سورة الزمر

[مكية ، وهي خمس وسبعون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏» .

«انا انزلنا اليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين‏» من الشرك والرياء .

«الا لله الدين الخالص‏» لا نه المتفرد بالالوهية ، والاطلاع على الضمائر «والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى‏» باضمار القول «ان الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون‏» من امور الدين «ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار» .

«لو اراد الله ان يتخذ ولدا» كما زعموا ونسبوا اليه الملائكة والمسيح وعزير «لاصطفى‏»: لاختار «مما يخلق ما يشاء» قيل: يعني ما كان «سبحانه هو الله الواحد القهار» قال: «ليس له في الاشياء شبيه‏» (3) . «خلق السموات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل‏»: يغشى كل واحد منهما الآخر ، كانه يلف عليه لف اللباس باللابس ; او يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة ، او يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع اكوار العمامة . «وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى الا هو العزيز»: الغالب على كل شي‏ء «الغفار» حيث لم يعاجل بالعقوبة .

«خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها» . سبق تفسيره في سورة النساء (4) . «وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج‏» اهليا ووحشيا ، من البقر والضان والمعز ، وبخاتي (5) وعرابا من الابل ; كما مر بيانه في سورة الانعام (6) .قال: «انزاله ذلك خلقه اياه‏» (7) . «يخلقكم في بطون امهاتكم خلقا من بعد خلق‏»: حيوانا سويا ، من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام عارية ، من بعد مضغة ، من بعد علقة ، من بعد نطفة . «في ظلمات ثلاث‏» قال: «ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة‏» (8) . «ذ لكم الله ربكم له الملك لا اله الا هو فانى تصرفون‏» يعدل بكم عن عبادته الى الاشراك .

«ان تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر» لاستضرارهم به رحمة عليهم «و ان تشكروا يرضه لكم‏» لا نه سبب فلا حكم . القمي: فهذا كفر النعم (9) .و ورد: «الكفر هاهنا الخلاف ، والشكر الولاية والمعرفة‏» (10) . «ولا تزر وازرة وزر اخرى ثم الى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون انه عليم بذات الصدور» . «و اذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا اليه‏» لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على ان مبدا الكل منه سبحانه «ثم اذا خوله‏»: اعطاه تفضلا ، فان التخويل مختص بالتفضل . «نعمة منه‏»: من الله «نسي ما كان يدعو اليه‏» اي: الضر الذي كان يدعو الله الى كشفه «من قبل‏»: من قبل النعمة «وجعل لله اندادا»: شركاء «ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا انك من اصحاب النار» .

قال: «نزلت في ابي الفصيل ، انه كان رسول الله‏صلى الله عليه وآله عنده ساحرا ، فكان اذا مسه الضر ، يعني السقم "دعا ربه منيبا اليه" ، يعني تائبا اليه من قوله في رسول الله‏صلى الله عليه وآله ما يقول ، "ثم اذا خوله نعمة منه" ، يعني العافية "نسي ما كان يدعو اليه من قبل" ، يعني نسي التوبة الى الله مما كان يقول في رسول الله: انه ساحر ; ولذلك قال الله عزوجل: "قل تمتع بكفرك قليلا انك من اصحاب النار، "يعني امرتك على الناس بغير حق من الله عزوجل ومن رسوله‏» (11) . «امن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه‏» قال: «يعني صلاة الليل‏» (12) .وفي الحديث السابق: «ثم عطف القول من الله في علي‏عليه السلام ، يخبر بحاله وفضله عند الله فقال: «قل هل يستوي الذين يعلمون‏» ان محمدا رسول الله «والذين لا يعلمون‏» ان محمدا رسول الله ، او انه (13) ساحر كذاب . قال: هذا تاويله‏» (14) . «انما يتذكر اولوا الالباب‏» .

.قال: «هم اولوا العقول‏» (16) . «قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم‏» بلزوم طاعته «للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة‏» . الظرف اما متعلق ب «احسنوا» او ب «حسنة‏» ; وعلى الاول تشمل الحسنة حسنة الدارين ، وعلى الثاني لا ينافي نيل حسنة الآخرة ايضا ، وحسنة الدنيا مثل الصحة والعافية .

ورد: «ان المؤمن يعمل لثلاث من الثواب ، اما لخير فان الله يثيبه بعمله في دنياه ، ثم تلا هذه الآية ، ثم قال: فمن اعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة‏» (17) . «وارض الله واسعة‏» فمن تعسر عليه التوفر على الاحسان في وطنه ، فليهاجر الى حيث تمكن منه «انما يوفى الصابرون‏» على مشاق الطاعة ، من احتمال البلاء ومهاجرة الاوطان لها «اجرهم بغير حساب‏»: اجرا لا يهتدي اليه حساب الحساب .

قال: «اذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لاهل البلاء ميزان ، ولم ينشر لهم ديوان ، ثم تلا هذه الآية‏» (18) .و ورد: «اذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فياتون باب الجنة فيضربونه ، فيقال لهم: من انتم؟ فيقولون: نحن اهل الصبر . فيقال: على ما صبرتم؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله ، ونصبر عن معاصي الله . فيقول الله عزوجل: صدقوا ادخلوهم الجنة . وهو قول الله: "انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب"» (19) . «قل اني امرت ان اعبد الله مخلصا له الدين‏»: موحدا له .

«وامرت لان اكون اول المسلمين‏»: مقدمهم في الدنيا والآخرة .

«قل اني اخاف ان عصيت ربي‏» بترك الاخلاص «عذاب يوم عظيم‏» .

«قل الله اعبد مخلصا له ديني‏» امتثالا لامره تعالى .

«فاعبدوا ما شئتم من دونه‏» تهديد وخذلان لهم . «قل ان الخاسرين‏»: الكاملين في الخسران «الذين خسروا انفسهم واهليهم‏» قال: «غبنوا» (20) . «يوم القيامة الا ذ لك هو الخسران المبين‏» .

«لهم من فوقهم ظلل من النار»: اطباق منها تظلهم «ومن تحتهم ظلل‏» . قيل: هي ظلل للآخرين (21) . «ذ لك يخوف الله به عباده‏» ليجتنبوا ما يوقعهم فيه «يا عباد فاتقون‏» ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي .

«والذين اجتنبوا الطاغوت‏»: البالغ غاية الطغيان «ان يعبدوها وانابوا الى الله‏»: واقبلوا اليه بشراشرهم عما سواه «لهم البشرى‏» بالثواب على السنة الرسل وعلى السنة الملائكة ، عند حضور الموت . قال: «انتم هم ; ومن اطاع جبارا فقد عبده‏» (22) . «فبشر عباد» .

«الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه‏»: يميزون بين الحق والباطل ، ويؤثرون الافضل فالافضل . ورد: «هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه ; لا يزيد فيه ولا ينقص منه‏» (23) . «اولئك الذين هداهم الله‏» لدينه «واولئك هم اولوا الالباب‏» . «افمن حق عليه كلمة العذاب افانت تنقذ من في النار» بالسعي في دعائه الى الايمان ; انكار واستبعاد لانقاذ من حق عليه الكلمة ، لا نه كالواقع في النار .

«لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الانهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد» .

قال: «تلك غرف بناها الله لاوليائه بالدر والياقوت والزبرجد ، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة ، لكل غرفة منها الف باب من ذهب ، على كل باب ملك موكل به‏» (24) الحديث .

«الم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض‏»: عيونا وركايا «ثم يخرج به زرعا مختلفا الوانه ثم يهيج‏»: يثور عن منبته بالجفاف «فتراه مصفرا» من يبسه «ثم يجعله حطاما»: فتاتا «ان في ذ لك لذكرى‏»: لتذكيرا بانه لا بد من صانع حكيم دبره وسواه ، وبانه مثل الحياة الدنيا فلا يغتروا بها «لاولى الالباب‏» اذ لا يتذكر به غيرهم .

«افمن شرح الله صدره للاسلام‏» حتى تمكن فيه بيسر «فهو على نور من ربه‏» . خبره محذوف ، دل عليه ما بعده .

قال: «ان النور اذا وقع في القلب انفسح له وانشرح . قالوا: يا رسول الله فهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: التجافي عن دار الغرور ، والانابة الى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله‏» (25) . «فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله‏»: من اجل ذكره ، وهي اشد تابيا عن قبوله من القاسي عنه بسبب آخر ; ف «من‏» هنا ابلغ من «عن‏» . «اولئك في ضلال مبين‏» .

روي: «ان الاولى نزلت في امير المؤمنين‏عليه السلام وحمزة ، والثانية في ابي لهب وولده‏» (26) . «الله نزل احسن الحديث‏» يعني القرآن «كتابا متشابها»: يشبه بعضه بعضا في الاعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى ، والدلالة على المنافع العامة . «مثاني‏»: «يثنى فيه القول‏» اي: يتكرر . كذا ورد (27) في احد وجوه تسمية فاتحة الكتاب بها . ويجوز ان يكون جمع مثن من الثناء ، وانما وصف الواحد بالجمع لان الكتاب جملة ذات تفاصيل . وان جعل "مثاني" تمييزا ل "متشابها" ، يكون المعنى: متشابهة تصاريفه .

قيل: الفائدة في التكرير والتثنية: ان النفوس تنفر عن النصيحة والمواعظ ، فما لم يكرر عليها عودا بعد بدء لم يرسخ فيها (28) . «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم‏»: تنقبض وتشمئز خوفا مما فيه من الوعيد ، وهو مثل في شدة الخوف .

ورد: «اذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تتحات عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» (29) . «ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله‏»: تطمئن اليه بالرحمة وعموم المغفرة «ذ لك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد» يخرجه من الضلال .

«افمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة‏»: يجعل وجهه درعه يقي به نفسه ; لان يديه مغلولتان الى عنقه ، فلا يقدر ان يتقي الا بوجهه . وخبره محذوف ، اي: كمن هو آمن منه . «وقيل للظالمين‏» اي: لهم ; وضع الظاهر موضعه ، تسجيلا عليهم بالظلم ، واشعارا للموجب لما يقال لهم: «ذوقوا ما كنتم تكسبون‏» اي: وباله .

«كذب الذين من قبلهم فاتاهم العذاب من حيث لايشعرون‏»: من الجهة التي كانت لا يخطر ببالهم ان الشر ياتيهم منها .

«فاذاقهم الله الخزي‏»: الذل ، كالمسخ والخسف والقتل والسبي والاجلاء «في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة‏» المعد لهم «اكبر» لشدته ودوامه «لو كانوا يعلمون‏» لاعتبروا به واجتنبوا عنه .

«ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون‏»: يتعظون به .

«قرآنا عربيا غير ذي عوج‏»: لا اختلال فيه بوجه ما «لعلهم يتقون‏» .

«ضرب الله مثلا» للمشرك والموحد «رجلا فيه شركاء متشاكسون‏»: متنازعون مختلفون «ورجلا سلما لرجل‏»: خالصا لواحد ليس لغيره عليه سبيل .

نزلت في ابي بكر واصحابه وامير المؤمنين‏عليه السلام وشيعته . «فان امير المؤمنين كان سلما لرسول الله‏صلى الله عليه وآله وابا بكر كان يجمع المتفرقون ولايته ، وهم في ذلك يلعن بعضهم بعضا ، ويبرا بعضهم من بعض‏» . كذا ورد (30) .اقول: الوجه في ذلك: ان شيعة امير المؤمنين‏عليه السلام كانوا اهل نص من الله ورسوله ; ولا اختلاف فيه ; ولذلك ، اعتقدوه مفترض الطاعة . وابو بكر لم يكن سلما لله ورسوله ; لا في امر الامارة ولا فيما يبتني عليه من الاحكام ، وكان اصحابه اصحاب آراء ; وهي مما يجري فيه الاختلاف .

«هل يستويان مثلا»: صفة وحالا «الحمد لله‏»: لا يشاركه في الحمد سواه ، لا نه المنعم بالذات «بل اكثرهم لا يعلمون‏» فيشركون به غيره لفرط جهلهم .

«انك ميت و انهم ميتون‏»: فان الكل بصدد الموت .

«ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون‏»: يخاصم بعضكم بعضا فيما دار بينكم في الدنيا .

«فمن اظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق اذ جاءه‏» القمي: يعني بما جاء به رسول الله‏صلى الله عليه وآله من الحق (31) . «اليس في جهنم مثوى‏»: مقام «للكافرين‏» . «والذي جاء بالصدق‏» قال: «محمد» (32) . «وصدق به‏» قال: «امير المؤمنين‏عليه السلام‏» (33) . «اولئك هم المتقون‏» .

«لهم ما يشاؤون عند ربهم ذ لك جزاء المحسنين‏» .

«ليكفر الله عنهم اسوا الذي عملوا» فضلا عن غيره «ويجزيهم اجرهم باحسن الذي كانوا يعملون‏» فيعد لهم محاسن اعمالهم باحسنها ، في زيادة الاجر وعظمه ; لفرط اخلاصهم فيها .

«اليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه‏» . قيل: قالت قريش: انا نخاف ان تخبلك (34) آلهتنا لعيبك اياها (35) .والقمي: يقولون لك: اعفنا من علي ، ويخوفونك بانهم يلحقون بالكفار (36) . «ومن يضلل الله فما له من هاد» . «ومن يهد الله فما له من مضل‏» اذ لا راد لفعله «اليس الله بعزيز ذي انتقام‏» .

«ولئن سالتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل افرايتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كاشفات ضره او ارادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله‏» في اصابة الخبر ودفع الضر .

روي: «انه‏صلى الله عليه وآله سالهم فسكتوا ، فنزل ذلك‏» (37) . «عليه يتوكل المتوكلون‏» لعلمهم بان الكل منه .

«قل يا قوم اعملوا على مكانتكم‏»: على حالكم «اني عامل‏» على مكانتي «فسوف تعلمون‏» .

«من ياتيه عذاب يخزيه‏» ; من المغلوب في الدارين ، فان خزي اعدائه دليل غلبته وقد اخزاهم الله يوم بدر . «ويحل عليه عذاب مقيم‏»: دائم ، وهو عذاب النار .

«انا انزلنا عليك الكتاب للناس‏»: لمصالحهم في معاشهم ومعادهم «بالحق‏» متلبسا به «فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل‏» لتجبرهم على الهدى ، وانما عليك البلاغ .

«الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها» اي: يقبضها عن الابدان بان يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها ظاهرا وباطنا ; وذلك عند الموت ، او ظاهرا لا باطنا ; وهو في النوم . «فيمسك التي قضى عليها الموت‏»: لا يردها الى البدن «ويرسل الاخرى‏» اي: النائمة الى بدنها عند اليقظة «الى اجل مسمى‏» هو الوقت المضروب لموته «ان في ذ لك لآيات‏» على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته «لقوم يتفكرون‏» .

ورد: «ما من احد ينام الا عرجت نفسه الى السماء وبقيت روحه في بدنه ، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس ، فان اذن الله في قبض الروح اجابت الروح النفس ، وان اذن الله في رد الروح اجابت النفس الروح ; وهو قوله سبحانه: "الله يتوفى الانفس" الآية ، فما رات في ملكوت السماوات فهو مما له تاويل ، وما رات فيما بين السماء والارض فهو مما يخيله الشيطان ولا تاويل له‏» (38) . «ام اتخذوا»: بل اتخذ قريش «من دون الله شفعاء» تشفع لهم عند الله «قل او لو كانوا»: ايشفعون ولو كانوا «لا يملكون شيئا ولا يعقلون‏» .

«قل لله الشفاعة جميعا»: لا يشفع احد الا باذنه «له ملك السموات والارض‏» لا يملك احد ان يتكلم في امره دون اذنه «ثم اليه ترجعون‏» .

«و اذا ذكر الله وحده‏» دون آلهتهم «اشمازت‏»: انقبضت ونفرت «قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة و اذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون‏» .

قال: «"اذا ذكر الله وحده" بطاعة من امر الله بطاعته من آل محمد "اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، واذا ذكر الذين" لم يامر الله بطاعتهم "اذا هم يستبشرون"» (39) . «قل اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون‏»: فانت وحدك تحكم بيني وبينهم ، فاني تحيرت في كفرهم ، وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم .

«ولو ان للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة‏» . وعيد شديد ، واقناط كلي لهم من الخلاص «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون‏» . زيادة مبالغة فيه ، وهو نظير قوله: "فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين" (40) في الوعد . «وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون‏»: واحاط بهم جزاؤه .

«فاذا مس الانسان ضر دعانا ثم اذا خولناه نعمة منا»: اعطيناه اياها تفضلا «قال انما اوتيته على علم‏»: على علم مني بوجوه كسبه ، او باني ساعطاه لما لي من استحقاقه . كذا قيل (41) . «بل هي فتنة‏»: امتحان له ايشكر ام يكفر «ولكن اكثرهم لا يعلمون‏» ذلك .

«قد قالها الذين من قبلهم‏» يعني هذه الكلمة ، قارون قاله ورضي به قومه .

«فما اغنى عنهم ما كانوا يكسبون‏».

«فاصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا» بالعتو «من هؤلاء» المشركين «سيصيبهم سيئات ما كسبوا» كما اصاب اولئك ، وقد اصابهم ، فانهم قحطوا سبع سنين ، وقتل ببدر صناديدهم . «وما هم بمعجزين‏»: فائتين .

«او لم يعلموا ان الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ان في ذ لك لآيات لقوم يؤمنون‏» .

«قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم‏»: افرطوا في الجناية عليها بالاسراف في المعاصي «لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم‏» .

قال: «والله ما اراد بهذا غيركم‏» (42) .والقمي: نزلت في شيعة علي بن ابي طالب خاصة (43) .و ورد: «ما في القرآن آية اوسع منها» (44) . «وانيبوا الى ربكم واسلموا له من قبل ان ياتيكم العذاب ثم لا تنصرون‏» .

«واتبعوا احسن ما انزل اليكم من ربكم من قبل ان ياتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون‏» .

«ان تقول نفس‏»: كراهة ان تقول «يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله‏»: في حقه وطاعته وقربه .

.ورد: «نحن جنب الله‏» (47) . وفي اخرى: «الا ترى انك تقول: فلان الى جنب فلان ، اذا اردت ان تصف قربه منه‏» (48) «و ان كنت لمن الساخرين‏»: المستهزئين باهله ، يعني فرطت وانا ساخر .

«او تقول لو ان الله هداني‏» بالارشاد الى الحق «لكنت من المتقين‏» الشرك والمعاصي .

«او تقول حين ترى العذاب لو ان لي كرة فاكون من المحسنين‏» في العقيدة والعمل ، و«او» للدلالة على انه لا يخلو من هذه الاقوال ، تحيرا او تعللا بما لا طائل تحته .

«بلى قد جاءتك آياتي فكذبت‏بها واستكبرت وكنت من الكافرين‏» . رد من الله عليه لما تضمنه قوله "لو ان الله هداني" ، من معنى النفي . القمي: يعني بالآيات الائمة‏عليهم السلام (49) . «ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة‏» .

قال: «من ادعى انه امام وليس بامام . قيل: وان كان علويا فاطميا؟ قال: وان كان علويا فاطميا» (50) . «اليس في جهنم مثوى‏»: مقام «للمتكبرين‏» .

«وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم‏»: بفلاحهم «لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون‏» .

«الله خالق كل شي‏ء وهو على كل شي‏ء وكيل‏»: يتولى التصرف فيه .

«له مقاليد السموات والارض‏»: مفاتيحها ، لا يملك امرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره ; وهو كناية عن قدرته وحفظه لها . «والذين كفروا بآيات الله اولئك هم الخاسرون‏» .

«قل افغير الله تامروني اعبد ايها الجاهلون‏» .

روي: «انهم قالوا: استلم بعض آلهتنا نؤمن بالهك ، فنزلت‏» (51) . «ولقد اوحي اليك و الى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين‏» .

«بل الله فاعبد وكن من الشاكرين‏» القمي: هذه مخاطبة للنبي والمعني لامته (52) .و ورد: «يعني: ان اشرك في الولاية غيره ، "بل الله فاعبد" يعني بالطاعة ، "وكن من الشاكرين" بان عضدتك باخيك وابن عمك‏» (53) . «وما قدروا الله حق قدره‏»: ما قدروا عظمته في انفسهم حق تعظيمه ، حيث وصفوه بما لا يليق به .

قال: «لما شبهه العادلون بالخلق المبعض ، المحدود في صفاته ، ذي الاقطار والنواحي المختلفة في طبقاته ، وكان عزوجل الموجود بنفسه لا باداته ; انتفى ان يكون قدروه حق قدره ، فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الانداد ، وارتفاعها عن قياس المقدرين له بالحدود .وقد مر فيه حديث آخر في الانعام (55) . «والارض جميعا قبضته يوم القيامة‏» قال: «يعني ملكه لا يملكها معه احد» (56) . «والسموات مطويات بيمينه‏» قال: «يعني بقدرته وقوته‏» (57) .قيل: هو تنبيه على عظمته وحقارة المخلوقات العظام التي تتحير فيها الاوهام ، بالاضافة الى قدرته ، ودلالة على ان تخريب العالم اهون شي‏ء عليه (58) . «سبحانه وتعالى عما يشركون‏» .

«ونفخ في الصور» يعني المرة الاولى «فصعق من في السموات ومن في الارض‏»: خروا ميتين «الا من شاء الله‏» .

روي: «هم جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت‏» (59) .وفي رواية: «هم الشهداء متقلدون اسيافهم حول العرش‏» (60) . «ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون‏»: قائمون من قبورهم يقلبون ابصارهم .

«واشرقت الارض بنور ربها» . قال: «رب الارض امام الارض . قيل: فاذا خرج يكون ماذا؟ قال: اذا يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ، ويجتزؤون بنور الامام‏» (61) . «ووضع الكتاب‏» للحساب «وجي‏ء بالنبيين والشهداء» القمي: الشهداء: الائمة (62) . «وقضي بينهم‏»: بين العباد «بالحق وهم لا يظلمون‏» . «ووفيت كل نفس ماعملت وهو اعلم بمايفعلون‏» .

«وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا»: افواجا متفرقة بعضها في اثر بعض ، على تفاوت اقدامهم في الضلالة والشرارة . «حتى اذا جاؤوها فتحت ابوابها وقال لهم خزنتها الم ياتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين‏»: كلمة الله بالعذاب ، وهو الحكم عليهم بالشقاوة ، وانهم من اهل النار .

«قيل ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين‏» . قد مر بيان ابواب جهنم في سورة الحجر (63) . «وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة‏» اسراعا بهم الى دار الكرامة راكبين «زمرا»: على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة «حتى اذا جاؤوها و فتحت ابوابها» حذف جواب «اذا» للدلالة على ان لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف ، وان ابواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم منتظرين . «وقال لهم خزنتها سلام عليكم‏»: لا يعتريكم بعد مكروه «طبتم‏»: طهرتم من دنس المعاصي . والقمي: اي طاب مواليدكم ; لا نه لا يدخل الجنة الا طيب المولد (64) . «فادخلوها خالدين‏» . ورد: «احسنوا الظن بالله ، واعلموا ان للجنة ثمانية ابواب ، عرض كل باب منها مسيرة اربعمائة سنة‏» (65) . «وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده‏» بالبعث والثواب «واورثنا الارض‏» قال: «يعني ارض الجنة‏» (66) . «نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين‏» الجنة . «وترى الملائكة حافين‏»: محدقين «من حول العرش يسبحون بحمد ربهم‏»: ذاكرين له بوصفي جلاله واكرامه تلذذا به . وفيه اشعار بان منتهى درجات العليين ، واعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق سبحانه . «وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين‏» اي: على ما قضى بيننا بالحق ; والقائلون هم المؤمنون .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) مجمع البيان 7 - 8 : 488 .

3) التوحيد: 83 ، الباب: 3 ، قطعة من حديث: 3 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

4) النساء (4): 1 .

5) البخاتي جمع البخت - بالضم -: الابل الخراسانية . القاموس المحيط 1: 148 (بخت) .

6) ذيل الآية: 143 - 144 .

7) الاحتجاج 1: 372 ، عن‏امير المؤمنين‏عليه السلام .

8) مجمع البيان 7 - 8 : 491 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

9) القمي 2: 246 .

10) المحاسن: 149 ، الباب: 19 ، الحديث: 65 .

11) الكافي 8 : 204 ، الحديث: 246 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

12) علل الشرائع: 364 ، الباب: 84 ، ذيل الحديث: 8 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

13) في المصدر: «وانه‏».

14) الكافي 8 : 204 - 205 ، الحديث: 246 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

15) الكافي 8 : 35 ، قطعة من حديث: 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; بصائر الدرجات: 54 ، الباب: 24 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

16) الكافي 1: 20، ذيل الحديث: 12، عن موسى بن جعفر، عن حسن بن علي‏عليهم السلام; القمي 2: 246 .

17) الامالي (للشيخ الطوسي) 1: 25; الامالي (للشيخ المفيد): 262، قطعة من حديث: 3 عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

18) مجمع البيان 7 - 8 : 492 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

19) الكافي 2: 75 ، الحديث: 4 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

20) القمي 2: 248 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

21) الكشاف 3: 392 ; البيضاوي 5: 25 .

22) مجمع البيان 7 - 8 : 493 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

23) الكافي 1: 51 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

24) الكافي 8 : 97 ، قطعة من حديث: 69 ; القمي 2: 246 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

25) روضة الواعظين 2: 448 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

26) تفسير ابن جزي: 624 .

27) العياشي 1: 22 ، الحديث: 17 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; العياشي 2: 249 ، الحديث: 34 ، عن احدهماعليهما السلام.

28) الكشاف 3: 395 .

29) مجمع البيان 7 - 8 : 495 ; زاد المسير 7: 13 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

30) الكافي 8 : 224 ، الحديث: 283 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

31) القمي 2: 249 .

32) مجمع البيان 7 - 8 : 498 ، عن ائمة الهدى‏عليهم السلام ; القمي 2: 249 .

33)

34) الخبل: الفساد ، وقد خبله وخبله ، واختبله: اذا افسد عقله او عضوه . الصحاح 4: 1682 (خبل) .

35) الكشاف 3: 398 ; البيضاوي 5: 28 .

36) القمي 2: 249 .

37) الكشاف 3: 399 ; البيضاوي 5: 28 .

38) مجمع البيان 7 - 8 : 501 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

39) الكافي 8 : 304 ، الحديث: 471 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

40) السجدة (32): 17 .

41) الكشاف 3: 402 ، البيضاوي 5: 30 .

42) الكافي 8 : 35 ، قطعة من حديث: 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

43) القمي 2: 250 .

44) مجمع البيان 7 - 8 : 503 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

45) المناقب 3: 273 ، عن السجاد والباقر والصادق‏عليهم السلام .

46) المصدر ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

47) كمال الدين 1: 206 ، الباب: 21 ، الحديث: 20 ، عن ابي جعفرعليه السلام ; القمي 2: 251 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

48) الاحتجاج 1: 376 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

49) القمي 2: 251 .

50) المصدر ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

51) جوامع الجامع 414 ; الكشاف 3: 407 ; البيضاوي 5: 32 .

52) القمي 2: 251 .

53) الكافي 1: 427 ، الحديث: 76 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

54) التوحيد: 55 ، الباب: 2 ، قطعة من حديث: 13 ، عن ابي عبد الله ، عن امير المؤمنين‏عليهما السلام .

55) ذيل الآية: 91 .

56) التوحيد: 161 ، الباب: 17 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

57) التوحيد: 162 ، الباب: 17 ، ذيل الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

58) البيضاوي 5: 32 .

59) مجمع البيان 7 - 8 : 508 ; جامع البيان (للطبري) 24: 20 ; الكشاف 3: 161 ; البيضاوي 4: 122 .

60) المصدر ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

61) القمي 2: 253 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

62) المصدر .

63) ذيل الآية: 44 .

64) القمي 2: 254 .

65) الخصال 2: 408 ، الحديث: 7 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، وفيه: «مسيرة اربعين سنة‏» .

66) القمي 2: 254 ، عن ابي جعفرعليه السلام .