سورة سبا

[مكية ، وهي اربع وخمسون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الارض‏» كله نعمة من الله ، فله الحمد في الدنيا «وله الحمد في الآخرة‏» لان نعمها ايضا من الله كلها «وهو الحكيم‏»: الذي احكم امر الدارين «الخبير» ببواطن الاشياء .

«يعلم ما يلج‏»: يدخل «في الارض‏» من مطر او كنز او ميت «وما يخرج منها» من ماء او فلز ، او نبات او حيوان «وما ينزل من السماء» من مطر او ملك او رزق «وما يعرج فيها» من عمل او ملك «وهو الرحيم الغفور» للمقصرين في شكر نعمه .

«وقال الذين كفروا لا تاتينا الساعة‏» . انكار لمجيئها ، او استبطاء استهزاء بالوعد به . «قل بلى وربي‏» . رد لكلامهم واثبات لما نفوه . «لتاتينكم عالم الغيب‏» . تكرير لايجابه ، مؤكدا بالقسم ، مقررا له بوصف المقسم به بصفات تقرر امكانه ، وتنفي استبعاده . «لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا اصغر من ذ لك ولا اكبر الا في كتاب مبين‏» . رفعهما بالابتداء ، والجملة تاكيد لنفي العزوب . «ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏» . علة لاتيانها وبيان لما يقتضيه «اولئك لهم مغفرة ورزق كريم‏» لا تعب فيه ولا من عليه .

«والذين سعوا في آياتنا» بالابطال وتزهيد الناس فيها «معاجزين‏»: مسابقين كي يفوتونا . وعلى قراءة . «معجزين‏» (2) .اي: مثبطين عن الايمان من اراده . «اولئك لهم عذاب من رجز»: من سي‏ء العذاب «اليم‏» .

«ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق ويهدي الى صراط العزيز الحميد» . القمي: هو امير المؤمنين‏عليه السلام صدق رسول الله بما انزل الله عليه (3) . «وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل‏» يعنون النبي‏صلى الله عليه وآله «ينبئكم‏»: يحدثكم باعجب الاعاجيب «اذا مزقتم كل ممزق‏»: تفرق اجسادكم كل تفريق «انكم لفي خلق جديد»: تنشؤون خلقا جديدا .

«افترى على الله كذبا ام به جنة‏»: جنون ، يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه . «بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد» رد من الله عليهم ترديدهم .

«افلم يروا الى ما بين ايديهم وما خلفهم‏»: ما احاط بجوانبهم «من السماء والارض‏» مما يدل على كمال قدرة الله ، وانهم في سلطانه تجري عليهم قدرته «ان نشا نخسف بهم الارض او نسقط عليهم كسفا من السماء ان في ذ لك‏»: النظر والفكر فيهما وما يدلان عليه «لآية‏»: لدلالة «لكل عبد منيب‏»: راجع الى ربه ، فانه يكون كثير التامل في امره .

«ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال اوبي معه‏»: رجعي معه التسبيح «والطير» رجعي ايضا ، او انت والطير «والنا له الحديد»: جعلنا في يده كالشمع ، يصرفه كيف يشاء من غير احماء وطرق ; وقد سبق نحوه في سورة الانبياء (4) .القمي: كان داودعليه السلام اذا مر بالبراري يقرا الزبور ، تسبح الجبال والطير معه والوحوش ، والان الله له الحديد مثل الشمع ، حتى كان يتخذ منه ما احب (5) . «ان اعمل سابغات‏»: دروعا واسعات «وقدر في السرد»: في نسجها بحيث‏يتناسب حلقها ، او في مساميرها في الرقة والغلظ . قال: «الحلقة بعد الحلقة‏» (6) .والقمي: المسامير التي في الحلقة (7) «واعملوا صالحا اني بما تعملون بصير» . «ولسليمان الريح‏»: وسخرنا له الريح «غدوها شهر ورواحها شهر» القمي: كانت الريح تحمل كرسي سليمان ، فتسير به في الغداة مسيرة شهر وبالعشي مسيرة شهر (8) . «واسلنا له عين القطر» القمي: الصفر (9) .وقيل: اسال له النحاس المذاب من معدنه ، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ، ولذلك سماه عينا ، وكان ذلك باليمن (10) . «ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه‏»: بامره «ومن يزغ منهم عن امرنا»: ومن يعدل منهم عما امرناه من طاعة سليمان «نذقه من عذاب السعير» في الدنيا او في الآخرة .

«يعملون له ما يشاء من محاريب‏» قصورا حصينة ومساكن شريفة ، سميت‏بها لانها يذب عنها ويحارب عليها «وتماثيل‏»: وصورا . قال: «والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه‏» (11) . «وجفان‏»: صحاف «كالجواب‏»: كالحياض الكبار «وقدور راسيات‏»: ثابتات على الاثافي (12) لا تنزل عنها لعظمها . «اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور» . «فلما قضينا عليه الموت‏»: على سليمان «ما دلهم على موته الا دابة الارض‏»: الارضة ، والارض فعلها اضيفت اليه «تاكل منساته‏»: عصاه .

ورد: «انه امر الجن فصنعوا له قبة من قوارير ، فبينا هو متكئ على عصاه في القبة ، ينظر الى الجن كيف يعملون وينظرون اليه ، اذ حانت منه التفاته فاذا هو برجل معه في القبة ; ففزع منه ، فقال: من انت؟! قال: انا الذي لا اقبل الرشا ، ولا اهاب الملوك ، انا ملك الموت ، فقبضه وهو متكي على عصاه في القبة ، والجن ينظرون اليه . قال: فمكثوا سنة يدابون (13) له ، حتى بعث الله الارضة فاكلت منساته ، وهي العصا» (14) . «فلما خر تبينت الجن ان لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين‏» .

قال: «والله ما نزلت هذه الآية هكذا ، وانما نزلت: فلما خر تبينت الانس ان الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين‏» (15) . القمي: وذلك ان الانس كانوا يقولون: ان الجن يعلمون الغيب ، فلما سقط سليمان على وجهه علموا: ان لو يعلم الجن الغيب لم يعملوا سنة لسليمان وهو ميت ويتوهمونه حيا (16) . «لقد كان لسبا»: لاولاد سبا «في مسكنهم‏» باليمن حيث اجرى لهم سليمان خليجا من البحر العذب الى بلاد الهند . كذا قاله القمي (17) . «آية‏»: علامة دالة على قدرة الله على ما يشاء «جنتان عن يمين وشمال‏» . قيل: جماعتان من البساتين ، كل واحدة منها في تقاربها وتضايقها (18) كانه جنة واحدة ، احداهما عن يمين بلدهم والاخرى عن شمالها (19) . القمي: عن مسيرة عشرة ايام ، فيها يمر المار لا تقع عليه الشمس من التفافها (20) . «كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور» .

«فاعرضوا» عن الشكر . القمي: عملوا بالمعاصي ، وعتوا عن امر ربهم (21) . «فارسلنا عليهم سيل العرم‏»القمي: اي: العظيم الشديد (22) . «وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى اكل خمط‏»: مر بشع (23) «واثل وشي‏ء من سدر قليل‏» . معطوفان على «اكل‏» لا «خمط‏» ، فان الاثل هو الطرفاء ولا ثمر له ، ووصف السدر بالقلة ، لان جناه وهو النبق مما يطيب اكله ، وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم .

«ذ لك جزيناهم بما كفروا»: بكفرانهم النعمة «وهل نجازي‏» بمثل ذلك «الا الكفور» .

«وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها» بالتوسعة على اهلها . قيل: هي قرى الشام (24) .والقمي: مكة (25) . «قرى ظاهرة‏»: متواصلة يظهر بعضها لبعض «وقدرنا فيها السير» بحيث‏يقيل الغادي في قرية ويبيت في اخرى . «سيروا فيها ليالي واياما»: متى شئتم من ليل او نهار «آمنين‏» .

«فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا»: اشروا النعمة وملوا العافية . وفي قراءتهم‏عليهم السلام: «باعد» (26) بلفظ الخبر ; فهو شكوى منهم لبعد سفرهم ، افراطا في الترفيه . «وظلموا انفسهم‏» حيث‏بطروا النعمة «فجعلناهم احاديث‏» يتحدث الناس بهم تعجبا ; وضرب مثل ، فيقولون: تفرقوا ايدي سبا ، اي: تفرقوا كتفرق ايدي سبا . «ومزقناهم كل ممزق‏»: وفرقناهم غاية التفريق ، حتى لحق كل قبيلة منهم بصقع . «ان في ذ لك لآيات لكل صبار شكور» .

قال: «هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم الى بعض ، وانهار جارية واموال ظاهرة ، فكفروا نعم الله عزوجل ، وغيروا ما بانفسهم من عافية الله ، فغير الله ما بهم من نعمة ، "وان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" (27) فارسل الله عليهم سيل العرم ، فغرق قراهم وخرب ديارهم ، وذهب باموالهم وابدلهم مكان جنتيهم جنتين ذواتي اكل ، الآية‏» (28) .وفي رواية: «بل فينا ضرب الله الامثال في القرآن ، فنحن القرى التي بارك الله فيها ، وذلك قول الله عزوجل في من اقر بفضلنا ، حيث امرهم ان ياتونا "وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة" والقرى الظاهرة الرسل ، والنقلة عنا الى شيعتنا ، قال: والسير مثل للعلم سير به في الليالي والايام عنا اليهم ، في الحلال والحرام ، والفرائض والاحكام ، آمنين فيها اذا اخذوا من معدنها الذي امروا ان ياخذوا منه ، آمنين من الشك والضلال ، والنقلة من الحرام الى الحلال‏» (29) .وفي معناه اخبار اخر (30) . «ولقد صدق عليهم ابليس ظنه‏»: حقق ظنه ، " ولاغوينهم" (32) .وعلى التخفيف: صدق ظنه . «فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين‏» . «وما كان له عليهم من سلطان‏»: تسلط واستيلاء بوسوسة واستغواء «الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك‏»: ليتميز المؤمن من الشاك ، اريد بحصول العلم حصول متعلقه .

قال: «تاويل هذه الآية لما قبض رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، والظن من ابليس حين قالوا لرسول الله: انه ينطق عن الهوى ، فظن بهم ابليس ظنا ، فصدقوا ظنه‏» (33) . «وربك على كل شي‏ء حفيظ‏» .

«قل ادعوا الذين زعمتم‏» آلهة «من دون الله‏» فيما يهمكم «لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض‏»: في امرهما «وما لهم فيهما من شرك‏»: من شركة «وما له منهم من ظهير» يعينه على تدبير امرها .

«ولا تنفع الشفاعة عنده‏»: ولا تنفعهم شفاعة ايضا ، كما يزعمون «الا لمن اذن له‏» ان يشفع .

قال: «لا يشفع احد من انبياء الله ورسله يوم القيامة حتى ياذن الله له ، الا رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، فان الله قد اذن له في . «حتى اذا فزع عن قلوبهم‏» يعني يتربصون (35) فزعين ، حتى اذا كشف الفزع عن قلوبهم «قالوا»: قال بعضهم لبعض «ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير» .

قال: «وذلك ان اهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين ان بعث عيسى بن مريم الى ان بعث محمدصلى الله عليه وآله ، فلما بعث الله جبرئيل الى محمدصلى الله عليه وآله سمع اهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا ، فصعق اهل السماوات ، فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل‏عليه السلام كلما مر باهل سماء فزع عن قلوبهم ، يقول كشف عن قلوبهم . فقال بعضهم لبعض: " ماذا قال ربكم" الآية‏» (36) . «قل من يرزقكم من السموات والارض‏» تقرير لقوله: "لا يملكون" «قل الله‏» اذ لا جواب سواه ; وفيه اشعار بانهم ان سكتوا او تلعثموا (37) في الجواب مخافة الالزام ، فهم مقرون به بقلوبهم «و انا او اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين‏» اي: وان احد الفريقين من الموحدين والمشركين لعلى احد الامرين ; وهو ابلغ من التصريح ، لانه في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب . واختلاف الحرفين لان الهادي كمن صعد منارا ينظر الاشياء ويتطلع عليها ، او ركب جوادا يركضه حيث‏يشاء ، والضال كانه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى ، او محبوس في مطمورة لا يستطيع ان يتفصى منها .

«قل لا تسالون عما اجرمنا ولا نسال عما تعملون‏» هذا ادخل في الانصاف وابلغ في الاخبات ، حيث اسند الاجرام الى انفسهم والعمل الى المخاطبين .

«قل يجمع بيننا ربنا» يوم القيامة «ثم يفتح بيننا بالحق‏» يحكم ويفصل بان يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار «وهو الفتاح‏»: الحاكم الفاصل «العليم‏» بما ينبغي ان يقضى به .

«قل اروني الذين الحقتم به شركاء»: لارى باي صفة الحقتموهم بالله في استحقاق العبادة؟! وهو استفسار عن شبهتهم بعد الزام الحجة عليهم ; زيادة في تبكيتهم . «كلا» ردع عن المشاركة بعد ابطال المقايسة «بل هو الله العزيز الحكيم‏»: الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة ، وهؤلاء الملحقون متسمة بالذلة ، متابية عن قبول العلم والقدرة راسا .

«وما ارسلناك الا كافة للناس‏»: الا ارسالة عامة لهم «بشيرا ونذيرا ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏» فيحملهم جهلهم على مخالفتك . قال: «ارسله الى الناس كافة ، الى الابيض والاسواد والجن والانس‏» (38) .ورد: «ان الله تعالى امر جبرئيل فاقتلع الارض بريشة من جناحه ونصبها لرسول الله‏صلى الله عليه وآله ، فكانت‏بين يديه مثل راحته في كفه ، ينظر الى اهل الشرق والغرب ويخاطب كل قوم بالسنتهم ، ويدعوهم الى الله عزوجل والى نبوته بنفسه ، فما بقيت قرية ولا مدينة الا ودعاهم النبي بنفسه‏» (39) . «ويقولون متى هذا الوعد» الموعود بقوله: "يجمع بيننا ربنا" . «ان كنتم صادقين‏» .

«قل لكم ميعاد يوم لا تستاخرون عنه ساعة ولا تستقدمون‏» .

«وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه‏» ولا بما تقدمه من الكتب الدالة على البعث «ولو ترى اذ الظالمون موقوفون عند ربهم‏» في موضع المحاسبة «يرجع بعضهم الى بعض القول‏» يتحاورون «يقول الذين استضعفوا»: الاتباع «للذين استكبروا»: للرؤساء «لولا انتم‏» واضلالكم «لكنا مؤمنين‏» .

«قال الذين استكبروا للذين استضعفوا انحن صددناكم عن الهدى بعد اذ جاءكم بل كنتم مجرمين‏» حيث اعرضتم عن الهدى وآثرتم التقليد عليه .

«وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار» اضراب عن اضرابهم ، اي: لم يكن اجرامنا الصاد ، بل مكركم لنا ليلا ونهارا ، حتى اغرتم علينا راينا «اذ تامروننا ان نكفر بالله ونجعل له اندادا واسروا الندامة لما راوا العذاب‏»: واضمر الفريقان الندامة على الضلالة والاضلال، واخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير. سئل: وما يغنيهم اسرارهم الندامة. وهم في العذاب؟ قال: «يكرهون شماتة الاعداء» (40) . «وجعلنا الاغلال في اعناق الذين كفروا» اي: في اعناقهم . جاء بالظاهر تنويها بذمهم ، واشعارا بموجب اغلالهم . «هل يجزون الا ما كانوا يعملون‏» .

«وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون‏» تسلية لرسول الله‏صلى الله عليه وآله مما مني به من قومه . وتخصيص المتنعمين بالتكذيب ، لان الداعي المعظم الى التكبر والمفاخرة بزخارف الدنيا الانهماك في الشهوات ، والاستهانة بمن لم يحظ منها ، ولذلك ضموا المفاخرة والتهكم الى التكذيب .

«وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين‏» .

«قل ان ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر»: ويضيق على من يشاء ، وليس ذلك لكرامة وهوان «ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏» .

«وما اموالكم ولا اولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى‏»: قربة «الا من آمن وعمل صالحا» بانفاق ماله في سبيل الله ، وتعليم ولده الخير والصلاح «فاولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون‏» .

ورد: «الغني اذا كان وصولا برحمه بارا باخوانه ، اضعف الله له الاجر ضعفين ، لان الله يقول: "وما اموالكم" الآية‏» (41) . «والذين يسعون في آياتنا» بالرد والطعن «معاجزين اولئك في العذاب محضرون‏» .

«قل ان ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له‏» هذا في شخص واحد باعتبار وقتين ، وما سبق في شخصين فلا تكرير . «وما انفقتم من شي‏ء فهو يخلفه‏»عوضا ، اما عاجلا او آجلا . ورد: «من صدق بالخلف جاد بالعطية‏» (42) . «وهو خير الرازقين‏» فان غيره وسط في ايصال رزقه لا حقيقة لرازقيته . «ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة اهؤلاء اياكم كانوا يعبدون‏» . انما .

خصهم لانهم اشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم ، وهو تقريع للمشركين ، وتبكيت واقناط لهم عما يتوقعون من شفاعتهم .

«قالوا سبحانك انت ولينا من دونهم‏» لا موالاة بيننا وبينهم «بل كانوا يعبدون الجن‏» اي: الشياطين ، حيث اطاعوهم في عبادة غير الله «اكثرهم بهم مؤمنون‏» .

«فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا» اذ الامر فيه كله لله «ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون‏» .

«و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا» يعنون النبي‏صلى الله عليه وآله «الا رجل يريد ان يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا» يعنون القرآن «الا افك‏»: كذب «مفترى‏» على الله «وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم ان هذا الا سحر مبين‏» .

«وما آتيناهم من كتب يدرسونها»: تدعوهم الى ما هم عليه (43) «وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير» ينذرهم على تركه ، فمن اين وقع لهم هذه الشبهة؟! .

«وكذب الذين من قبلهم‏» رسلهم ، كما كذبوا «وما بلغوا معشار ما آتيناهم‏» قيل: وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا اولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال ; او ما بلغ اولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى (44) .اقول: كانه اريد - على التقديرين - ان اولئك كانوا احرى بتكذيب رسلهم من هؤلاء ، وعليه يحمل ما رواه القمي مرفوعا: «وما بلغ ما آتينا رسلهم معشار ما آتينا محمدا وآل محمد» (45) . او يحمل على ان المراد: ان فضائل محمد وآل محمد احرى بالحسد والتكذيب ، وايتاء محمد وآل محمد ايتاء لهم ; فلا ينافي الحديث ظاهر القرآن . «فكذبوا رسلي‏» لا تكرير فيه ، لان الاول مطلق والثاني مقيد . «فكيف كان نكير» اي: انكاري لهم بالتدمير ; فليحذر هؤلاء من مثله .

«قل انما اعظكم بواحدة‏» ارشدكم وانصح لكم بخصلة واحدة «ان تقوموا لله‏» معرضين عن المراء والتقليد «مثنى وفرادى‏»: متفرقين ، اثنين اثنين وواحدا واحدا ، فان الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول «ثم تتفكروا» في امري وما جئت‏به ، لتعلموا حقيته (46) «ما بصاحبكم من جنة‏»: فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك «ان هو الا نذير لكم بين يدي عذاب شديد» اي: قدامه .

«قل ما سالتكم من اجر فهو لكم‏» . قال: «معناه ان اجر ما دعوتكم اليه من اجابتي وذخره هو لكم دوني‏» (47) .وفي رواية يقول: «اجر المودة الذي لم اسالكم غيره فهو لكم ; تهتدون به ، وتنجون من عذاب يوم القيامة‏» (48) . «ان اجري الا على الله وهو على كل شي‏ء شهيد» .

«قل ان ربي يقذف بالحق‏»: يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده «علام الغيوب‏» .

«قل جاء الحق‏»: الاسلام «وما يبدى‏ء الباطل وما يعيد»: وزهق الباطل ، اي: الشرك ، بحيث لم يبق له اثر .

«قل ان ضللت‏» عن الحق «فانما اضل على نفسي‏»: فان وبال ضلالي عليها .

«و ان اهتديت فبما يوحي الي ربي انه سميع قريب‏» .

«ولو ترى اذ فزعوا» لرايت فظيعا «فلا فوت‏»: فلا يفوتون الله بهرب او حصن . قال: «اذ فزعوا من الصوت ، وذلك الصوت من السماء» (49) . «واخذوا من مكان قريب‏» . قال: «من تحت اقدامهم خسف بهم‏» (50) .وفي رواية: «لكاني انظر الى القائم وقد اسند ظهره الى الحجر ، الى ان قال: فاذا جاء الى البيداء (51) يخرج اليه جيش السفياني ، فيامر الله عزوجل الارض فتاخذ باقدامهم ، وهو قوله تعالى: "ولو ترى اذ فزعوا" الآية‏» (52) . «وقالوا آمنا به‏» قال: «يعني بالقائم من آل محمد» (53) . «وا نى لهم التناوش‏»: التناول ، يعني تناول الايمان «من مكان بعيد»: [من جانب بعيد من امره] (54) ،يعني بعد انقضاء زمان التكليف .

قال: «انهم طلبوا الهدى من حيث لا ينال ، وقد كان لهم مبذولا من حيث‏ينال‏» (55) . «وقد كفروا به من قبل‏» يعني اوان التكليف «ويقذفون بالغيب‏»: ويرجمون بالظن ، ويتكلمون بما لم يظهر لهم «من مكان بعيد»: من جانب بعيد من امره .

«وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏» قال: «يعني ان لا يعذبوا» (56) . «كما فعل باشياعهم من قبل‏» قال: «يعني من كان قبلهم من المكذبين هلكوا» (57) . «انهم كانوا في شك مريب‏» .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) التبيان 7: 329 ; مجمع البيان 7 - 8 : 79 ; البيضاوي 4: 170 .

3) القمي 2: 198 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

4) ذيل الآية: 79 .

5) القمي 2: 199 .

6) قرب الاسناد: 364 ، الحديث: 1305 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

7-8-9) القمي 2: 199.

10) البيضاوي 4: 171 .

11) الكافي 6: 527 ، الحديث: 7 ; مجمع البيان 7 - 8 : 383 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ; وفي الكافي 6: 477 ، الحديث: 3 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

12) الاثافي جمع الاثفية ، وهي الحجارة التي تنصب ويجعل القدر عليها . مجمع البحرين 1: 73 (ثفا) .

13) داب في عمله: جد وتعب . القاموس المحيط 1: 66 (داب) .

14) علل الشرائع 1:74 ، الباب: 64 ، الحديث: 3 ; مجمع البيان 7 - 8 : 384 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، مع اختلاف .

15) عيون اخبار الرضاعليه السلام 1: 266 ، الباب: 26 ، الحديث: 24 ; علل الشرائع 1: 74 ، الباب: 64 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

16-17) القمي 2: 200 .

18) في «ب‏»: «منهما في تقاربهما وتضايقهما» .

19) البيضاوي 4: 172 .

20-21) القمي 2: 200 .

22) القمي 2: 201 .

23) البشع من الطعام: الكريه فيه مرارة . القاموس المحيط 3: 5 (بشع) .

24) التبيان 8 : 389 ; مجمع البيان 7 - 8 : 387 ; البيضاوي 4: 173 .

25) القمي 2: 201 .

26) مجمع البيان 7 - 8 : 384 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

27) الرعد (13): 11 .

28) الكافي 2: 274 ، الحديث: 23 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

29) الاحتجاج 2: 63 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، مع اختلاف يسير .

30) الكافي 8 : 311 ، الحديث: 485 ; كمال الدين 2: 483 ، الباب: 45 ، الحديث: 2 ; الاحتجاج 2: 42 .

31) النساء (4): 119.

32) الحجر (15): 39 .

33) الكافي 8 : 345 ، ذيل الحديث: 542 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

34) القمي 2: 201 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

35) في «الف‏»: «متربصين‏» .

36) القمي : 202 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

37) تلعثم الرجل في الامر: اذا تمكث فيه وتانى . مجمع البحرين 2: 162 (لعثم) .

38) الكافي 2: 17 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

39) القمي 2: 203، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

40) المصدر .

41) علل الشرائع 2: 604 ، الباب: 385 ، الحديث: 73 ; القمي 2: 203 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

42) الكافي 4: 2 ، الحديث: 4 ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

43) في «الف‏»: «تدعوهم اليه‏» .

44) البيضاوي 4: 174 .

45) القمي 2: 204 .

46) في «ب‏»: «حقيقته‏» .

47) مجمع البيان 7 - 8 : 396 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

48) الكافي 8 : 379 ، الحديث: 574 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

49) القمي 2: 205 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

50) المصدر: 206 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

51) البيداء: اسم لارض ملساء بين مكة والمدينة ، وهي الى مكة اقرب ، تعد من الشرف امام ذي‏الحليفة . وفي قول بعضهم: ان قوما كانوا يغزون البيت فنزلوا بالبيداء فبعث الله عزوجل جبرائيل فقال: يا بيداء ابيديهم . وكل مفازة لا شي‏ء بها فهي بيداء . معجم البلدان 1: 523 .

52-53) القمي 2: 205 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

54) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

55) القمي 2: 206 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

56-57) المصدر: 205 ، عن ابي جعفرعليه السلام .