سورة المؤمن (1)

[مكية ، الا آيتي 56 و 57 فمدنيتان ، وآياتها خمس وثمانون آية] (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

«حم‏» سبق تاويل امثاله (3) «تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم‏» .

«غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول‏»: ذي الفضل بترك العقاب المستحق «لا اله الا هو» فيجب الاقبال الكلي على عبادته «اليه المصير» فيجازي المطيع والعاصي .

«ما يجادل في آيات الله‏» بالطعن فيها وادحاض (4) الحق «الا الذين كفروا» . قال: «لعن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيا ، ومن جادل في آيات الله فقد كفر ، ثم تلا هذه الآية‏» (5) . «فلا يغررك تقلبهم في البلاد» بالتجارات المربحة ، فانهم ماخوذون عن قريب بكفرهم اخذ من قبلهم .

«كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم‏»: والذين تحزبوا على الرسل ، وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود . «وهمت كل امة‏» من هؤلاء «برسولهم لياخذوه‏»: ليتمكنوا من اصابته بما ارادوا من تعذيب . «وجادلوا بالباطل‏»: بما لا حقيقة له «ليدحضوا به الحق‏»: ليزيلوه به «فاخذتهم‏» بالاهلاك جزاء لهمهم «فكيف كان عقاب‏»فانكم تتلون قصصهم في القرآن .

«وكذ لك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ا نهم اصحاب النار» قال: «يعني بني امية‏» (6) . «الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا» قال: «آمنوا بولايتنا» (7) .و ورد: «ان لله ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا ، كما يسقط الريح الورق في اوان سقوطه ، وذلك قوله تعالى: "الذين يحملون العرش" الآية . قال: استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق‏» (8) . «ربنا»: يقولون ربنا «وسعت كل شي‏ء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم‏» .

«ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم‏» ليتم سرورهم «انك انت العزيز»: الذي لا يمتنع عليه مقدور «الحكيم‏»: الذي لا يفعل الا ما تقتضيه حكمته ، ومن ذلك الوفاء بالوعد . «وقهم السيئات‏»: العقوبات «ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذ لك هو الفوز العظيم‏» .

«ان الذين كفروا ينادون لمقت الله‏» اياكم «اكبر من مقتكم انفسكم‏» الامارة بالسوء «اذ تدعون الى الايمان فتكفرون‏» .

«قالوا ربنا امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين‏» . قال: «ذلك في الرجعة‏» (9) .اقول: لعل المراد ان التثنية انما تتحقق بالرجعة ، او يقولون ذلك في الرجعة ، بحسب الاماتة والاحياء اللتين في القبر للسؤال .

«فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل‏»: فهل الى نوع خروج من العذاب طريق فنسلكه؟ .

«ذ لكم با نه اذا دعي الله وحده‏» قال: «يقول: اذا ذكر الله وحده بولاية من امر الله بولايته‏» (10) . «كفرتم و ان يشرك به‏» قال: «من ليست له ولاية‏» (11) . «تؤمنوا» قال: «بان له ولاية‏» (12) . «فالحكم لله العلي الكبير» . «هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر الا من ينيب‏»: يرجع من الانكار بالاقبال عليها والتفكر فيها .

«فادعوا الله مخلصين له الدين‏» من الشرك «ولو كره الكافرون‏» اخلاصكم وشق عليهم .

«رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من امره على من يشاء من عباده‏» القمي: روح القدس ، وهو خاص برسول الله والائمة‏عليهم . «لينذر يوم التلاق‏» قال: «يوم يلتقي اهل السماء واهل الارض‏» (14) . «يوم هم بارزون‏»: خارجون من قبورهم لا يسترهم شي‏ء «لا يخفى على الله منهم شي‏ء» من اعيانهم واعمالهم واحوالهم . «لمن الملك اليوم لله الواحد القهار» . حكاية لما يسال عنه ولما يجاب به ، بما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الاسباب وارتفاع الوسائط ، واما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما .

«اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ان الله سريع الحساب‏» .

قال: «يقول الله: "لمن الملك اليوم" ثم تنطق ارواح انبيائه ورسله وحججه فيقولون: "لله الواحد القهار" فيقول الله جل جلاله: "اليوم تجزى"» (15) .وفي رواية اخرى: «فيرد الله على نفسه ، "لله الواحد القهار"» (16) . «وانذرهم يوم الآزفة‏» اي: القيامة ; سميت‏بها لازوفها ، اي: قربها . «اذ القلوب لدى الحناجر» فانها ترتفع عن اماكنها فتلتصق بحلوقهم ، فلا تعود فتتروحوا ، ولا تخرج فتستريحوا . «كاظمين‏» على الغم «ما للظالمين من حميم‏»: قريب مشفق «ولا شفيع يطاع‏»: يشفع .

ورد: «من لم يندم على ذنب يرتكبه ، فليس بمؤمن ، ولم تجب له الشفاعة ، وكان ظالما ، والله تعالى يقول: "ما للظالمين من حميم" الآية‏» (17) . «يعلم خائنة الاعين‏»: استراق النظر . سئل عن معناها ، فقال: «الم تر الى الرجل ينظر الى الشي‏ء وكانه لا ينظر اليه ، فذلك خائنة الاعين‏» (18) . «وما تخفي الصدور» من الضمائر .

«والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشي‏ء ان الله هو السميع البصير» . تقرير لعلمه بخائنة الاعين وقضائه بالحق ، ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون ، وتعريض بحال ما يدعون من دونه .

«او لم يسيروا في الارض‏»: ارض القرآن «فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم اشد منهم قوة وآثارا في الارض‏» مثل القلاع والمدائن الحصينة «فاخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق‏» .

«ذ لك‏» الاخذ «با نهم كانت تاتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فاخذهم الله انه قوي شديد العقاب‏» .

«ولقد ارسلنا موسى بآياتنا»: بالمعجزات «وسلطان مبين‏»: وحجة قاهرة ظاهرة .

«الى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب‏» .

«فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ابناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم‏» اي: اعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم اولا ، كي يصدوا عن مظاهرة موسى .«وما كيد الكافرين الا في ضلال‏»: في ضياع .

«وقال فرعون ذروني اقتل موسى وليدع ربه‏» قاله تجلدا وعدم مبالاة بدعائه .

قيل: كانوا يكفونه عن قتله ويقولون: انه ليس الذي تخافه بل هو ساحر ، ولو قتلته ظن انك عجزت عن معارضته بالحجة . وتعلله بذلك - مع كونه سفاكا في اهون شي‏ء - دليل على انه تيقن انه نبي ; فخاف من قتله ; او ظن انه لو حاوله لم يتيسر له (19) .سئل: ما كان يمنعه؟ قال: «منعته رشدته ، ولا يقتل الانبياء ولا اولاد الانبياء الا اولاد الزنا (20) . «اني اخاف‏» ان لم اقتله «ان يبدل دينكم او ان يظهر في الارض الفساد» ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج .

«وقال موسى‏» اي: لقومه لما سمع كلامه «اني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب‏» .

«وقال رجل مؤمن من آل فرعون‏»: من اقربائه ، واسمه «حزقيل‏» . كما ورد (21) .قال: «ابن خاله‏» (22) .وفي رواية: «ابن عمه‏» (23) .ولاتنافي بينهما . «يكتم ايمانه‏» القمي: كتم ايمانه ستمائة سنة (24) . «اتقتلون رجلا ان يقول‏»: لان يقول . «ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏» اضافه اليهم بعد ذكر البينات ، احتجاجا عليهم واستدراجا لهم الى الاعتراف به ، ثم اخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط . «و ان يك كاذبا فعليه كذبه‏»: لا يتخطاه وبال كذبه ، فيحتاج في دفعه الى قتله . «و ان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم‏»: فلا اقل من ان يصيبكم بعضه . وفيه مبالغة في التحذير ، واظهار للانصاف وعدم التعصب ، ولذلك قدم كونه كاذبا .

«ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب‏» . قيل: احتجاج ثالث ذو وجهين: احدهما: انه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله الى البينات ، ولما عضده بتلك المعجزات . وثانيهما: ان من خذله الله واهلكه فلا حاجة لكم الى قتله . ولعله اراد به المعنى الاول ، وخيل اليهم الثاني لتلين شكيمتهم ، وعرض به فرعون بانه مسرف كذاب (25) . «يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين‏»: غالبين عالين «في الارض‏»: ارض مصر «فمن ينصرنا من باس الله ان جاءنا» اي: فلا تفسدوا امركم ولا تتعرضوا لباس الله بقتله ، فانه ان جاءنا لم يمنعنا منه احد ; وانما ادرج نفسه فيه ليريهم انه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم . «قال فرعون ما اريكم‏»: ما اشير اليكم «الا ما ارى‏» واستصوبه من قتله «وما اهديكم الا سبيل الرشاد» .

«وقال الذي آمن يا قوم اني اخاف عليكم‏» في تكذيبه والتعرض له «مثل يوم الاحزاب‏»: مثل ايام الامم الماضية المتحزبة على الرسل ، يعني وقائعهم . وجمع «الاحزاب‏» مع التفسير اغنى عن جمع «اليوم‏» .

«مثل داب قوم نوح وعاد وثمود»: مثل سنة الله فيهم حين استاصله ; جزاء بما كانوا عليه من الكفر وايذاء الرسل . «والذين من بعدهم‏» كقوم لوط «وما الله يريد ظلما للعباد» يعاقبهم بغير ذنب ، ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام .

«ويا قوم اني اخاف عليكم يوم التناد» قال: «يوم ينادي اهل النار اهل الجنة: افيضوا علينا من الماء ، او مما رزقكم الله‏» (26) . «يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم‏» يعصمكم من عذابه «ومن يضلل الله فما له من هاد» .

«ولقد جاءكم يوسف من قبل‏»: من قبل موسى «بالبينات‏»: بالمعجزات «فما زلتم في شك مما جاءكم به‏» من الدين . «حتى اذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذ لك يضل الله من هو مسرف مرتاب‏»«الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان‏»: بغير حجة «اتاهم‏» بل اما بتقليد او شبهة داحضة (27) «كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذ لك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار» .

«وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا»: بناء مكشوفا عاليا ; من صرح الشي‏ء: اذا ظهر . «لعلي ابلغ الاسباب‏»: الطرق .

«اسباب السموات فاطلع الى اله موسى و اني لاظنه كاذبا» في دعوى الرسالة . «وكذ لك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون الا في تباب‏»: في خسار .

«وقال الذي آمن يا قوم اتبعون اهدكم سبيل الرشاد» .

«يا قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع‏»: تمتع يسير لسرعة زوالها «و ان الآخرة هي دار القرار» لخلودها .

«من عمل سيئة فلا يجزى الا مثلها» عدلا من الله «ومن عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب‏»: بغير تقدير وموازنة بالعمل ، بل اضعافا مضاعفة ; فضلا من الله ورحمة .

«ويا قوم ما لي ادعوكم الى النجاة وتدعونني الى النار» .

«تدعونني لاكفر بالله واشرك به ما ليس لي به‏»: بربوبيته «علم‏» والمراد نفي المعلوم ، والاشعار بان الالوهية ، لابد لها من برهان ; واعتقادها لا يصح الا عن ايقان . «وانا ادعوكم الى العزيز الغفار» المستجمع لصفات الالوهية من كمال القدرة والغلبة والتمكن من المجازاة ، والقدرة على التعذيب ، والغفران .

«لا جرم‏» «لا» رد لما دعوه اليه ، و«جرم‏» بمعنى حق . «ا نما تدعونني اليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة‏» . قيل: اي: حق عدم دعوة آلهتكم الى عبادتها ، او عدم دعوة مستجابة لها (28) . «وان مردنا الى الله‏» بالموت «وان المسرفين‏» في الضلال والطغيان . «هم اصحاب النار» .

«فستذكرون‏» عند معاينة العذاب «ما اقول لكم‏» من النصيحة «وافوض امري الى الله‏» ليعصمني من كل سوء «ان الله بصير بالعباد» .

«فوقاه الله سيئات ما مكروا»: شدائد مكرهم «وحاق بآل فرعون سوء العذاب‏» .

.ورد: ما ملخصه: «انه لما وشوا (30) به الى فرعون: انه خالفك ، وجي‏ء به اليه ، ورى فوقي من القتل ، فجعل في ساق كل واحد من الواشين وتد وفي صدره وتد ، وامر اصحاب امشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من ابدانهم ، فذلك ما قال الله: "فوقاه الله" الى قوله: "سوء العذاب"» (31) .وفي رواية: «والله لقد قطعوه اربا اربا ، ولكن وقاه الله ان يفتنوه في دينه‏» (32) . «النار يعرضون عليها غدوا وعشيا» . قال: «ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة ، لان في نار القيامة لا يكون غدو وعشي ، ثم قال: ان كانوا انما يعذبون في النار غدوا وعشيا ، ففيما بين ذلك هم من السعداء ; ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة ، الم تسمع الى قوله تعالى: "ويوم تقوم الساعة ادخلوا" الآية‏» (33) .و ورد: «ان ارواح الكفار في نار جهنم يعرضون عليها ، يقولون: ربنا لا تقم لنا الساعة ، ولا تنجز لنا ما وعدتنا ، ولا تلحق آخرنا باولنا» (34) . «ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب‏» .

«و اذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا نصيبا من النار» بالدفع او الحمل .

قال: «الاستكبار هو ترك الطاعة لمن امروا بطاعته ، والترفع على من ندبوا الى متابعته‏» (35) . «قال الذين استكبروا انا كل فيها» فكيف نغني عنكم ، «ان الله قد حكم بين العباد» ولا معقب لحكمه .

«وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب‏» .

«قالوا او لم تك تاتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا» فانا لا نجترئ فيه ; اذ لم يؤذن لنا في الدعاء لامثالكم ، وفيه اقناط لهم عن الاجابة . «وما دعاء الكافرين الا في ضلال‏»: في ضياع لا يجاب .

«انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد» . قال: «ذلك والله في الرجعة ، اما علمت ان انبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا ، وائمة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا ، وذلك في الرجعة‏» (36) . «يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم‏» لبطلانها «ولهم اللعنة ولهم سوء الدار» .

«ولقد آتينا موسى الهدى‏»: ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع «واورثنا بني اسرائيل الكتاب‏»: التوراة .

«هدى وذكرى لاولي الالباب‏» .

«فاصبر» على اذى المشركين «ان وعد الله حق‏» بالنصر «واستغفر لذنبك‏»: لترك الاولى والاهتمام بامر العدا «وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار» .

«ان الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان اتاهم ان في صدورهم الا كبر»: عظمة وتكبر عن الحق «ما هم ببالغيه‏» اي: ما هم ببالغي تلك العظمة ، لان الله مذلهم «فاستعذ بالله انه هو السميع البصير» .

«لخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس‏» فمن قدر على خلقها اولا من غير اصل ، قدر على خلق الناس ثانيا من اصل «ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏» لانهم لا ينظرون ولا يتاملون ; لفرط غفلتهم واتباعهم اهواءهم .

«وما يستوي الاعمى والبصير»: الجاهل والمستبصر «والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسي‏ء»: والمحسن والمسي‏ء ، فما بعد البعث‏يظهر التفاوت «قليلا ما تتذكرون‏» .

«ان الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن اكثر الناس لا يؤمنون‏» لقصور نظرهم على ظاهر المحسوس .

«وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين‏»: صاغرين . قال: «هو الدعاء ، وافضل العبادة الدعاء» (37) . «الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه‏»: لتستريحوا فيه ، بان خلقه باردا مظلما ، ليؤدي الى ضعف المحركات وهدوء الحواس . «والنهار مبصرا»: يبصر فيه او به ; واسناد الابصار اليه مجاز فيه مبالغة . «ان الله لذو فضل على الناس‏»: فضل لا يوازيه فضل . «ولكن اكثر الناس لا يشكرون‏» لجهلهم بالمنعم ، واغفالهم مواقع النعم .

«ذ لكم الله ربكم خالق كل شي‏ء لا اله الا هو فا نى تؤفكون‏»: تصرفون عن عبادته الى عبادة غيره .

«كذ لك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون‏» .

«الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فاحسن صوركم‏» بان خلقكم منتصب القامة ، بادي البشرة ، متناسب الاعضاء والتخطيطات ، متهيا لمزاولة الصنايع واكتساب الكمالات . «ورزقكم من الطيبات‏»: اللذائذ «ذ لكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين‏» فان كل ما سواه مربوب مفتقر معرض للزوال .

«هو الحي‏»: المتفرد بالحياة الذاتية «لا اله الا هو»: لا احد يساويه او يدانيه في ذاته وصفاته «فادعوه مخلصين له الدين‏» من الشرك والرياء «الحمد لله رب العالمين‏»: قائلين له .

ورد: «اذا قال احدكم: "لا اله الا الله" فليقل: "الحمد لله رب العالمين" فان الله تعالى يقول: " هو الحي" الآية‏» (38) . «قل اني نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وامرت ان اسلم لرب العالمين‏»: ان انقاد له ، واخلص له ديني .

«هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا»«ثم لتبلغوا»: ثم يبقيكم لتبلغوا «اشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل‏»: من قبل الشيخوخة او بلوغ الاشد .

«ولتبلغوا اجلا مسمى‏»: ويفعل ذلك لتبلغوا وقت الموت «ولعلكم تعقلون‏» ما في ذلك من الحجج والعبر .

«هو الذي يحيي ويميت فاذا قضى امرا فانما يقول له كن‏» بلا صوت ولا حرف «فيكون‏» .

«الم تر الى الذين يجادلون في آيات الله ا نى يصرفون‏» عن التصديق بها .

«الذين كذبوا بالكتاب وبما ارسلنا به رسلنا فسوف يعلمون‏» .

«اذ الاغلال في اعناقهم والسلاسل يسحبون‏» بها .

«في الحميم ثم في النار يسجرون‏»: يحرقون .

«ثم قيل لهم اين ما كنتم تشركون‏» .

«من دون الله قالوا ضلوا عنا»: فلم نجد ما كنا نتوقع منهم «بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا»: بل تبين لنا انا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم . «كذ لك يضل الله الكافرين‏» حتى لا يهتدوا الى شي‏ء ينفعهم في الآخرة .

ورد: «فاما النصاب من اهل القبلة فانهم يخد لهم خد الى النار التي خلقها الله في المشرق ، فيدخل عليهم منها اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم الى يوم القيامة ، ثم مصيرهم الى الحميم . "ثم في النار يسجرون ، ثم قيل لهم اين ما كنتم تشركون من دون الله"؟! اي: اين امامكم الذي اتخذتموه دون الامام الذي جعله الله للناس اماما؟» (39) .وقال: «وقد سماهم الله كافرين مشركين بان كذبوا بالكتاب وقد ارسل الله عزوجل رسله بالكتاب وبتاويله ، فمن كذب بالكتاب ، او كذب بما ارسل به رسله من تاويل الكتاب ، فهو مشرك كافر» (40) . «ذ لكم بما كنتم تفرحون في الارض‏»: تبطرون وتتكبرون «بغير الحق‏»: بالشرك والطغيان «و بما كنتم تمرحون‏»: تتوسعون في الفرح .

«ادخلوا ابواب جهنم‏» المقسومة لكم «خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين‏» عن الحق جهنم .

«فاصبر ان وعد الله حق‏» بهلاك الكفار وتعذيبهم . «فاما نرينك‏»: فان نرك ، و«ما» مزيدة لتاكيد الشرطية ، ولذلك لحقت النون الفعل . «بعض الذي نعدهم‏» وهو القتل والاسر «او نتوفينك‏» قبل ان تراه «فالينا يرجعون‏» فنجازيهم باعمالهم .

«ولقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك‏» . ورد «ان عددهم مائة الف واربعة وعشرون الفا» (41) . «وما كان لرسول ان ياتي بآية الا باذن الله‏»: ليس له ان يستبد باتيان المقترح (42) بها . «فاذا جاء امر الله‏» بالعذاب «قضي بالحق‏»: بانجاء المحق وتعذيب المبطل «وخسر هنالك المبطلون‏»: المعاندون ، باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها .

«الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تاكلون‏» فان منها ما يؤكل كالغنم ، ومنها ما يؤكل ويركب كالابل والبقر .

«ولكم فيها منافع‏» كالالبان والجلود والاوبار «ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم‏» بالمسافرة عليها «وعليها» في البر «وعلى الفلك‏» في البحر «تحملون‏» .

«ويريكم آياته‏» الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته «فاي آيات الله تنكرون‏» فانها لظهورها لاتقبل الانكار .

«افلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم واشد قوة وآثارا في الارض فما اغنى عنهم ما كانوا يكسبون‏» . «ما» الاولى يحتمل النافية والاستفهامية ، والثانية الموصولة والمصدرية (43) . «فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم‏» واستحقروا علم الرسل «وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون‏» .

«فلما راوا باسنا»: شدة عذابنا «قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين‏» يعنون الاصنام .

«فلم يك ينفعهم ايمانهم لما راوا باسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون‏» اي: في وقت رؤيتهم الباس ، استعير اسم المكان للزمان . سئل: لاي علة غرق الله تعالى فرعون وقد آمن به واقر بتوحيده؟ قال: «لا نه آمن عند رؤية الباس ، والايمان عند رؤية الباس غير مقبول ، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف . قال الله عزوجل: "فلما راوا باسنا" الآيتين‏» (44) .

الهوامش:

1) في «ب‏»: «سورة غافر» .

2) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

3) البقرة (2): 1 .

4) دحضت: بطلت . الصحاح 3: 1076 (دحض) .

5) كمال الدين 1: 256 ، الباب: 24 ، الحديث: 1 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

6) القمي 2: 255 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

7) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 262 ، الباب: 26 ، الحديث: 22 ، عن الرضا ، عن آبائه ، عن رسول الله صلوات الله عليهم .

8) الكافي 8 : 34 ، قطعة من حديث: 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; وفيه: 304 ، الحديث: 470 ، عنه‏عليه السلام ، مع تفاوت في ذيل الحديث .

9-10-11-12) القمي 2: 256 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

13) القمي 2: 256 .

14) معاني الاخبار: 156 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

15) التوحيد: 234 ، الباب: 32 ، ذيل الحديث الطويل: 1 ، عن ابي الحسن الرضا ، عن ابيه ، عن جده ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام .

16) القمي 2: 257 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

17) التوحيد: 408 ، الباب: 63 ، الحديث: 6 ، عن موسى بن جعفرعليهما السلام .

18) معاني الاخبار: 147 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

19) البيضاوي 5: 37 .

20) علل الشرائع 1: 58 ، الباب: 52 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

21) الامالي (للصدوق) 385 ، المجلس: 72 ، الحديث: 18 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله ; الاحتجاج 2: 131 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

22) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 240 ، الباب: 23 ، الحديث: 1 ، وفيه: «ابن خال‏فرعون‏» .

23) الاحتجاج 2: 131 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

24) القمي 2: 257 .

25) البيضاوي 5: 38 .

26) معاني الاخبار: 156 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

27) دحض الحجة: بطلت . القاموس المحيط 2: 343 (دحض) .

28) البيضاوي 5: 40 .

29) مجمع البيان 7 - 8 : 521 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

30) وشى به وشيا ووشاية: اذا نم عليه وسعى به . لسان العرب 15: 313 (وشي) .

31) الاحتجاج 2: 131 - 132 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

32) القمي 2: 258 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

33) مجمع البيان 7 - 8 : 526 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

34) الكافي 3: 245 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

35) مصباح المتهجد: 701 ، عن ابي الحسن الرضا ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين‏عليهم السلام .

36) القمي 2: 259 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

37) الكافي 2: 466 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

38) القمي 2: 260 ، عن علي بن الحسين‏عليهما السلام .

39) الكافي 3: 247 ، ذيل الحديث: 1 ; القمي 2: 260 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

40) القمي 2: 260 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

41) الخصال 2: 642 ، الحديث: 18 ، عن الرضا ، عن آبائه ، عن امير المؤمنين ، عن النبي صلوات الله عليهم ; والحديث: 19 ، عن علي بن الحسين ، عن ابيه ، عن امير المؤمنين ، عن النبي صلوات الله عليهم ; مجمع البيان 7 - 8 : 533 .

42) اقترحته: ابتدعته من غير سبق مثال . المصباح المنير 2: 176 (قرح) .

43) فالمعنى على الاول: لم يغن عنهم ما كسبوه من البنيان والاموال شيئا من عذاب الله تعالى . وعلى الثاني: فاي شي‏ء اغنى عنهم كسبهم . فيكون موضع «ما» الاولى نصبا ، وموضع «ما» الثانية رفعا . التبيان 9: 101 ; مجمع البيان 7 - 8 : 535 .

44) عيون اخبار الرضاعليه السلام 2: 77 ، الباب: 32 ، الحديث: 7 .