[مكية ، وهي ثلاث وثمانون آية] (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
«يس» قد مضى نظائره . قال: «هو اسم من اسماء النبيصلى الله عليه وآله ، ومعناه: يا ايها السامع الوحي» (2) . «والقرآن الحكيم» الواو للقسم .
«انك لمن المرسلين» .
«على صراط مستقيم» قال: «على الطريق الواضح» (3) . «تنزيل العزيز الرحيم» قال: «القرآن» (4) . «لتنذر قوما» قال: «لتنذر القوم الذين انت فيهم» (5) . «ما انذر آباؤهم فهم غافلون» قال: «عن الله ، وعن رسوله ، وعن وعيده» (6) . «لقد حق القول على اكثرهم» قال: «ممن لا يقرون بولاية امير المؤمنين والائمة من بعده» (7) . «فهم لا يؤمنون» قال: «بامامة اميرالمؤمنين والاوصياء من بعده ، فلما لم يقروا كانت عقوبتهم ما ذكر الله» (8) . «انا جعلنا في اعناقهم اغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمحون» القمي: قد رفعوا رؤوسهم (9) . «وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون» .
قال: «يقول: فاعميناهم فهم لا يبصرون الهدى ، اخذ الله سمعهم وابصارهم وقلوبهم ، فاعماهم عن الهدى» (10) .وقال: «هذا في الدنيا ، وفي الآخرة في نار جهنم مقمحون» (11) .قيل: تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم ، بحيث لا تغني الآيات والنذر ; بتمثيلهم بالذين غلت اعناقهم ، والاغلال واصلة الى اذقانهم ، فلا تخليهم يطاطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم ، غاضون ابصارهم في انهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون اعناقهم نحوه ، ولا يطاطئون رؤوسهم له ، وبمن احاط بهم سدان فغطى ابصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم ، في انهم محبوسون في مطمورة (12) الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل (13) . «وسواء عليهم ا انذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون» .
«انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة واجر كريم» .
«انا نحن نحيى الموتى»: الاموات بالبعث ، والجهال بالهداية «ونكتب ما قدموا»: ما اسلفوا من الاعمال الصالحة والطالحة «وآثارهم» كعلم علموه ، وخطوة مشوا بها الى المساجد ، وكاشاعة باطل ، وتاسيس ظلم . «وكل شيء احصيناه في امام مبين» القمي: اي: في كتاب مبين (14) .وعن امير المؤمنينعليه السلام قال: «انا والله الامام المبين ; ابين الحق من الباطل ، ورثته من رسول اللهصلى الله عليه وآله» (15) .وعن النبيصلى الله عليه وآله: «ما من علم الا علمنيه ربي وانا علمته عليا ، وقد احصاه الله في ، وكل علم علمت فقد احصيته في امام المتقين ، وما من علم الا علمته عليا» (16) .وقال: «لما نزلت هذه الآية قام ابو بكر وعمر من مجلسهما وقالا: يا رسول الله هو التوراة؟ قال: لا . قالا: فهو الانجيل؟ قال: لا . قالا: فهو القرآن؟ قال لا . قال: فاقبل امير المؤمنينعليه السلام فقال رسول اللهصلى الله عليه وآله: هو هذا ، انه الامام الذي احصى الله فيه علم كل شيء» (17) . «واضرب لهم مثلا اصحاب القرية اذ جاءها المرسلون» قيل: ارسلهم الله ، او ارسلهم عيسى بامر الله (18) . «اذ ارسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا انا اليكم مرسلون» .
«هي قرية انطاكية (19) ،ارسل اليهم رسولان ، فغلظوا عليهما وحبسوهما في بيت الاصنام ، فبعث الله الثالث . فقال لهم: احببت ان اعبد اله الملك ، فامر الملك ان ادخلوه الى بيت الآلهة . فمكثسنة مع صاحبيه ، فقال لهما: بهذا ينقل قوم من دين الى دين ، بالخرق؟! افلا رفقتما ، ثم قال لهما: لا تقران بمعرفتي ، وقال للملك: رايت رجلين في بيت الآلهة ، فما حالهما؟ قال: هذان رجلان اتياني ببطلان ديني ، ويدعواني الى اله سماوي ، فقال: ايها الملك فمناظرة جميلة ، فان يكن الحق لهما تبعناهما ، وان يكن الحق لنا دخلا معنا في ديننا . فلما دخلا اليه قال لهما صاحبهما: ما الذي جئتما به؟ قالا: جئنا ندعوه الى عبادة الله ; الذي خلق السموات والارض ، ويخلق في الارحام ما يشاء ، ويصور كيف يشاء ، وانبت الاشجار والثمار ، وانزل القطر من السماء . فقال لهما: هذا الذي تدعوان اليه والى عبادته ان جئنا باعمى يقدر ان يرده صحيحا؟ قالا: ان سالناه ان يفعل ، فعل ان شاء . قال: ايها الملك علي باعمى لم يبصر شيئا قط ، فاتي به ، فقال لهما: ادعوا الهكما ان يرد بصر هذا . فقاما وصليا ركعتين ، فاذا عيناه مفتوحتان وهو ينظر الى السماء ، ففعل صاحبهما مثل فعلهما باعمى آخر . فاتيا بمقعد فدعوا الله فاطلقت رجلاه ، ففعل صاحبهما مثله بمقعد آخر . فقال: ايها الملك! قد اتيا بحجتين وآتينا بمثلهما ، ولكن ان احيا الههما ابنك الذي مات دخلت معهما في دينهما ، فقال له الملك: وانا ايضا معك ، فخرا ساجدين لله واطالا السجود ، ثم رفعا رؤوسهما وقالا للملك: ابعث الى قبر ابنك تجده قد قام من قبره ان شاء الله . فخرج الناس ينظرون ، فوجدوه قد خرج من قبره ينفض راسه من التراب . فقال له: يا بني ما حالك؟ قال: كنت ميتا ، فرايت رجلين ساجدين يسالان الله ان يحييني . قال: فتعرفهما اذا رايتهما؟ قال: نعم . فكان يمر عليه رجل بعد رجل ، فمر احدهما بعد جمع كثير فقال هذا احدهما ، ثم مر الآخر فعرفهما واشار بيده اليهما . فآمن الملك واهل مملكته» . كذا ورد (20) .وفي رواية: «ان الثالث كان شمعون الصفا راس الحواريين ، وانه كان يدعو معهما سرا ، فقام الميت وقال: وانا احذركم ما انتم فيه ، فآمنوا بالله ، فتعجب الملك ، فلما علم شمعون ان قوله اثر في الملك دعاه الى الله ، فآمن وآمن من اهل مملكته قوم وكفر آخرون» (21) . «قالوا ما انتم الا بشر مثلنا» لا مزية لكم تقتضي اختصاصكم بماتدعون «وما انزل الرحمن من شيء»: من وحي ورسالة «ان انتم الا تكذبون» .
«قالوا ربنا يعلم انا اليكم لمرسلون» . «وما علينا الا البلاغ المبين» .
«قالوا انا تطيرنا بكم»: تشامنا . قيل: ذلك لاستغرابهم ما ادعوه وتنفرهم بهم (22) .والقمي: تطيرنا باسمائكم (23) . «لئن لم تنتهوا» عن مقالتكم هذه «لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم» . «قالوا طائركم معكم»: سبب شؤمكم معكم ، وهو سوء عقيدتكم واعمالكم : «ا ان ذكرتم»: ائن وعظتم به تطيرتم وتوعدتم ، فحذف الجواب . «بل انتم قوم مسرفون» .
«وجاء من اقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين» . القمي: نزلت في حبيب النجار ، الى قوله: "من المكرمين" (24) . ورد: «الصديقون ثلاثة: حبيب النجار ، مؤمن آل يس الذي يقول "اتبعوا المرسلين" ; وحزقيل ، مؤمن آل فرعون ; وعلي بن ابي طالب ، وهو افضلهم» (25) . «اتبعوا من لا يسالكم اجرا» على النصح وتبليغ الرسالة «وهم مهتدون» الى خير الدارين .
«وما لي لا اعبد الذي فطرني و اليه ترجعون» . تلطف في الارشاد ، بايراده في معرض المناصحة لنفسه وامحاض النصح ، حيث اراد لهم ما اراد لنفسه ، والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم الى عبادة غيره ، ولذلك قال: "واليه ترجعون" مبالغة في التهديد ، ثم عاد الى المساق الاول .
«ا اتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون» .
«اني اذا لفي ضلال مبين» .
«اني آمنتبربكم» الذي خلقكم ; او هو خطاب للرسل ، بعد ما اراد القوم ان يقتلوه «فاسمعون»: فاسمعوا ايماني .
«قيل ادخل الجنة» . قيل له ذلك لما قتلوه ، بشرى بانه من اهل الجنة ، او اكراما واذنا في دخولها . «قال يا ليت قومي يعلمون» .
«بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين» . روي: «انه نصح قومه حيا وميتا» (26) . «وما انزلنا على قومه من بعده من جند من السماء» لاهلاكهم ، كما ارسلنا يوم بدر والخندق ، بل كفينا امرهم بصيحة «وما كنا منزلين» . «ما» نافية او موصولة معطوفة على جند ، اي: ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح ونحوهما .
«ان كانت الا صيحة واحدة» صاح بها جبرئيل «فاذا هم خامدون»: ميتون ، شبهوا بالنار رمزا ; الى ان الحي كالنار الساطع والميت كرمادها .
«يا حسرة على العباد» تعالى فهذا اوانك ، وفي قراءتهمعليهم السلام: «يا حسرة العباد» (27) . «ما ياتيهم من رسول الا كانوا به يستهزءون» .
«الم يروا كم اهلكنا قبلهم من القرون ا نهم اليهم لا يرجعون» .
«و ان كل لما جميع لدينا محضرون» ان شدد «لما» فهو بمعنى الا ، وان خفف ف «ان» مخففة ، و«ما» مزيدة للتاكيد .
«وآية لهم الارض الميتة احييناها واخرجنا منها حبا فمنه ياكلون» فانه معظم ما يؤكل ويعاش به .
«وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون» .
«لياكلوا من ثمره»: ثمر ما ذكر «وما عملته ايديهم» مما يتخذ منه ، كالعصير والدبس ونحوهما ، وقيل: «ما» نافية (28) . «افلا يشكرون» . «سبحان الذي خلق الازواج كلها»: الانواع والاصناف «مما تنبت الارض» من النبات والشجر «ومن انفسهم» الانثى والذكر «ومما لا يعلمون»: وازواجا مما لا يطلعهم الله عليه .
«وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» نزيله ونكشف عن مكانه ; مستعار من سلخ الشاة «فاذا هم مظلمون»: داخلون في الظلام .
قال: «يعني قبض محمدصلى الله عليه وآله وسلم ، وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل اهل بيته» (29) . «والشمس تجري لمستقر لها»: لحد معين ينتهي اليه دورها ، وفي قراءتهمعليهم السلام: «لا مستقر لها» (30) ،اي: لا سكون لها فانها متحركة دائما . «ذ لك تقدير العزيز العليم» . «والقمر قدرناه»: قدرنا مسيره «منازل» وهي ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه «حتى عاد كالعرجون القديم» كالشمراخ (31) المعوج العتيق .
«لا الشمس ينبغي لها»: يصح لها ويتسهل «ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون»: يسيرون فيه بانبساط .
قال: «يقول: الشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، لا ينبغي للشمس ان تكون مع ضوء القمر بالليل ، ولا يسبق الليل النهار: يقول: لا يذهب الليل حتى يدركه النهار ، "وكل في فلك يسبحون": يقول: يجيء وراء الفلك الاستدارة» (32) .وفي رواية: «ان النهار خلق قبل الليل وقوله تعالى: "ولا الليل سابق النهار" اي: قد سبقه النهار» (33) . «وآية لهم ا نا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون»: المملوء ، اي: سفينة نوح ، كما في قوله: "ذرية من حملنا مع نوح" (34) .سئل في حديث: فما التسعون؟ قال: «الفلك المشحون ، اتخذ نوحعليه السلام فيه تسعين بيتا للبهائم» (35) .قيل: حمل الله ذريتهم فيها ، حمله آباءهم الاقدمين وفي اصلابهم ذرياتهم ، وتخصيص الذرية لانه ابلغ في الامتنان وادخل في التعجيب مع الايجاز (36) .والقمي: السفن الممتلئة (37) ،وعمم الفلك ; فالمراد بالذرية اولادهم الذين يبعثونهم الى تجاراتهم ، او صبيانهم ونسائهم .
«وخلقنا لهم من مثله»: من مثل الفلك «ما يركبون» من السفن والزوارق، على المعنى الاول; ومن الانعام والدواب، ولا سيما الابل، فانها سفائن البر، على المعنى الاخير .
«و ان نشا نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون» . «الا رحمة منا ومتاعا الى حين» .
«و اذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم» قال: «من الذنوب» (38) . «وما خلفكم» قال: «من العقوبة» (39) . «لعلكم ترحمون» جواب اذا محذوف دل عليه ما بعده ، كانه قيل: اعرضوا .
«وما تاتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين» .
«و اذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا انطعم من لو يشاء الله اطعمه ان انتم الا في ضلال مبين» . اما تهكم بهم من اقرارهم بالله وتعليقهم الامور بمشيئة الله ، واما ايهام بان الله لما كان قادرا ان يطعمهم فلم يطعمهم فنحن احق بذلك ، وهذا من فرط جهالتهم ، فان الله يطعم باسباب منها حث الاغنياء على اطعام الفقراء ، وتوفيقهم له .
«ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين» يعنون وعد البعث .
«ما ينظرون»: ما ينتظرون «الا صيحة واحدة» هي النفخة الاولى «تاخذهم وهم يخصمون»: يختصمون في متاجرهم ومعاملاتهم .
«فلا يستطيعون توصية ولا الى اهلهم يرجعون» القمي: ذلك في آخر الزمان ، يصاح فيهم صيحة وهم في اسواقهم يتخاصمون ، فيموتون كلهم في مكانهم ، لا يرجع احد الى منزله ولا يوصى بوصية (40) .و ورد: «الرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فما يطويانه حتى تقوم الساعة . والرجل يرفع اكلته الى فيه فما تصل الى فيه حتى تقوم . والرجل يليط حوضه ليسقى ماشيته فما يسقيها حتى تقوم» (41) . «ونفخ في الصور» اي: مرة ثانية ، كما ياتي في سورة الزمر (42) . «فاذا هم من الاجداث»: من القبور «الى ربهم ينسلون»: يسرعون .
«قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . وفي قراءتهمعليهم السلام: «من بعثنا» (43) على من الجارة والمصدر . «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون» .
قال: «فان القوم كانوا في القبور ، فلما قاموا حسبوا انهم كانوا نياما ، "قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا" قالت الملائكة: "هذا ما وعد الرحمن" الآية» (44) . «ان كانت الا صيحة واحدة» هي النفخة الاخيرة «فاذا هم جميع لدينا محضرون» بمجرد الصيحة ، وفي ذلك تهوين امر البعث والحشر ، واستغناؤهما عن الاسباب التي ينوط بها فيما يشاهدونه .
قال: «كان ابوذررضى الله عنه يقول في خطبة: ما بين الموت والبعث الا كنومة نمتها ثم استيقظت منها» (45) . «فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون الا ما كنتم تعملون» .
«ان اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون»: متلذذون . قال: «شغلوا بافتضاض العذارى . قال: وحواجبهن كالاهلة ، واشفار اعينهن . «هم وازواجهم في ظلال على الارائك متكؤون» . قال: «الارائك: السرر عليها الحجال» (47) .و ورد: «اذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا» (48) . «لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون»: يتمنون ، من قولهم: ادع علي ما شئت ، اي: تمنه . كذا قيل (49) . «سلام قولا من رب رحيم» يقال لهم قولا كائنا من جهته ، يعني: ان الله يسلم عليهم . القمي: السلام منه هو الامان (50) . «وامتازوا اليوم ايها المجرمون» وانفردوا عن المؤمنين ، وذلك حين يسار بالمؤمنين الى الجنة ، كقوله: "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون" (51) . «الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان» جعلها عبادة الشيطان ، لانه الآمر بها المزين لها ، وقد ثبت ان من اطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده . و ورد: «من اطاع رجلا في معصية فقد عبده» (52) . «انه لكم عدو مبين» . «وان اعبدوني هذا صراط مستقيم» .
«ولقد اضل منكم جبلا كثيرا»: خلقا كثيرا «افلم تكونوا تعقلون» .
«هذه جهنم التي كنتم توعدون» . «اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون» .
«اليوم نختم على افواههم»: نمنعها عن الكلام «وتكلمنا ايديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون» .
قال: «وليست تشهد الجوارح على مؤمن ، انما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب ، فاما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه» (53) . «ولو نشاء لطمسنا على اعينهم» لمسحنا اعينهم حتى تصير ممسوحة «فاستبقوا الصراط»: الى الطريق الذي اعتادوا سلوكه «فا نى يبصرون» الطريق وجهة السلوك فضلا عن غيره .
«ولو نشاء لمسخناهم» بتغيير صورهم وابطال قواهم «على مكانتهم»: مكانهم ، بحيثيخمدون فيه . القمي: في الدنيا (54) . «فما استطاعوا مضيا»: ذهابا «ولا يرجعون» . «ومن نعمره»: نطل عمره «ننكسه في الخلق»: نقلبه فيه ; فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه ، عكس ما كان عليه بدو امره «افلا يعقلون» ان من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ ، فانه مشتمل عليهما وزيادة ، غير انه على تدرج .
«وما علمناه الشعر» بتعليم القرآن ، يعني ليس ما انزلنا عليه من صناعة الشعر في شيء ، اي: مما يتوخاه الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة ونحوهما ، مما لا حقيقة له ولا اصل ; وانما هو تمويه محض ، موزونا كان او غير موزون . «وما ينبغي له» يعني هذه الصناعة . القمي: كانت قريش تقول: ان هذا الذي يقوله محمد شعر ، فرد الله عزوجل عليهم (55) . «ان هو الا ذكر»: عظة «وقرآن مبين»: كتاب سماوي يتلى في المعابد . «لينذر من كان حيا» قال: «اي: عاقلا» (56) .والقمي: اي: مؤمنا حي القلب (57) . «ويحق القول»: وتجب كلمة العذاب «على الكافرين» المصرين على الكفر .
«او لم يروا ا نا خلقنا لهم مما عملت ايدينا» قيل: يعني مما تولينا احداثه ولم يقدر على احداثه غيرنا ، وذكر الايدي واسناد العمل اليها استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص ، والتفرد الاحداث (58) .والقمي: اي: بقوتنا خلقناها (59) . «انعاما» خصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع . «فهم لها مالكون»: يتصرفون فيها .
«وذللناها لهم فمنها ركوبهم»: مركوبهم «ومنها ياكلون» .
«ولهم فيها منافع» مما يكسبون بها ، ومن الجلود والاصواف والاوبار «ومشارب» من البانها «افلا يشكرون» .
«واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون»: رجاء ان ينصروهم .
«لا يستطيعون نصرهم» قال: «يقول: لا يستطيع الآلهة لهم نصرا» (60) «وهم لهم»: «للآلهة» (61) . «جند محضرون» قيل: اي: معدون لحفظهم والذب عنهم ، او محضرون اثرهم في النار (62) . «فلا يحزنك قولهم انا نعلم ما يسرون وما يعلنون» .
«او لم ير الانسان ا نا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين» القمي: اي: ناطق عالم بليغ (63) . «وضرب لنا مثلا»: امرا عجيبا ، وهو نفي القدرة على احياء الموتى «ونسي خلقه»: خلقنا اياه «قال من يحي العظام وهي رميم» منكرا اياه ، مستبعدا له ، والرميم: ما بلي من العظام .
قال: «جاء ابي بن خلف فاخذ عظما باليا من حائط ففته (64) ،ثم قال (65) : يا محمد "اذا كنا عظاما ورفاتا ائنا لمبعوثون خلقا" (66) ؟! فنزلت» (67) . «قل يحييها الذي انشاها اول مرة وهو بكل خلق عليم» يعلم تفاصيل المخلوقات ، وكيفية خلقها ، واجزاءها المتفتة ، المتبددة اصولها وفروعها ، ومواقعها وطريق تمييزها ، وضم بعضها الى بعض .
قال: «ان الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن (68) في ضياء وفسحة ، وروح المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا كما منه خلق ، وما يقذفه به السباع والهوام من اجوافها مما اكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض ، ويعلم عدد الاشياء ووزنها ، وان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فاذا كان حين البعث مطرت الارض مطر النشور ، فتربو الارض فتمخض مخض السقاء (69) ،فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن اذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب الى قالبه ، فينتقل باذن الله القادر الى حيث الروح ، فتعود الصور باذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ; فاذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا» (70) . «الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون» القمي: وهو المرخ (71) والعفار (72) ; يكون في ناحية من بلاد العرب ، فاذا ارادوا ان يستوقدوا اخذوا من ذلك الشجر ، ثم اخذوا عودا فحركوه فيه فيستوقدون منه النار (73) .قيل: يسحقون المرخ على العفار - وهما خضراوان - يقطر منهما الماء ; فتنقدح النار (74) . «او ليس الذي خلق السموات والارض» مع كبر جرمهما وعظم شانهما «بقادر على ان يخلق مثلهم» في الصغر والحقارة «بلى وهو الخلاق العليم»: كثير المخلوقات والمعلومات . «وهذه كلها جدال بالتي هي احسن ، امر الله تعالى نبيه ان يجادل به من جحد البعثبعد الموت» . كذا ورد (75) . «انما امره»: انما شانه «اذا اراد شيئا ان يقول له كن»: تكون «فيكون» . وهو تمثيل لتاثير قدرته في مراده بامر المطاع للمطيع في حصول المامور ، من غير امتناع وتوقف وافتقار الى مزاولة (76) عمل واستعمال آلة ، قطعا لمادة الشبهة . قال: «كن منه صنع ، وما يكون به المصنوع» (77) .وقال: «انما كلامه سبحانه فعل منه انشاه . قال: يقول ولا يلفظ ، ويريد ولا يضمر» (78) .وقال: «يريد بلا همة» (79) .والقمي: خزائنه في الكاف والنون (80) . «فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء» . تنزيه له عما ضربوا له ، وتعجيب عما قالوا فيه ، و"ملكوت كل شيء": ما يقوم به ذلك الشيء من عالم الارواح والملائكة . «و اليه ترجعون» . وعد ووعيد للمقرين والمنكرين .
الهوامش:
1) ما بين المعقوفتين من «ب» .
2) معاني الاخبار: 22 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
3-4) القمي 2: 211 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
5-6) الكافي 1: 432 ، الحديث: 90 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
7-8) الكافي 1: 432 ، الحديث: 90 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
9) القمي 2: 212 .
10) المصدر ، عن ابي جعفرعليه السلام .
11) الكافي 1: 432 ، ذيل الحديث: 90 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
12) المطمورة: حفيرة تحت الارض يوسع اسافلها . تاج العروس 12: 433 .
13) البيضاوي 4: 185 .
14-15) القمي 2: 212 .
16) الاحتجاج 1: 74 ، مع تفاوت .
17) معاني الاخبار: 95 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفر ، عن ابيه ، عن جدهعليهم السلام .
18) مجمع البيان 7 - 8 :: 420 ; زاد المسير (لابن الجوزي) 6: 266 .
19) انطاكية: وهي من اعيان البلاد وامهاتها ، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير . وقال ابن بطلان: وخرجنا من حلب طالبين انطاكية وبينهما يوم وليلة ، فوجدنا المسافة التي بين حلب وانطاكية عامرة لا خراب فيها اصلا . ولم تزل انطاكية قصبة العواصم من الثغور الشامية . واول من بنى انطاكية «انطيخس» وهو الملك الثالثبعد الاسكندر . وقيل: اول من بناها وسكنها «انطاكية» بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوحعليه السلام، اخت انطالية باللام . معجم البلدان 1: 266.
20) القمي 2: 213 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
21) مجمع البيان 7 - 8 : 420 ، في رواية عن وهب بن منبة .
22) البيضاوي 4: 186 .
23-24) القمي 2: 214 .
25) الامالي (للصدوق): 385 ، المجلس: 72 ، الحديث: 6 ، عن النبيصلى الله عليه وآله .
26) جوامع الجامع: 392 .
27) مجمع البيان 7 - 8 : 420 ، عن علي بن الحسينعليهما السلام .
28) الكشاف 3: 322 ; البيضاوي 4: 188 .
29) الكافي 8 : 380 ، قطعة من حديث: 574 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
30) مجمع البيان 7 - 8 : 423 ، عن السجاد والباقر والصادقعليهم السلام .
31) الشمراخ والشمروخ: العثكال ، وهو ما يكون فيه الرطب ، وكل غصن من اغصانه شمراخ . مجمع البحرين 2: 436 ; النهاية 2: 500 (شمرخ) .
32) القمي 2: 214 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
33) مجمع البيان 7 - 8 : 425 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .
34) الاسراء (17): 3 .
35) الخصال 2: 598 ، قطعة من حديث: 1 ، عن امير المؤمنينعليه السلام .
36) البيضاوي 4: 188 .
37) القمي 2: 215 .
38-39) مجمع البيان 7 - 8 : 427 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
40) القمي 2: 215 .
41) مجمع البيان 7 - 8 : 427 .
42) الزمر (39): 68 .
43) جوامع الجامع: 394 ، عن امير المؤمنينعليه السلام .
44) القمي 2: 216 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
45) الكافي 2: 134 ، الحديث: 18 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
46) مجمع البيان 7 - 8 : 429 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
47) القمي 2: 216 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
48) المصدر: 247 ; الكافي 8 : 97 ، قطعة من حديث: 69 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، عن رسول اللهصلى الله عليه وآله .
49) البيضاوي 4: 190 .
50) القمي 2: 216 .
51) الروم (30): 14 .
52) الكافي 2: 398 ، الحديث: 8 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
53) الكافي 2: 32 ، ذيل الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
54-55) القمي 2: 217 .
56) مجمع البيان 7 - 8 : 432 ، عن امير المؤمنينعليه السلام .
57) القمي 2: 217 .
58) البيضاوي 4: 191 .
59) القمي 2: 217 .
60-61) المصدر ، عن ابي جعفرعليه السلام .
62) البيضاوي 4: 191 .
63) القمي 2: 218 .
64) فت الشيء يفته فتا: دقه وكسره باصابعه . لسان العرب 10: 169 (فتت) .
65) في «الف» والمصدر: «فقال» .
66) الاسراء (17): 49 و 98 .
67) العياشي 2: 296 ، الحديث: 89 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
68) في «ب»: «روح المؤمن» .
69) السقاء: جلد السخلة اذا جذع يكون للماء واللبن ، والجمع: اسقية واساقي . مجمع البحرين 1: 221 (سقا) .
70) الاحتجاج 2: 98 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام ، مع تفاوت يسير .
71) المرخ: شجر كثير الوري سريعه . لسان العرب 13: 68 (مرخ) .
72) العفار: شجر يتخذ منه الزناد . لسان العرب 9: 287 (عفر) .
73) القمي 2: 218 .
74) البيضاوي 4: 192 .
75) الاحتجاج 1: 14 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
76) زاوله مزاولة: طالبه . القاموس المحيط 3: 402 (زول) .
77) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 173 ، الباب: 12 ، قطعة من حديث: 1 .
78) نهج البلاغة: 274 ، الخطبة: 186 .
79) المصدر: 258 ، الخطبة: 179 ، وفيه: «مريد بلا همة» .
80) القمي 2: 218 .