سورة يس

[مكية ، وهي ثلاث وثمانون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«يس‏» قد مضى نظائره . قال: «هو اسم من اسماء النبي‏صلى الله عليه وآله ، ومعناه: يا ايها السامع الوحي‏» (2) . «والقرآن الحكيم‏» الواو للقسم .

«انك لمن المرسلين‏» .

«على صراط مستقيم‏» قال: «على الطريق الواضح‏» (3) . «تنزيل العزيز الرحيم‏» قال: «القرآن‏» (4) . «لتنذر قوما» قال: «لتنذر القوم الذين انت فيهم‏» (5) . «ما انذر آباؤهم فهم غافلون‏» قال: «عن الله ، وعن رسوله ، وعن وعيده‏» (6) . «لقد حق القول على اكثرهم‏» قال: «ممن لا يقرون بولاية امير المؤمنين والائمة من بعده‏» (7) . «فهم لا يؤمنون‏» قال: «بامامة اميرالمؤمنين والاوصياء من بعده ، فلما لم يقروا كانت عقوبتهم ما ذكر الله‏» (8) . «انا جعلنا في اعناقهم اغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمحون‏» القمي: قد رفعوا رؤوسهم (9) . «وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون‏» .

قال: «يقول: فاعميناهم فهم لا يبصرون الهدى ، اخذ الله سمعهم وابصارهم وقلوبهم ، فاعماهم عن الهدى‏» (10) .وقال: «هذا في الدنيا ، وفي الآخرة في نار جهنم مقمحون‏» (11) .قيل: تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم ، بحيث لا تغني الآيات والنذر ; بتمثيلهم بالذين غلت اعناقهم ، والاغلال واصلة الى اذقانهم ، فلا تخليهم يطاطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم ، غاضون ابصارهم في انهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون اعناقهم نحوه ، ولا يطاطئون رؤوسهم له ، وبمن احاط بهم سدان فغطى ابصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم ، في انهم محبوسون في مطمورة (12) الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل (13) . «وسواء عليهم ا انذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون‏» .

«انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة واجر كريم‏» .

«انا نحن نحيى الموتى‏»: الاموات بالبعث ، والجهال بالهداية «ونكتب ما قدموا»: ما اسلفوا من الاعمال الصالحة والطالحة «وآثارهم‏» كعلم علموه ، وخطوة مشوا بها الى المساجد ، وكاشاعة باطل ، وتاسيس ظلم . «وكل شي‏ء احصيناه في امام مبين‏» القمي: اي: في كتاب مبين (14) .وعن امير المؤمنين‏عليه السلام قال: «انا والله الامام المبين ; ابين الحق من الباطل ، ورثته من رسول الله‏صلى الله عليه وآله‏» (15) .وعن النبي‏صلى الله عليه وآله: «ما من علم الا علمنيه ربي وانا علمته عليا ، وقد احصاه الله في ، وكل علم علمت فقد احصيته في امام المتقين ، وما من علم الا علمته عليا» (16) .وقال: «لما نزلت هذه الآية قام ابو بكر وعمر من مجلسهما وقالا: يا رسول الله هو التوراة؟ قال: لا . قالا: فهو الانجيل؟ قال: لا . قالا: فهو القرآن؟ قال لا . قال: فاقبل امير المؤمنين‏عليه السلام فقال رسول الله‏صلى الله عليه وآله: هو هذا ، انه الامام الذي احصى الله فيه علم كل شي‏ء» (17) . «واضرب لهم مثلا اصحاب القرية اذ جاءها المرسلون‏» قيل: ارسلهم الله ، او ارسلهم عيسى بامر الله (18) . «اذ ارسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا انا اليكم مرسلون‏» .

«هي قرية انطاكية (19) ،ارسل اليهم رسولان ، فغلظوا عليهما وحبسوهما في بيت الاصنام ، فبعث الله الثالث . فقال لهم: احببت ان اعبد اله الملك ، فامر الملك ان ادخلوه الى بيت الآلهة . فمكث‏سنة مع صاحبيه ، فقال لهما: بهذا ينقل قوم من دين الى دين ، بالخرق؟! افلا رفقتما ، ثم قال لهما: لا تقران بمعرفتي ، وقال للملك: رايت رجلين في بيت الآلهة ، فما حالهما؟ قال: هذان رجلان اتياني ببطلان ديني ، ويدعواني الى اله سماوي ، فقال: ايها الملك فمناظرة جميلة ، فان يكن الحق لهما تبعناهما ، وان يكن الحق لنا دخلا معنا في ديننا . فلما دخلا اليه قال لهما صاحبهما: ما الذي جئتما به؟ قالا: جئنا ندعوه الى عبادة الله ; الذي خلق السموات والارض ، ويخلق في الارحام ما يشاء ، ويصور كيف يشاء ، وانبت الاشجار والثمار ، وانزل القطر من السماء . فقال لهما: هذا الذي تدعوان اليه والى عبادته ان جئنا باعمى يقدر ان يرده صحيحا؟ قالا: ان سالناه ان يفعل ، فعل ان شاء . قال: ايها الملك علي باعمى لم يبصر شيئا قط ، فاتي به ، فقال لهما: ادعوا الهكما ان يرد بصر هذا . فقاما وصليا ركعتين ، فاذا عيناه مفتوحتان وهو ينظر الى السماء ، ففعل صاحبهما مثل فعلهما باعمى آخر . فاتيا بمقعد فدعوا الله فاطلقت رجلاه ، ففعل صاحبهما مثله بمقعد آخر . فقال: ايها الملك! قد اتيا بحجتين وآتينا بمثلهما ، ولكن ان احيا الههما ابنك الذي مات دخلت معهما في دينهما ، فقال له الملك: وانا ايضا معك ، فخرا ساجدين لله واطالا السجود ، ثم رفعا رؤوسهما وقالا للملك: ابعث الى قبر ابنك تجده قد قام من قبره ان شاء الله . فخرج الناس ينظرون ، فوجدوه قد خرج من قبره ينفض راسه من التراب . فقال له: يا بني ما حالك؟ قال: كنت ميتا ، فرايت رجلين ساجدين يسالان الله ان يحييني . قال: فتعرفهما اذا رايتهما؟ قال: نعم . فكان يمر عليه رجل بعد رجل ، فمر احدهما بعد جمع كثير فقال هذا احدهما ، ثم مر الآخر فعرفهما واشار بيده اليهما . فآمن الملك واهل مملكته‏» . كذا ورد (20) .وفي رواية: «ان الثالث كان شمعون الصفا راس الحواريين ، وانه كان يدعو معهما سرا ، فقام الميت وقال: وانا احذركم ما انتم فيه ، فآمنوا بالله ، فتعجب الملك ، فلما علم شمعون ان قوله اثر في الملك دعاه الى الله ، فآمن وآمن من اهل مملكته قوم وكفر آخرون‏» (21) . «قالوا ما انتم الا بشر مثلنا» لا مزية لكم تقتضي اختصاصكم بماتدعون «وما انزل الرحمن من شي‏ء»: من وحي ورسالة «ان انتم الا تكذبون‏» .

«قالوا ربنا يعلم انا اليكم لمرسلون‏» . «وما علينا الا البلاغ المبين‏» .

«قالوا انا تطيرنا بكم‏»: تشامنا . قيل: ذلك لاستغرابهم ما ادعوه وتنفرهم بهم (22) .والقمي: تطيرنا باسمائكم (23) . «لئن لم تنتهوا» عن مقالتكم هذه «لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم‏» . «قالوا طائركم معكم‏»: سبب شؤمكم معكم ، وهو سوء عقيدتكم واعمالكم : «ا ان ذكرتم‏»: ائن وعظتم به تطيرتم وتوعدتم ، فحذف الجواب . «بل انتم قوم مسرفون‏» .

«وجاء من اقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين‏» . القمي: نزلت في حبيب النجار ، الى قوله: "من المكرمين" (24) . ورد: «الصديقون ثلاثة: حبيب النجار ، مؤمن آل يس الذي يقول "اتبعوا المرسلين" ; وحزقيل ، مؤمن آل فرعون ; وعلي بن ابي طالب ، وهو افضلهم‏» (25) . «اتبعوا من لا يسالكم اجرا» على النصح وتبليغ الرسالة «وهم مهتدون‏» الى خير الدارين .

«وما لي لا اعبد الذي فطرني و اليه ترجعون‏» . تلطف في الارشاد ، بايراده في معرض المناصحة لنفسه وامحاض النصح ، حيث اراد لهم ما اراد لنفسه ، والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم الى عبادة غيره ، ولذلك قال: "واليه ترجعون" مبالغة في التهديد ، ثم عاد الى المساق الاول .

«ا اتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون‏» .

«اني اذا لفي ضلال مبين‏» .

«اني آمنت‏بربكم‏» الذي خلقكم ; او هو خطاب للرسل ، بعد ما اراد القوم ان يقتلوه «فاسمعون‏»: فاسمعوا ايماني .

«قيل ادخل الجنة‏» . قيل له ذلك لما قتلوه ، بشرى بانه من اهل الجنة ، او اكراما واذنا في دخولها . «قال يا ليت قومي يعلمون‏» .

«بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين‏» . روي: «انه نصح قومه حيا وميتا» (26) . «وما انزلنا على قومه من بعده من جند من السماء» لاهلاكهم ، كما ارسلنا يوم بدر والخندق ، بل كفينا امرهم بصيحة «وما كنا منزلين‏» . «ما» نافية او موصولة معطوفة على جند ، اي: ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح ونحوهما .

«ان كانت الا صيحة واحدة‏» صاح بها جبرئيل «فاذا هم خامدون‏»: ميتون ، شبهوا بالنار رمزا ; الى ان الحي كالنار الساطع والميت كرمادها .

«يا حسرة على العباد» تعالى فهذا اوانك ، وفي قراءتهم‏عليهم السلام: «يا حسرة العباد» (27) . «ما ياتيهم من رسول الا كانوا به يستهزءون‏» .

«الم يروا كم اهلكنا قبلهم من القرون ا نهم اليهم لا يرجعون‏» .

«و ان كل لما جميع لدينا محضرون‏» ان شدد «لما» فهو بمعنى الا ، وان خفف ف «ان‏» مخففة ، و«ما» مزيدة للتاكيد .

«وآية لهم الارض الميتة احييناها واخرجنا منها حبا فمنه ياكلون‏» فانه معظم ما يؤكل ويعاش به .

«وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون‏» .

«لياكلوا من ثمره‏»: ثمر ما ذكر «وما عملته ايديهم‏» مما يتخذ منه ، كالعصير والدبس ونحوهما ، وقيل: «ما» نافية (28) . «افلا يشكرون‏» . «سبحان الذي خلق الازواج كلها»: الانواع والاصناف «مما تنبت الارض‏» من النبات والشجر «ومن انفسهم‏» الانثى والذكر «ومما لا يعلمون‏»: وازواجا مما لا يطلعهم الله عليه .

«وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» نزيله ونكشف عن مكانه ; مستعار من سلخ الشاة «فاذا هم مظلمون‏»: داخلون في الظلام .

قال: «يعني قبض محمدصلى الله عليه وآله وسلم ، وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل اهل بيته‏» (29) . «والشمس تجري لمستقر لها»: لحد معين ينتهي اليه دورها ، وفي قراءتهم‏عليهم السلام: «لا مستقر لها» (30) ،اي: لا سكون لها فانها متحركة دائما . «ذ لك تقدير العزيز العليم‏» . «والقمر قدرناه‏»: قدرنا مسيره «منازل‏» وهي ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه «حتى عاد كالعرجون القديم‏» كالشمراخ (31) المعوج العتيق .

«لا الشمس ينبغي لها»: يصح لها ويتسهل «ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون‏»: يسيرون فيه بانبساط .

قال: «يقول: الشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، لا ينبغي للشمس ان تكون مع ضوء القمر بالليل ، ولا يسبق الليل النهار: يقول: لا يذهب الليل حتى يدركه النهار ، "وكل في فلك يسبحون": يقول: يجي‏ء وراء الفلك الاستدارة‏» (32) .وفي رواية: «ان النهار خلق قبل الليل وقوله تعالى: "ولا الليل سابق النهار" اي: قد سبقه النهار» (33) . «وآية لهم ا نا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون‏»: المملوء ، اي: سفينة نوح ، كما في قوله: "ذرية من حملنا مع نوح" (34) .سئل في حديث: فما التسعون؟ قال: «الفلك المشحون ، اتخذ نوح‏عليه السلام فيه تسعين بيتا للبهائم‏» (35) .قيل: حمل الله ذريتهم فيها ، حمله آباءهم الاقدمين وفي اصلابهم ذرياتهم ، وتخصيص الذرية لانه ابلغ في الامتنان وادخل في التعجيب مع الايجاز (36) .والقمي: السفن الممتلئة (37) ،وعمم الفلك ; فالمراد بالذرية اولادهم الذين يبعثونهم الى تجاراتهم ، او صبيانهم ونسائهم .

«وخلقنا لهم من مثله‏»: من مثل الفلك «ما يركبون‏» من السفن والزوارق، على المعنى الاول; ومن الانعام والدواب، ولا سيما الابل، فانها سفائن البر، على المعنى الاخير .

«و ان نشا نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون‏» . «الا رحمة منا ومتاعا الى حين‏» .

«و اذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم‏» قال: «من الذنوب‏» (38) . «وما خلفكم‏» قال: «من العقوبة‏» (39) . «لعلكم ترحمون‏» جواب اذا محذوف دل عليه ما بعده ، كانه قيل: اعرضوا .

«وما تاتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين‏» .

«و اذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا انطعم من لو يشاء الله اطعمه ان انتم الا في ضلال مبين‏» . اما تهكم بهم من اقرارهم بالله وتعليقهم الامور بمشيئة الله ، واما ايهام بان الله لما كان قادرا ان يطعمهم فلم يطعمهم فنحن احق بذلك ، وهذا من فرط جهالتهم ، فان الله يطعم باسباب منها حث الاغنياء على اطعام الفقراء ، وتوفيقهم له .

«ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين‏» يعنون وعد البعث .

«ما ينظرون‏»: ما ينتظرون «الا صيحة واحدة‏» هي النفخة الاولى «تاخذهم وهم يخصمون‏»: يختصمون في متاجرهم ومعاملاتهم .

«فلا يستطيعون توصية ولا الى اهلهم يرجعون‏» القمي: ذلك في آخر الزمان ، يصاح فيهم صيحة وهم في اسواقهم يتخاصمون ، فيموتون كلهم في مكانهم ، لا يرجع احد الى منزله ولا يوصى بوصية (40) .و ورد: «الرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فما يطويانه حتى تقوم الساعة . والرجل يرفع اكلته الى فيه فما تصل الى فيه حتى تقوم . والرجل يليط حوضه ليسقى ماشيته فما يسقيها حتى تقوم‏» (41) . «ونفخ في الصور» اي: مرة ثانية ، كما ياتي في سورة الزمر (42) . «فاذا هم من الاجداث‏»: من القبور «الى ربهم ينسلون‏»: يسرعون .

«قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . وفي قراءتهم‏عليهم السلام: «من بعثنا» (43) على من الجارة والمصدر . «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون‏» .

قال: «فان القوم كانوا في القبور ، فلما قاموا حسبوا انهم كانوا نياما ، "قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا" قالت الملائكة: "هذا ما وعد الرحمن" الآية‏» (44) . «ان كانت الا صيحة واحدة‏» هي النفخة الاخيرة «فاذا هم جميع لدينا محضرون‏» بمجرد الصيحة ، وفي ذلك تهوين امر البعث والحشر ، واستغناؤهما عن الاسباب التي ينوط بها فيما يشاهدونه .

قال: «كان ابوذررضى الله عنه يقول في خطبة: ما بين الموت والبعث الا كنومة نمتها ثم استيقظت منها» (45) . «فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون الا ما كنتم تعملون‏» .

«ان اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون‏»: متلذذون . قال: «شغلوا بافتضاض العذارى . قال: وحواجبهن كالاهلة ، واشفار اعينهن . «هم وازواجهم في ظلال على الارائك متكؤون‏» . قال: «الارائك: السرر عليها الحجال‏» (47) .و ورد: «اذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا» (48) . «لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون‏»: يتمنون ، من قولهم: ادع علي ما شئت ، اي: تمنه . كذا قيل (49) . «سلام قولا من رب رحيم‏» يقال لهم قولا كائنا من جهته ، يعني: ان الله يسلم عليهم . القمي: السلام منه هو الامان (50) . «وامتازوا اليوم ايها المجرمون‏» وانفردوا عن المؤمنين ، وذلك حين يسار بالمؤمنين الى الجنة ، كقوله: "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون" (51) . «الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان‏» جعلها عبادة الشيطان ، لانه الآمر بها المزين لها ، وقد ثبت ان من اطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده . و ورد: «من اطاع رجلا في معصية فقد عبده‏» (52) . «انه لكم عدو مبين‏» . «وان اعبدوني هذا صراط مستقيم‏» .

«ولقد اضل منكم جبلا كثيرا»: خلقا كثيرا «افلم تكونوا تعقلون‏» .

«هذه جهنم التي كنتم توعدون‏» . «اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون‏» .

«اليوم نختم على افواههم‏»: نمنعها عن الكلام «وتكلمنا ايديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون‏» .

قال: «وليست تشهد الجوارح على مؤمن ، انما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب ، فاما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه‏» (53) . «ولو نشاء لطمسنا على اعينهم‏» لمسحنا اعينهم حتى تصير ممسوحة «فاستبقوا الصراط‏»: الى الطريق الذي اعتادوا سلوكه «فا نى يبصرون‏» الطريق وجهة السلوك فضلا عن غيره .

«ولو نشاء لمسخناهم‏» بتغيير صورهم وابطال قواهم «على مكانتهم‏»: مكانهم ، بحيث‏يخمدون فيه . القمي: في الدنيا (54) . «فما استطاعوا مضيا»: ذهابا «ولا يرجعون‏» . «ومن نعمره‏»: نطل عمره «ننكسه في الخلق‏»: نقلبه فيه ; فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه ، عكس ما كان عليه بدو امره «افلا يعقلون‏» ان من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ ، فانه مشتمل عليهما وزيادة ، غير انه على تدرج .

«وما علمناه الشعر» بتعليم القرآن ، يعني ليس ما انزلنا عليه من صناعة الشعر في شي‏ء ، اي: مما يتوخاه الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة ونحوهما ، مما لا حقيقة له ولا اصل ; وانما هو تمويه محض ، موزونا كان او غير موزون . «وما ينبغي له‏» يعني هذه الصناعة . القمي: كانت قريش تقول: ان هذا الذي يقوله محمد شعر ، فرد الله عزوجل عليهم (55) . «ان هو الا ذكر»: عظة «وقرآن مبين‏»: كتاب سماوي يتلى في المعابد . «لينذر من كان حيا» قال: «اي: عاقلا» (56) .والقمي: اي: مؤمنا حي القلب (57) . «ويحق القول‏»: وتجب كلمة العذاب «على الكافرين‏» المصرين على الكفر .

«او لم يروا ا نا خلقنا لهم مما عملت ايدينا» قيل: يعني مما تولينا احداثه ولم يقدر على احداثه غيرنا ، وذكر الايدي واسناد العمل اليها استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص ، والتفرد الاحداث (58) .والقمي: اي: بقوتنا خلقناها (59) . «انعاما» خصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع . «فهم لها مالكون‏»: يتصرفون فيها .

«وذللناها لهم فمنها ركوبهم‏»: مركوبهم «ومنها ياكلون‏» .

«ولهم فيها منافع‏» مما يكسبون بها ، ومن الجلود والاصواف والاوبار «ومشارب‏» من البانها «افلا يشكرون‏» .

«واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون‏»: رجاء ان ينصروهم .

«لا يستطيعون نصرهم‏» قال: «يقول: لا يستطيع الآلهة لهم نصرا» (60) «وهم لهم‏»: «للآلهة‏» (61) . «جند محضرون‏» قيل: اي: معدون لحفظهم والذب عنهم ، او محضرون اثرهم في النار (62) . «فلا يحزنك قولهم انا نعلم ما يسرون وما يعلنون‏» .

«او لم ير الانسان ا نا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين‏» القمي: اي: ناطق عالم بليغ (63) . «وضرب لنا مثلا»: امرا عجيبا ، وهو نفي القدرة على احياء الموتى «ونسي خلقه‏»: خلقنا اياه «قال من يحي العظام وهي رميم‏» منكرا اياه ، مستبعدا له ، والرميم: ما بلي من العظام .

قال: «جاء ابي بن خلف فاخذ عظما باليا من حائط ففته (64) ،ثم قال (65) : يا محمد "اذا كنا عظاما ورفاتا ائنا لمبعوثون خلقا" (66) ؟! فنزلت‏» (67) . «قل يحييها الذي انشاها اول مرة وهو بكل خلق عليم‏» يعلم تفاصيل المخلوقات ، وكيفية خلقها ، واجزاءها المتفتة ، المتبددة اصولها وفروعها ، ومواقعها وطريق تمييزها ، وضم بعضها الى بعض .

قال: «ان الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن (68) في ضياء وفسحة ، وروح المسي‏ء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا كما منه خلق ، وما يقذفه به السباع والهوام من اجوافها مما اكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض ، ويعلم عدد الاشياء ووزنها ، وان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فاذا كان حين البعث مطرت الارض مطر النشور ، فتربو الارض فتمخض مخض السقاء (69) ،فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن اذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب الى قالبه ، فينتقل باذن الله القادر الى حيث الروح ، فتعود الصور باذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ; فاذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا» (70) . «الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون‏» القمي: وهو المرخ (71) والعفار (72) ; يكون في ناحية من بلاد العرب ، فاذا ارادوا ان يستوقدوا اخذوا من ذلك الشجر ، ثم اخذوا عودا فحركوه فيه فيستوقدون منه النار (73) .قيل: يسحقون المرخ على العفار - وهما خضراوان - يقطر منهما الماء ; فتنقدح النار (74) . «او ليس الذي خلق السموات والارض‏» مع كبر جرمهما وعظم شانهما «بقادر على ان يخلق مثلهم‏» في الصغر والحقارة «بلى وهو الخلاق العليم‏»: كثير المخلوقات والمعلومات . «وهذه كلها جدال بالتي هي احسن ، امر الله تعالى نبيه ان يجادل به من جحد البعث‏بعد الموت‏» . كذا ورد (75) . «انما امره‏»: انما شانه «اذا اراد شيئا ان يقول له كن‏»: تكون «فيكون‏» . وهو تمثيل لتاثير قدرته في مراده بامر المطاع للمطيع في حصول المامور ، من غير امتناع وتوقف وافتقار الى مزاولة (76) عمل واستعمال آلة ، قطعا لمادة الشبهة . قال: «كن منه صنع ، وما يكون به المصنوع‏» (77) .وقال: «انما كلامه سبحانه فعل منه انشاه . قال: يقول ولا يلفظ ، ويريد ولا يضمر» (78) .وقال: «يريد بلا همة‏» (79) .والقمي: خزائنه في الكاف والنون (80) . «فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء» . تنزيه له عما ضربوا له ، وتعجيب عما قالوا فيه ، و"ملكوت كل شي‏ء": ما يقوم به ذلك الشي‏ء من عالم الارواح والملائكة . «و اليه ترجعون‏» . وعد ووعيد للمقرين والمنكرين .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) معاني الاخبار: 22 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

3-4) القمي 2: 211 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

5-6) الكافي 1: 432 ، الحديث: 90 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

7-8) الكافي 1: 432 ، الحديث: 90 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

9) القمي 2: 212 .

10) المصدر ، عن ابي جعفرعليه السلام .

11) الكافي 1: 432 ، ذيل الحديث: 90 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

12) المطمورة: حفيرة تحت الارض يوسع اسافلها . تاج العروس 12: 433 .

13) البيضاوي 4: 185 .

14-15) القمي 2: 212 .

16) الاحتجاج 1: 74 ، مع تفاوت .

17) معاني الاخبار: 95 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفر ، عن ابيه ، عن جده‏عليهم السلام .

18) مجمع البيان 7 - 8 :: 420 ; زاد المسير (لابن الجوزي) 6: 266 .

19) انطاكية: وهي من اعيان البلاد وامهاتها ، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير . وقال ابن بطلان: وخرجنا من حلب طالبين انطاكية وبينهما يوم وليلة ، فوجدنا المسافة التي بين حلب وانطاكية عامرة لا خراب فيها اصلا . ولم تزل انطاكية قصبة العواصم من الثغور الشامية . واول من بنى انطاكية «انطيخس‏» وهو الملك الثالث‏بعد الاسكندر . وقيل: اول من بناها وسكنها «انطاكية‏» بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح‏عليه السلام، اخت انطالية باللام . معجم البلدان 1: 266.

20) القمي 2: 213 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

21) مجمع البيان 7 - 8 : 420 ، في رواية عن وهب بن منبة .

22) البيضاوي 4: 186 .

23-24) القمي 2: 214 .

25) الامالي (للصدوق): 385 ، المجلس: 72 ، الحديث: 6 ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

26) جوامع الجامع: 392 .

27) مجمع البيان 7 - 8 : 420 ، عن علي بن الحسين‏عليهما السلام .

28) الكشاف 3: 322 ; البيضاوي 4: 188 .

29) الكافي 8 : 380 ، قطعة من حديث: 574 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

30) مجمع البيان 7 - 8 : 423 ، عن السجاد والباقر والصادق‏عليهم السلام .

31) الشمراخ والشمروخ: العثكال ، وهو ما يكون فيه الرطب ، وكل غصن من اغصانه شمراخ . مجمع البحرين 2: 436 ; النهاية 2: 500 (شمرخ) .

32) القمي 2: 214 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

33) مجمع البيان 7 - 8 : 425 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

34) الاسراء (17): 3 .

35) الخصال 2: 598 ، قطعة من حديث: 1 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

36) البيضاوي 4: 188 .

37) القمي 2: 215 .

38-39) مجمع البيان 7 - 8 : 427 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

40) القمي 2: 215 .

41) مجمع البيان 7 - 8 : 427 .

42) الزمر (39): 68 .

43) جوامع الجامع: 394 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

44) القمي 2: 216 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

45) الكافي 2: 134 ، الحديث: 18 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

46) مجمع البيان 7 - 8 : 429 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

47) القمي 2: 216 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

48) المصدر: 247 ; الكافي 8 : 97 ، قطعة من حديث: 69 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

49) البيضاوي 4: 190 .

50) القمي 2: 216 .

51) الروم (30): 14 .

52) الكافي 2: 398 ، الحديث: 8 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

53) الكافي 2: 32 ، ذيل الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

54-55) القمي 2: 217 .

56) مجمع البيان 7 - 8 : 432 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

57) القمي 2: 217 .

58) البيضاوي 4: 191 .

59) القمي 2: 217 .

60-61) المصدر ، عن ابي جعفرعليه السلام .

62) البيضاوي 4: 191 .

63) القمي 2: 218 .

64) فت الشي‏ء يفته فتا: دقه وكسره باصابعه . لسان العرب 10: 169 (فتت) .

65) في «الف‏» والمصدر: «فقال‏» .

66) الاسراء (17): 49 و 98 .

67) العياشي 2: 296 ، الحديث: 89 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

68) في «ب‏»: «روح المؤمن‏» .

69) السقاء: جلد السخلة اذا جذع يكون للماء واللبن ، والجمع: اسقية واساقي . مجمع البحرين 1: 221 (سقا) .

70) الاحتجاج 2: 98 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، مع تفاوت يسير .

71) المرخ: شجر كثير الوري سريعه . لسان العرب 13: 68 (مرخ) .

72) العفار: شجر يتخذ منه الزناد . لسان العرب 9: 287 (عفر) .

73) القمي 2: 218 .

74) البيضاوي 4: 192 .

75) الاحتجاج 1: 14 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

76) زاوله مزاولة: طالبه . القاموس المحيط 3: 402 (زول) .

77) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 173 ، الباب: 12 ، قطعة من حديث: 1 .

78) نهج البلاغة: 274 ، الخطبة: 186 .

79) المصدر: 258 ، الخطبة: 179 ، وفيه: «مريد بلا همة‏» .

80) القمي 2: 218 .