «انها في علي‏عليه السلام‏» (41) . «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة‏» في الجزاء وحسن العاقبة. و«لا» الثانية مزيدة لتاكيد النفي . «ادفع بالتي هي احسن‏»: ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي احسن منها ، وهي الحسنة ; على ان المراد بالاحسن: الزائد مطلقا ، او باحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات . القمي: ادفع سيئة من اساء اليك بحسنتك (42) .و ورد: «الحسنة: التقية ، والسيئة: الاذاعة‏» (43) . «فاذا الذي بينك وبينه عداوة كا نه ولي حميم‏» اي: اذا فعلت ذلك ، صار عدوك المشاق ، مثل الولي الشفيق .

«وما يلقاها»: وما يلقى هذه السجية ، وهي مقابلة الاساءة بالاحسان «الا الذين صبروا» فانها تحبس النفس عن الانتقام . قال: «الا الذين صبروا في الدنيا على الاذى‏» (44) . «وما يلقاها الا ذو حظ عظيم‏» يعني من الخير وكمال النفس .

«و اما ينزغنك من الشيطان نزغ‏»: نخس (45) ; شبه به وسوسته «فاستعذ بالله‏» من شره ولا تطعه «انه هو السميع‏» لاستعاذتك «العليم‏» بنيتك .

القمي: المخاطبة لرسول الله‏صلى الله عليه وآله ، والمعني للناس (46) . «ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر» لا نهما مخلوقان ماموران مثلكم «واسجدوا لله الذي خلقهن ان كنتم اياه تعبدون‏» .

«فان استكبروا» عن الامتثال «فالذين عند ربك‏» من الملائكة «يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسامون‏»: لا يملون .

«ومن آياته ا نك ترى الارض خاشعة‏»: يابسة متطامنة ; مستعار من الخشوع بمعنى التذلل . «فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت‏»: انتفخت‏بالنبات «ان الذي احياها لمحي الموتى انه على كل شي‏ء قدير» .

«ان الذين يلحدون‏»: يميلون عن الاستقامة «في آياتنا» بالطعن والتحريف والتاويل بالباطل والالغاء فيها «لا يخفون علينا» فنجازيهم على الحادهم . «افمن يلقى في النار خير ام من ياتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم‏» تهديد شديد . «انه بما تعملون بصير» . «ان الذين كفروا بالذكر» قال: «يعني القرآن‏» (47) . «لما جاءهم‏» . خبر «ان‏» محذوف دل عليه ما بعده . «و انه لكتاب عزيز» .

«لا ياتيه الباطل من بين يديه‏» قال: «من قبل التوارة ، ولا من قبل الانجيل والزبور» (48) . «ولا من خلفه‏» قال: «اي: لا ياتيه من بعده كتاب يبطله‏» (49) .وفي رواية: «ليس في اخباره عما مضى باطل ، ولا في اخباره عما يكون في المستقبل باطل ; بل اخباره كلها موافقة لمخبراتها» (50) . «تنزيل من حكيم‏» واي حكيم «حميد»: يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه .

«ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم‏» .

«ولو جعلناه قرآنا اعجميا لقالوا لولا فصلت آياته‏»: بينت‏بلسان نفقهه «ا اعجمي وعربي‏»: اكلام اعجمي ومخاطب عربي؟! والاعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه ، ويقال لكلامه . «قل هو للذين آمنوا هدى‏» الى الحق «وشفاء» من الشك والشبهة «والذين لا يؤمنون في‏آذانهم وقر وهو عليهم عمى‏» لتصاممهم (51) عن سماعه ، وتعاميهم عما يريهم من الآيات «اولئك ينادون من مكان بعيد» . تمثيل لعدم قبولهم واستماعهم له ، بمن يصاح به من مسافة بعيدة .

«ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه‏» قال: «اختلفوا كما اختلفت هذه الامة في الكتاب ، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم ، الذي ياتيهم به ، حتى ينكره ناس كثير ، فيقدمهم فيضرب اعناقهم‏» (52) . «ولولا كلمة سبقت من ربك‏» بالامهال «لقضي بينهم‏» باستيصال المكذبين «و انهم لفي شك منه‏»: من القرآن «مريب‏»: موجب للاضطراب .

«من عمل صالحا فلنفسه‏» نفعه «ومن اساء فعليها» ضره . «وما ربك بظلام للعبيد» فيفعل بهم ما ليس له .

«اليه يرد علم الساعة‏» اذا سئل عنها ; اذ لايعلمها الا هو «وما تخرج من ثمرات من اكمامها»: من اوعيتها ; جمع «كم‏» بالكسر . «وما تحمل من انثى ولا تضع الا بعلمه ويوم يناديهم اين شركائي‏» بزعمكم . القمي: يعني ما كانوا يعبدون من دون الله (53) . «قالوا آذناك‏»: اعلمناك «ما منا من شهيد»: من احد منا يشهد لهم بالشركة ، اذ تبرانا عنهم لما عاينا الحال ; او ما من احد منا يشاهدهم ، لانهم ضلوا عنا .

«وضل عنهم ما كانوا يدعون‏»: يعبدون «من قبل وظنوا»: وايقنوا «مالهم من محيص‏»: مهرب .

«لا يسام الانسان من دعاء الخير» القمي: اي: لا يمل ولا يعيا من ان يدعو لنفسه بالخير (54) . «و ان مسه الشر فيؤوس قنوط‏»: يائس من روح الله وفرجه . «ولئن اذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي‏»: حقي استحقه «وما اظن الساعة قائمة‏»: تقوم «ولئن رجعت الى ربي ان لي عنده للحسنى‏»: ولئن قامت على التوهم ، كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة ، وذلك لاعتقاده ان ما اصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه . «فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ‏» .

«و اذا انعمنا على الانسان اعرض‏» عن الشكر «ونئا بجانبه‏»: وانحرف عنه وذهب بنفسه ، وتباعد عنه بكليته تكبرا ; والجانب مجاز عن النفس . «و اذا مسه الشر» كالفقر والمرض والشدة «فذو دعاء عريض‏»: كثير .

«قل ارايتم‏»: اخبروني «ان كان من عند الله‏» اي: القرآن «ثم كفرتم به‏» من غير نظر واتباع دليل «من اضل ممن هو في شقاق بعيد»: من اضل منكم ; فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم ، وتعليلا لمزيد ضلالهم .

«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم‏» . قال: «نريهم (55) في انفسهم المسخ ، ونريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم ، فيرون قدرة .وفي رواية: «خسف ومسخ وقذف‏» (57) .وفي اخرى: «الفتن في آفاق الارض (58) ،والمسخ في اعداء الحق‏» (59) . «حتى يتبين لهم ا نه الحق‏» قال: «خروج القائم هو الحق عند الله ، يراه الخلق لابد منه‏» (60) .اقول: كانه‏عليه السلام اراد ان ذلك انما يكون في الرجعة ، وعند ظهور القائم يرون من العجائب والغرائب في الآفاق وفي الانفس ما يتبين لهم به: ان الامامة والولاية وظهور الامام حق ، فيكون مخصوصا بالجاحدين ومن رام التعميم . قال (61) : سنريهم دلائلنا على ما تدعوهم اليه من التوحيد ، وما يتبعه في آفاق العالم ، من اقطار السماء والارض ، وفي انفسهم وما فيهما من لطائف الصنعة وبدائع الحكمة ، حتى يظهر لهم ان ذلك هو الحق ; وهذا للمتوسطين من اهل النظر ، الذين يستشهدون بالصنائع على الصانع ، الذين لا يرضون بالتقليد المحض .

«او لم يكف بربك ا نه على كل شي‏ء شهيد»:اولم يكفك شهادة ربك على كل شي‏ء دليلاعليه،وهذا للخواص‏الذين يستشهدون‏بالله على الله;ولهذا خصه به في الخطاب.

ورد: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، فما فقد من العبودية وجد في الربوبية ، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية ; قال الله تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق او لم يكف بربك انه على كل شي‏ء شهيد" اي: موجود في غيبتك وحضرتك‏» (62) . «الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شي‏ء محيط‏» لا يفوته شي‏ء .

الهوامش:

1) في «ب‏»: «سورة فصلت‏» .

2) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

3) نبا الشي‏ء: تجافى وتباعد. الصحاح 6: 2500 (نبا).

4) القمي 2: 262 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

5-6) المصدر .

7) جمع الندى: المطر والبلل وما يسقط آخر الليل . مجمع البحرين 1: 412 (ندا) .

8) القمي 2: 262 .

9) المصدر: 263 .

10) البقرة (2): 117 ; آل عمران (3): 47 و 59 ; الانعام (6): 73 ; النحل (16): 40 ; مريم (19): 35 ; يس (36): 82 ; المؤمن (40): 68 .

11) القمي 2: 263 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

12-13) القمي 2: 263 .

14) كمال الدين 1: 205 ، الباب: 21 ، الحديث: 19 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

15) القمي 2: 263 .

16) اي: الرسل الذين جاؤوا آباءهم والرسل الذين جاؤوهم في انفسهم ، لانهم كانوا خلف من جاء آباءهم من الرسل ، فيكون الهاء والميم في «من خلفهم‏» للرسل . مجمع البيان 9 - 10: 7 .

17) البيضاوي 5: 46 .

18-19) القمي 2: 263 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

20-21) التوحيد: 411 ، الباب: 64 ، الحديث: 4 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

22) القمي 2: 129 ، ذيل الآية: 17 من سورة النمل ، عن ابي جعفرعليه السلام .

23) المجادلة (58): 18 .

24) القمي 2: 264 .

25) المصدر ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

26) الكافي 2: 36 ، ذيل الحديث الطويل: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

27) القمي 2: 265 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

28) القمي 2: 265 .

29) مجمع البيان 9 - 10: 12 ، عن اميرالمؤمنين‏عليه السلام .

30) الكافي 8 : 334 ، الحديث: 523 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

31) العياشي 2: 299 ، الحديث: 104 ، عن ابي جعفرعليه السلام ; وص‏300 ، الحديث: 108 ، عن احدهماعليهما السلام .

32) القمي 2: 265 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

33) الكافي 1: 220 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

34) مجمع البيان 9 - 10: 12 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

35) نهج البلاغة: 253 ، الخطبة: 176 .

36) القمي 2: 265 ; تاويل الآيات الظاهرة: 524 ، عن ابي جعفرعليه السلام ; مجمع البيان 9 - 10: 12 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

37) تفسير الامام‏عليه السلام: 239 ، الحديث: 117 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

38-39) مجمع البيان 9 - 10: 13 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

40) بصائر الدرجات: 91 ، الباب: 17 ، الحديث: 3 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

41) العياشي 1: 279 ، الحديث: 286 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، بالمضمون .

42) القمي 2: 266 .

43) الكافي 2: 217 - 218 ، الحديث: 1 و 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

44) مجمع البيان 9 - 10: 13 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

45) نخست الدابة نخسا: طعنته بعود او غيره فهاج . المصباح المنير 2: 300 (نخس) .

46) القمي 2: 266 .

47-48-49) القمي 2: 266 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

50) مجمع البيان 9 - 10: 15 ، عنهماعليهما السلام .

51) في «ب‏»: «لتصامهم‏» .

52) الكافي 8 : 287 ، الحديث: 432 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

53) القمي 2: 266 .

54) القمي 2: 267 .

55) في المصدر: «يريهم‏» في الموضعين .

56) الكافي 8 : 381 ، الحديث: 575 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

57) المصدر: 166 ، الحديث: 181 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

58) في المصدر: «في الآفاق‏» .

59) الارشاد (للمفيد): 359 ، عن الكاظم‏عليه السلام .

60) الكافي 8 : 381 ، ذيل الحديث: 575 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

61) لم نعثر عليه ، ولعل «قال‏» تصحيف «قيل‏» ، ويؤيده ما في الصافي 4: 361 حيث اشار الى هذه الالفاظ ب «قيل‏» . والقائل: عطاء وابن زيد كما في مجمع البيان 9 - 10: 19 .

62) مصباح الشريعة: 7 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .