سورة السجدة

[مكية ، وهي ثلاثون آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«الم‏» .

«تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين‏» .

«ام يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما اتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون‏» .

«الله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش‏» . سبق في الاعراف (2) . «ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون‏» .

«يدبر الامر من السماء الى الارض‏» باسباب سماوية ، نازلة آثارها الى الارض «ثم يعرج اليه‏»: يصعد الامر اليه «في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون‏» . القمي: يعني الامور التي يدبرها ، والامر والنهي الذي امر به ، واعمال العباد ، كل هذا يظهر (3) يوم القيامة فيكون مقدار ذلك اليوم الف سنة من سني الدنيا (4) . «ذ لك عالم الغيب والشهادة‏» فيدبر امرهما على وفق الحكمة «العزيز»: الغالب على امره «الرحيم‏» على العباد في تدبيره .

«الذي احسن كل شي‏ء خلقه‏» موفرا عليه ما يستعده ويليق به ، على وفق الحكمة والمصلحة «وبدا خلق الانسان‏» يعني آدم «من طين‏» .

«ثم جعل نسله‏»: ولده «من سلالة‏» القمي: هو الصفو من الطعام والشراب (5) . «من ماء مهين‏»: المني .

«ثم سواه‏»: قومه بتصوير اعضائه على ما ينبغي «ونفخ فيه من روحه‏» . اضافه الى نفسه تشريفا واظهارا بانه خلق عجيب ، وان له لشانا . وقد سبق في الحجر (6) . «وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون‏» .

«وقالوا ا اذا ضللنا في الارض‏»: غبنا فيها ، بحيث لا نتميز من ترابها «ا انا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون‏» قال: «يعني البعث‏» (7) . «قل يتوفاكم‏»: يستوفي نفوسكم ، لا يترك منها شيئا ، ولا يبقي منكم احدا «ملك الموت الذي وكل بكم‏»بقبض ارواحكم واحصاء آجالكم «ثم الى ربكم ترجعون‏» .

«ولو ترى اذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم‏» من الحياء والخزي «عند ربهم ربنا ابصرنا» ما وعدتنا «وسمعنا» منك تصديق رسلك. كذا قيل (8) .والقمي: "ابصرنا وسمعنا" في الدنيا ولم نعمل به (9) . «فارجعنا نعمل صالحا انا موقنون‏» اذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا. «ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني‏»: ثبت قضائي وسبق وعيدي «لاملان جهنم من الجنة والناس اجمعين‏» .

«فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا انا نسيناكم‏» القمي: اي: تركناكم (10) . «وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون‏» .

«انما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خروا سجدا» خوفا من عذاب الله «وسبحوا بحمد ربهم‏»: نزهوه عما لا يليق به ، حامدين له ، شكرا على ما وفقهم للاسلام وآتاهم الهدى «وهم لا يستكبرون‏» عن الايمان والطاعة .

«تتجافى جنوبهم‏»: ترتفع وتتنحى «عن المضاجع‏»: الفرش ومواضع النوم . قال: «هم المتهجدون بالليل ، الذين يقومون عن فرشهم للصلاة‏» (11) . «يدعون ربهم خوفا» من سخطه «وطمعا» في رحمته «ومما رزقناهم ينفقون‏» في وجوه الخير .

قال: «لعلك ترى ان القوم لم يكونوا ينامون ، لا بد لهذا البدن ان تريحه حتى يخرج نفسه ، فاذا خرج النفس استراح البدن ، ورجع الروح قوة على العمل . قال: نزلت في امير المؤمنين‏عليه السلام واتباعه من شيعتنا ، ينامون في اول الليل ، فاذا ذهب ثلثا الليل او ما شاء الله ، فزعوا الى ربهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده ، فذكر الله في كتابه فاخبركم بما اعطاهم ، انه اسكنهم في جواره ، وادخلهم جنته ، وآمنهم خوفهم ، واذهب رعبهم‏» (12) . «فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين‏»: مما تقر به عيونهم «جزاء بما كانوا يعملون‏» .

قال: «ما من عمل حسن يعمله العبد الا وله ثواب في القرآن الا صلاة الليل ، فان الله عزوجل لم يبين ثوابها لعظم خطرها عنده ، فقال جل ذكره: "تتجافى جنوبهم - الى قوله:- يعملون"» (13) .و ورد: «يقول الله: اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رات ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتكم عليه ، اقراوا ان شئتم: "فلا تعلم نفس" الآية‏» (14) .اقول: بله مبني على الفتح ككيف ، بمعنى دع او سوى .

«افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا»: خارجا عن الايمان «لا يستوون‏» .

«اما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات الماوى نزلا» هو ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة «بما كانوا يعملون‏» .

«واما الذين فسقوا فماواهم النار كلما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون‏» .

قال: «ان علي بن ابي طالب والوليد بن عقبة (15) تشاجرا ، فقال - الفاسق - الوليد بن عقبة: انا والله ابسط منك لسانا ، واحد منك سنانا ، وامثل منك جثوا في الكتيبة ، فقال علي‏عليه السلام: اسكت! انما انت فاسق ، فانزل الله هذه الآيات‏» (16) . «ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر» قبل ان يصلوا الى الآخرة «لعلهم يرجعون‏» . قال: «العذاب الادنى عذاب القبر» (17) .وفي رواية: «الدابة والدجال‏» (18) .والقمي: العذاب الادنى عذاب الرجعة بالسيف ، فانهم يرجعون حتى يعذبوا (19) . «ومن اظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها» فلم يتفكر فيها ، و«ثم‏» لاستبعاد الاعراض عنها مع فرط وضوحها ، وارشادها الى اسباب السعادة بعد التذكر لها «انا من المجرمين منتقمون‏» فكيف بمن كان اظلم من كل ظالم .

«ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه‏» قال: «من لقاء موسى ربه في الآخرة‏» (20) . «وجعلناه هدى لبني اسرائيل‏» . «وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا» قال: «لا بامر الناس ، يقدمون امر الله قبل امرهم ، وحكم الله قبل حكمهم‏» (21) . «لما صبروا» . القمي: كان في علم الله انهم يصبرون على ما يصيبهم ، فجعلهم ائمة (22) . «وكانوا بآياتنا يوقنون‏» . «ان ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏» من امر الدين .

«او لم يهد لهم كم اهلكنا من قبلهم من القرون‏» اي: كثرة من اهلكنا (23) . «يمشون في مساكنهم‏»: يمرون في متاجرهم على ديارهم «ان في ذ لك لآيات افلا يسمعون‏» .

«او لم يروا ا نا نسوق الماء الى الارض الجرز»: التي جرز نباتها اي: قطع وازيل . القمي: الارض الخراب (24) . «فنخرج به زرعا تاكل منه انعامهم وانفسهم افلا يبصرون‏» .

«ويقولون متى هذا الفتح ان كنتم صادقين‏» . «قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ايمانهم ولا هم ينظرون‏»: ولا يمهلون .

القمي: هو مثل ضربه الله عزوجل في الرجعة والقائم‏عليه السلام ، فلما اخبرهم رسول الله‏صلى الله عليه وآله بخبر الرجعة قالوا: " متى هذا الفتح ان كنتم صادقين" ، وهذه معطوفة على قوله: "ولنذيقنهم من العذاب الادنى" (25) . «فاعرض عنهم وانتظر انهم منتظرون‏» .

الهوامش:

1) ما بين المعقوفتين من «ب‏» .

2) ذيل الآية: 54 .

3) في المصدر: «يظهره‏» .

4-5) القمي 2: 168 .

6) الآية: 29 .

7) التوحيد: 267 ، الباب: 36 ، ذيل الحديث الطويل: 5 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

8) الكشاف 3: 242 ; البيضاوي 4: 155 .

9) لم نعثر عليه في التفسير القمي المطبوعة ، ولعله سقط من النساخ ; لانه بعينه موجود في النسخة المخطوطة من تفسير القمي ، الموجودة في مكتبة الاعلام الاسلامي ، تحت رقم: 26818 .

10) القمي 2: 168 .

11) مجمع البيان 7 - 8 : 331 ، عنهماعليهما السلام .

12) علل الشرائع 2: 365 ، الباب: 86 ، الحديث: 4 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

13) القمي 2: 168 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

14) مجمع البيان 7 - 8 : 331 ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

15) الوليد بن عقبة بن ابي معيط ، ابو وهب ، الاموي القرشي: من فتيان قريش وشعرائهم ، وهو اخذ عثمان بن عفان لامه ، اسلم يوم فتح مكة . بعثه رسول الله‏صلى الله عليه وآله على صدقات بني المصطلق ، ولا خلاف بين اهل العلم في ان قوله عزوجل: «ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا» انزلت في الوليد بن عقبة . ثم ولاه عمر صدقات بني تغلب ، وولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن ابي وقاص (سنة 29ه) . كان الاصمعي وابو عبيدة والكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد شريب خمر ، وروي ان الوليد صلى صلاة الصبح باهل الكوفة اربع ركعات وهو سكران ، ثم التفت اليهم فقال: ازيدكم . وهذه الرواية مشهورة من رواية الثقات من اهل الحديث . ولما قتل عثمان تحول الوليد الى الجزيرة الفراتية واعتزل الفتنة . وقيل: شهد صفين مع معاوية ، وقيل: لم يشهدها ، ولكنه يحرض معاوية بكتبه وشعره على الاخذ بثار عثمان . ومات بالرقة سنة 61ه . راجع: اسد الغابة 5: 91 - 92 ; الاعلام 8 : 122 .

16) القمي 2: 170 .

17) مجمع البيان 7 - 8 : 332 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

18) المصدر ، عنهماعليهما السلام .

19) القمي 2: 170 .

20) الدر المنثور 6: 556 . لم نعثر عليه في كتب الخاصة ، ونقله بنصه في التبيان ومجمع البيان بلفظة «قيل‏» .

21) القمي 2: 170 .

22) المصدر: 171 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

23) في «ب‏»: «اهلكناهم‏» .

24-25) القمي 2: 171 .