سورة المؤمنون

[وهي مائة وثماني عشر آية] (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

«قد افلح المؤمنون‏» قال: «المسلمون ، ان المسلمين هم النجباء» (2) . «الذين هم في صلاتهم خاشعون‏» «بغض البصر والاقبال على الصلاة‏» . كذا ورد (3) . «والذين هم عن اللغو معرضون‏» قال: «عن الغناء والملاهي‏» (4) .و ورد: «كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو» (5) . «والذين هم للزكاة فاعلون‏» .

«والذين هم لفروجهم حافظون‏» . «الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين‏» . «فمن‏ابتغى وراء ذ لك فاولئك‏هم العادون‏» .

«والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون‏» .

«والذين هم على صلواتهم يحافظون‏» القمي: على اوقاتها وحدودها (6) .ورد: «هي الفريضة ، وعلى صلواتهم دائمون ، هي النافلة‏» (7) . «اولئك هم الوارثون‏» .

«الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون‏» قال: «ما منكم من احد الا وله منزلان ; منزل في الجنة ومنزل في النار ، فان مات ودخل النار ورث اهل الجنة منزله‏» (8) . «ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين‏» . القمي: السلالة: الصفوة من الطعام والشراب الذي يصير نطفة (9) . «ثم جعلناه نطفة في قرار مكين‏» .

«ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما» . سبق تفسيرها (10) . «ثم انشاناه خلقا آخر» قال: «هو نفخ الروح فيه‏» (11) . «فتبارك الله احسن الخالقين‏» . قال: «اخبر ان في عباده خالقين [وغير خالقين] (12) ; منهم عيسى بن مريم ، خلق من الطين كهيئة الطير باذن الله ، والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار» (13) . «ثم انكم بعد ذ لك لميتون‏» . «ثم انكم يوم القيامة تبعثون‏» .

«ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق‏»: سبع سماوات . قيل: سماها طرائق ، لانها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل ، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة (14) . «وما كنا عن الخلق غافلين‏» .

«وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض‏» قال: «فهي الانهار والعيون والآبار» (15) . «و انا على ذهاب به لقادرون‏» . «فانشانا لكم به جنات من نخيل واعناب لكم فيها فواكه كثيرة‏» تتفكهون بها «ومنها تاكلون‏» تغذيا .

«وشجرة تخرج من طور سيناء» القمي: شجرة الزيتون (16) . «تنبت‏بالدهن وصبغ للآ كلين‏» اي: تنبت‏بالشي‏ء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه ، وكونه اداما يصبغ فيه الخبز ، اي: يغمس فيه للائتدام .

«و ان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها» من الالبان «ولكم فيها منافع كثيرة‏» في ظهورها واصوافها وشعورها «ومنها تاكلون‏» .

«وعليها وعلى الفلك تحملون‏» في البر والبحر .

«ولقد ارسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره افلا تتقون‏» .

«فقال الملا»: الاشراف «الذين كفروا من قومه‏» لعوامهم: «ما هذا الا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم ولو شاء الله‏» ان يرسل رسولا «لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الا ولين‏» اي: التوحيد الذي يدعونا اليه . «ان هو الا رجل به جنة‏»: جنون «فتربصوا به حتى حين‏» لعله يفيق من جنونه .

«قال رب انصرني‏» عليهم باهلاكهم «بما كذبون‏»: بسبب تكذيبهم اياي .

«فاوحينا اليه ان اصنع الفلك باعيننا»: بحفظنا ، ان تخطئ فيه ، او يفسد عليك مفسد «ووحينا»: وامرنا وتعليمنا كيف تصنع «فاذا جاء امرنا» بنزول العذاب «وفار التنور فاسلك فيها»: فادخل فيها «من كل زوجين اثنين‏»: الذكر والانثى «واهلك الا من سبق عليه القول منهم‏» باهلاكه لكفره «ولا تخاطبني في الذين ظلموا» بالدعاء بالانجاء «انهم مغرقون‏» .

«فاذا استويت انت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين‏» .

«وقل رب انزلني منزلا مباركا وانت‏خير المنزلين‏» . قد سبق تمام القصة في سورة هود (17) . «ان في ذ لك لآيات و ان كنا لمبتلين‏»: وانه كنا لممتحنين عبادنا بهذه الآيات .

ورد: «ان الله قد اعاذكم من ان يجور عليكم ، ولم يعذكم من ان يبتليكم ، ثم تلا هذه الآية‏» (18) . «ثم انشانا من بعدهم قرنا آخرين‏» هم عاد او ثمود .

«فارسلنا فيهم رسولا منهم‏» هو هود او صالح «ان اعبدوا الله مالكم من اله غيره افلا تتقون‏» .

«وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة واترفناهم‏»: ونعمناهم «في الحياة الدنيا ما هذا الا بشر مثلكم ياكل مما تاكلون منه ويشرب مما تشربون‏» . «ولئن اطعتم بشرا مثلكم انكم اذا لخاسرون‏» حيث اذللتم انفسكم .

«ايعدكم ا نكم اذا متم وكنتم ترابا وعظاما ا نكم مخرجون‏» من الاجداث .

«هيهات هيهات‏»: بعد «لما توعدون‏» . اللام للبيان ، كما في هيت لك .

«ان هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا»: يموت بعضنا ويولد بعض «وما نحن بمبعوثين‏» .

«ان هو الا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين‏» .

«قال رب انصرني بما كذبون‏» .

«قال عما قليل ليصبحن نادمين‏» .

«فاخذتهم الصيحة بالحق‏»: صيحة جبرئيل ، صاح عليهم صيحة هائلة ، تصدعت منها قلوبهم فماتوا «فجعلناهم غثاء» . قال: «الغثاء: اليابس الهامد (19) من نبات الارض‏» (20) . «فبعدا للقوم الظالمين‏» . يحتمل الاخبار والدعاء .

«ثم انشانا من بعدهم قرونا آخرين‏» .

«ما تسبق من امة اجلها»: الوقت الذي قدر لهلاكها «وما يستاخرون‏» الاجل .

«ثم ارسلنا رسلنا تترا»: متواترين واحدا بعد واحد «كلما جاء امة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضا» في الهلاك «وجعلناهم احاديث‏»: لم يبق منهم الا حكايات يسمر بها «فبعدا لقوم لا يؤمنون‏» .

«ثم ارسلنا موسى واخاه هرون بآياتنا وسلطان مبين‏» .

«الى فرعون وملاه فاستكبروا وكانوا قوما عالين‏»: متكبرين .

«فقالوا انؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون‏» . «فكذبوهما فكانوا من المهلكين‏» .

«ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون‏» .

«وجعلنا ابن مريم وامه آية‏» بولادتها اياه من غير مسيس «وآويناهما الى ربوة‏»: الى مكان مرتفع «ذات قرار»: صالحة للاستقرار «ومعين‏»: ماء ظاهر جار على وجه الارض .

قال: «الربوة: نجف الكوفة ، والمعين: الفرات‏» (21) .وفي رواية: «الربوه: حيرة الكوفة وسوادها ، والقرار: مسجد الكوفة ، والمعين: الفرات‏» (22) . «يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم‏» .

«و ان هذه امتكم امة واحدة‏» القمي: على مذهب واحد (23) . «وانا ربكم فاتقون‏» في شق العصا ومخالفة الكلمة .

«فتقطعوا امرهم بينهم‏»: فتحزبوا وافترقوا ، وجعلوا دينهم اديانا متفرقة . «زبرا» ; قطعا «كل حزب‏» من المتحزبين «بما لديهم‏» من الدين «فرحون‏»: معجبون ، معتقدون انهم على الحق . القمي: كل من اختار لنفسه دينا فهو فرح به (24) . «فذرهم في غمرتهم‏»: في جهالتهم . شبهها بالماء الذي يغمر القامة . «حتى حين‏»: الى ان يقتلوا او يموتوا .

«ايحسبون انما نمدهم به‏» ما نعطيهم ونجعله مددا لهم «من مال وبنين‏» .

«نسارع لهم في الخيرات‏»: ما فيه خيرهم واكرامهم «بل لا يشعرون‏» ان ذلك استدراج .

ورد: «ان الله تعالى يقول: يحزن عبدي المؤمن اذا اقترت عليه شيئا من الدنيا ، وذلك اقرب له مني ، ويفرح اذا بسطت له الدنيا ، وذلك ابعد له مني ثم تلا هذه الآية ، ثم قال: ان ذلك فتنة لهم‏» (25) . «ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون‏»: من خوف عذابه حذرون .

«والذين هم بآيات ربهم يؤمنون‏» .

«والذين هم بربهم لا يشركون‏» شركا جليا ولا خفيا .

«والذين يؤتون ما آتوا»: يعطون ما اعطوه من العبادة والطاعة والصدقات . «وقلوبهم وجلة ا نهم الى ربهم راجعون‏»لان مرجعهم اليه ، او من ان مرجعهم اليه ، وهو يعلم ما يخفى عليهم .

قال: «قلوبهم وجلة ، معناه: خائفة ان لا يقبل منهم‏» (26) .وقال: «هي اشفاقهم (27) ورجاؤهم ، يخافون ان ترد عليهم اعمالهم ان لم يطيعوا الله عز ذكره ، ويرجون ان تقبل منهم‏» (28) .وقال: «يؤتي ما آتى وهو خائف راج‏» (29) .وفي رواية: «آتوا والله الطاعة (30) مع المحبة والولاية ، وهم في ذلك خائفون ، ليس خوفهم خوف شك ، ولكنهم خافوا ان يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا» (31) . «اولئك يسارعون في الخيرات‏»: يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرون بها «وهم لها سابقون‏» . قال: «هو علي بن ابي طالب‏عليه السلام لم يسبقه احد» (32) . «ولا نكلف نفسا الا وسعها»: دون طاقتها ، يريد به التحريض (33) على ما وصف به الصالحون ، وتسهيله على النفوس . «ولدينا كتاب‏» هو صحيفة الاعمال «ينطق بالحق‏»: بالصدق ، لا يوجد فيه ما يخالف الواقع «وهم لا يظلمون‏» بزيادة عقاب او نقصان ثواب .

«بل قلوبهم‏»: قلوب الكفرة «في غمرة من هذا» : في غفلة غامرة . القمي: يعني من القرآن (34) . «ولهم اعمال‏» خبيثة «من دون ذ لك‏»: سوى ما هم عليه من الشرك «هم لها عاملون‏»: معتادون فعلها .

«حتى اذا اخذنا مترفيهم‏»: متنعميهم . القمي: يعني كبراءهم (35) . «بالعذاب‏» . قيل: هو قتلهم يوم بدر ، او الجوع حين دعا عليهم رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، فقال: اللهم اشدد وطاتك على مضر (36) ،واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، فابتلاهم بالقحط ، حتى اكلوا الجيف والكلاب ، والعظام المحترقة والقد (37) والاولاد (38) . «اذا هم يجارون‏»: فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة . «لا تجاروا اليوم انكم منا لا تنصرون‏» .

«قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على اعقابكم تنكصون‏»: تعرضون مدبرين . والنكوص: الرجوع القهقري (39) . «مستكبرين به‏» قيل: اي: بالقرآن ، ضمن الاستكبار معنى التكذيب (40) . «سامرا» اي: يسمرون (41) بذكر القرآن والطعن فيه «تهجرون‏» . اما من الهجر بمعنى القطيعة او الهذيان ، اي: تعرضون عن القرآن او تهذون في شانه ; واما من الهجر بالضم بمعنى الفحش .

«افلم يدبروا القول ام جاءهم ما لم يات آباءهم الا ولين‏» من الرسول والكتاب .

«ام لم يعرفوا رسولهم‏» بالامانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم ، الى غير ذلك مما هو صفة الانبياءعليهم السلام «فهم له منكرون‏» .

«ام يقولون به جنة‏» مع انهم يعلمون انه ارجحهم عقلا واثبتهم نظرا «بل جاءهم بالحق واكثرهم للحق كارهون‏» لانه يخالف شهواتهم واهواءهم ، فلذلك انكروه قيل: انما قيد الحكم بالاكثر لانه كان منهم من ترك الايمان استنكافا من توبيخ قومه ، او لقلة فطنته وعدم فكرته ، لا لكراهة الحق (42) . «ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن‏»: لذهب ما قام به العالم ، فلا يبقى . القمي: فساد السماء اذا لم تمطر ، وفساد الارض اذا لم تنبت ، وفساد الناس في ذلك (43) . «بل اتيناهم بذكرهم‏»: بوعظهم ، او بصيتهم وفخرهم ، او الذكر الذي تمنوه بقولهم: "لو ان عندنا ذكرا من الاولين" (44) . «فهم عن ذكرهم معرضون‏» . «ام تسالهم خرجا فخراج ربك خير» قال: «يقول: ام تسالهم اجرا فاجر ربك خير» (45) . «وهو خير الرازقين‏» . «و انك لتدعوهم الى صراط مستقيم‏» القمي: الى ولاية امير المؤمنين‏عليه السلام (46) . «و ان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون‏»: لعادلون عنه ; فان خوف الآخرة اقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه . القمي: عن الامام لحادون (47) .وورد «ان الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ، ولكن جعلنا ابوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه ، فمن عدل عن ولايتنا ، او فضل علينا غيرنا فانهم عن الصراط لناكبون‏» (48) . «ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر» اي: القحط «للجوا في طغيانهم‏»: لتمادوا في افراطهم في الكفر ، والاستكبار عن الحق ، وعداوة الرسول والمؤمنين . «يعمهون‏» عن الهدى .

روي: «انهم قحطوا حتى اكلوا العلهز (49) ،فجاء ابو سفيان الى رسول الله‏صلى الله عليه وآله فقال: انشدك الله والرحم ، الست تزعم انك بعثت رحمة للعالمين ، قتلت الآباء بالسيف والابناء بالجوع ، فنزلت‏» (50) . «ولقد اخذناهم بالعذاب‏» . القمي: هو الجوع والخوف والقتل (51) . «فما استكانوا لربهم وما يتضرعون‏» بل اقاموا على عتوهم . قال: «الاستكانة هي الخضوع ، والتضرع: رفع اليدين والتضرع .وفي رواية: «الاستكانة: الدعاء ، والتضرع: رفع اليدين في الصلاة‏» (53) . «حتى اذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد» . قال: «وذلك حين دعا النبي‏صلى الله عليه وآله عليهم ، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، فجاعوا حتى اكلوا العلهز ، وهو الوبر بالدم‏» (54) .وفي رواية: «هو في الرجعة‏» (55) . «اذا هم فيه مبلسون‏»: متحيرون ، آيسون من كل خير .

«وهو الذي انشا لكم السمع والابصار» لتحسوا بها ما نصب من الآيات «والافئدة‏» لتتفكروا فيها ، وتستدلوا بها الى غير ذلك من المنافع «قليلا ما تشكرون‏»: تشكرونها شكرا قليلا ، لان العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لاجلها ، والاذعان لمنعمها من غير اشراك .

«وهو الذي ذراكم في الارض‏»: خلقكم وبثكم فيها بالتناسل «و اليه تحشرون‏»: تجمعون بعد تفرقتكم .

«وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار افلا تعقلون‏» بالنظر والتامل ان الكل منا ، وان قدرتنا تعم كل شي‏ء .

«بل قالوا مثل ما قال الاولون‏» .

«قالوا ائذا متنا وكنا ترابا وعظاما ا انا لمبعوثون‏» استبعادا ، ولم يتاملوا انهم كانوا قبل ذلك ايضا ترابا فخلقوا .

«لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ان هذا الا اساطير الاولين‏»: الا اكاذيبهم التي كتبوها .

«قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون‏» .

«سيقولون لله‏» لان العقل الصريح اضطرهم بادنى نظر بانه خالقها «قل افلا تذكرون‏»فتعلموا ان من فطر الارض ومن فيها (56) ابتداء ، قدر على ايجادها ثانيا ، وان بدء الخلق ليس باهون من اعادته .

«قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم‏» فانها اعظم من ذلك .

«سيقولون لله قل افلا تتقون‏» عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته .

«قل من بيده ملكوت كل شي‏ء»: الملك الذي وكل به «وهو يجير»: يغيث من يشاء ويحرسه «ولا يجار عليه‏»: ولا يغاث ولا يحرس . وتعديته ب «على‏» لتضمين معنى النصرة . «ان كنتم تعلمون‏» .

«سيقولون لله قل فا نى تسحرون‏»: فمن اين تخدعون ، فتصرفون عن الرشد مع ظهور الامر وتظاهر الادلة .

«بل اتيناهم بالحق‏» من التوحيد والوعد بالنشور «و انهم لكاذبون‏» حيث انكروا ذلك . «ما اتخذ الله من ولد» لتقدسه عن مماثلة احد «وما كان معه من اله‏» يساهمه في الالوهية «اذا لذهب كل اله بما خلق‏» واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخر «ولعلا بعضهم على بعض‏» كما هو حال ملوك الدنيا ، فهذا التدبير المحكم ، واتصاله وقوام بعضه ببعض ، يدل على صانع واحد . «سبحان الله عما يصفون‏» من الولد والشريك .

«عالم الغيب والشهادة‏» . قال: «الغيب: ما لم يكن ، والشهادة: ما قد كان‏» (57) . «فتعالى عما يشركون‏» .

«قل رب اما تريني‏»: ان كان لابد من ان تريني ; فان «ما» والنون للتاكيد . «ما يوعدون‏» .

«رب فلا تجعلني في القوم الظالمين‏»: قرينا لهم .

ورد: «قال رسول الله‏صلى الله عليه وآله ، وقد خطبنا يوم الفتح: ايها الناس لاعرفنكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ولئن فعلتم اضربكم بالسيف ، ثم التفت عن يمينه ، فقال الناس: غمزه جبرئيل ، فقال له: او علي ، فقال: او علي‏» (58) .وفي رواية: .اقول: وذلك انما يكون في الرجعة ، كما يستفاد من اخبار اخر (60) . «و انا على ان نريك ما نعدهم لقادرون‏» يعني الرجعة .

«ادفع بالتي هي احسن السيئة‏» . قيل: هي الصفح عنها ، والاحسان في مقابلتها ، وهو ابلغ من ادفع بالحسنة السيئة ، لما فيه من التنصيص على التفضيل (61) .و ورد: «التي هي احسن التقية‏» (62) . «نحن اعلم بما يصفون‏»: بما يصفونك به . «وقل رب اعوذ بك من همزات الشياطين‏»: وساوسهم ، واصل الهمز النخس .

«واعوذ بك رب ان يحضرون‏» ويحوموا حولي .

«حتى اذا جاء احدهم الموت‏» . متعلق ب «يصفون‏» ، وما بينهما اعتراض . «قال‏» تحسرا على ما فرط فيه من الايمان والطاعة لما اطلع على الامر: «رب ارجعون‏»: ردوني الى الدنيا . والواو لتعظيم المخاطب .

«لعلي اعمل صالحا فيما تركت‏» . «نزلت في مانع الزكاة‏» . كذا ورد (63) . «كلا» ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها . «انها كلمة هو قائلها» لتسلط الحسرة عليه «ومن ورائهم‏»: امامهم «برزخ الى يوم يبعثون‏» . القمي: البرزخ امر بين امرين ، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة ، وهو قول الصادق‏عليه السلام: «والله ما اخاف عليكم الا البرزخ ، واما اذا صار الامر الينا فنحن اولى بكم‏» (64) .و ورد: «اما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع ، او وصي النبي ، ولكن (65) والله اتخوف عليكم في البرزخ . قيل: وما البرزخ؟ فقال: القبر منذ حين موته الى يوم القيامة‏» (66) . «فاذا نفخ في الصور» لقيام الساعة «فلا انساب بينهم يومئذ» تنفعهم ، من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة ، بحيث "يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه" (67) «ولا يتساءلون‏»: ولا يسال بعضهم بعضا لاشتغاله بنفسه . قال: «لا يتقدم يوم القيامة احد الا بالاعمال‏» (68) . «فمن ثقلت موازينه‏» بالاعمال الحسنة «فاولئك هم المفلحون‏» .

«ومن خفت موازينه‏» من تلك الاعمال الحسنة «فاولئك الذين خسروا انفسهم‏»: غبنوها ، حيث ضيعوا زمان استكمالها ، وابطلوا استعدادها لنيل كمالها «في جهنم خالدون‏» .

«تلفح وجوههم النار»: تلهب عليهم ، فتحرقهم «وهم فيها كالحون‏» من شدة الاحتراق . والكلوح: تقلص الشفتين عن الاسنان . القمي: اي: مفتوحي الفم متربدي الوجوه (69) . «الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون‏» .

«قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا»: ملكتنا . قال: «باعمالهم شقوا» (70) . «وكنا قوما ضالين‏» .

«ربنا اخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون‏» .

«قال اخسؤا فيها»: اسكتوا سكوت هوان ، فانها ليست مقام سؤال «ولا تكلمون‏» .

«انه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وانت‏خير الراحمين‏» . «فاتخذتموهم سخريا»: هزوا «حتى انسوكم ذكري‏» من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم ، فلم تخافوني في اوليائي «وكنتم منهم تضحكون‏» استهزاء بهم .

«اني جزيتهم اليوم بما صبروا» على اذاكم «ا نهم هم الفائزون‏» .

«قال‏» اي: قال الله او الملك المامور بسؤالهم: «كم لبثتم في الارض‏» احياءا وامواتا (71) في القبور «عدد سنين‏» . «قالوا لبثنا يوما او بعض يوم‏» استقصارا لمدة لبثهم فيها «فاسال العادين‏» . القمي: سل الملائكة الذين يعدون علينا الايام ، ويكتبون ساعاتنا واعمالنا التي اكتسبناها فيها (72) . «قال ان لبثتم الا قليلا لو انكم كنتم تعلمون‏» .

«افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون‏» . توبيخ لهم على تغافلهم .

ورد: «ان الله لم يخلق خلقه عبثا ، ولم يتركهم سدى ، بل خلقهم لاظهار قدرته وليكلفهم طاعته ، فيستوجبوا بذلك رضوانه ، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة ، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم الى نعيم الابد» (73) .وقيل له: خلقنا للفناء . فقال: «مه (74) خلقنا للبقاء ، وكيف! وجنة لا تبيد ونار لا تخمد (75) ،ولكن انما نتحول من دار الى دار» (76) . «فتعالى الله الملك الحق لا اله الا هو رب العرش الكريم‏» .

«ومن يدع مع الله الها آخر لا برهان له به‏» فان الباطل لا برهان به . نبه بذلك على ان التدين بما لا دليل عليه ممنوع ، فضلا عما دل الدليل على خلافه . «فانما حسابه عند ربه‏» فهو مجاز له مقدار ما يستحقه «انه لا يفلح الكافرون‏» . «وقل رب اغفر وارحم وانت‏خير الراحمين‏» .

الهوامش:

1) مابين المعقوفتين من «ب‏» .

2) الكافي 1: 391 ، الحديث: 5 ; بصائر الدرجات: 520 ، الباب: 20 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام . وفي الكافي و«ج‏»: «المسلمون ، ان المسلمين هم النجباء» بالتشديد .

3) القمي 2: 88 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

4) مجمع البيان 7 - 8 : 99 ; القمي 2: 88 .

5) الارشاد (للمفيد): 157 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام .

6) القمي: 2: 89 .

7) الكافي 3: 270 ، الحديث: 12 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

8) عيون اخبار الرضاعليه السلام 2: 65 ، الباب: 31 ، الحديث: 288 ، عن امير المؤمنين‏عليه السلام ; مجمع البيان 7 - 8 : 99 ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

9) القمي 2: 89 .

10) ذيل الآية: 5 من سورة الحج .

11) القمي 2: 91 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

12) مابين المعقوفتين لم ترد في المصدر .

13) التوحيد: 63 ، الباب: 2 ، ذيل الحديث الطويل: 18 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .

14) البيضاوي 4: 63 ; الكشاف 3: 28 .

15) القمي 2: 91 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

16) القمي 2: 91 .

17) ذيل الآيات: 30 الى 45 .

18) نهج البلاغة: 150 ، الخطبة: 103 .

19) الهامد: الميت ، والهمود: الموت ، وفي الارض ان لا يكون بها حياة ولا عود ولا نبت ولا مطر . القاموس المحيط 1: 361 (همد) .

20) القمي 2: 91 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

21) التهذيب 6: 38 ، الحديث: 79 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

22) مجمع البيان 7 - 8 : 108 ; جوامع الجامع: 307 ، عن الباقر والصادق‏عليهما السلام .

23) القمي 2: 91 .

24) القمي 2: 91 .

25) مجمع البيان 7 - 8 : 110 ، عن ابي عبد الله ، عن ابيه ، عن آبائه ، عن رسول الله‏صلى الله عليه وآله .

26) المصدر ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

27) في المصدر: «شفاعتهم‏» . لعل المراد دعاؤهم وتضرعهم كانهم شفعوا لانفسهم او طلب الشفاعة من غيرهم او تضاعف حسناتهم ، ولعله تصحيف شفقتهم .

28) الكافي 8 : 229 ، الحديث: 294 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

29) مجمع البيان 7 - 8 : 110 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

30) في المصدر: «آتوا والله مع الطاعة المحبة والولاية‏» .

31) الكافي 2: 457 ، الحديث: 15 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

32) القمي 2: 92 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

33) في «ج‏»: «التحريص‏» ، وهي بمعناها .

34-35) القمي 2: 92 .

36) قبيلة منسوبة الى مضر بن نزار بن معد بن عدنان ويقال له «مضر الحمراء» ، ولاخيه «ربيعة الفرس‏» ; لانهما لما اقتسما الميراث اعطي «مضر» الذهب ، وهي تؤنث ، واعطي «ربيعة‏» الخيل . مجمع البحرين 3: 482 ; قاموس المحيط 2: 139 (مضر) .

37) في جميع النسخ «القدد» والصحيح ما اثبتناه كما في المصادر .

والقد - بالكسر - : سير يقد من جلد غير مدبوغ .

والجمع: اقد . الصحاح 2: 522 (قدد) .

38) جوامع الجامع: 308 ; الكشاف 3: 36 ; البيضاوي 4: 68 .

39) في «الف‏» و«ج‏»: «قهقري‏» .

40) الكشاف 3: 36 .

41) سمر يسمر: لم ينم، والسمر: المسامرة، وهو الحديث‏بالليل. لسان العرب 4: 376 (سمر).

42) البيضاوي 4: 69 .

43) القمي 2: 92 .

44) الصافات (37): 168.

45) القمي 2: 94 ، عن ابي جعفرعليه السلام .

46) المصدر: 92 .

47) القمي 2: 93 ; وصوابه: «لحائدون‏» .

48) الكافي 1: 184 ، الحديث: 9 ، عن ابي عبد الله ، عن امير المؤمنين‏عليهما السلام .

49) العلهز - بالكسر - طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة . الصحاح 3: 887 (علهز) .

50) جوامع الجامع: 309 .

51) القمي 2: 94 .

52) الكافي 2: 480 ، الحديث: 2 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، وفيه: «الاستكانة هو الخضوع ، والتضرع هو رفع اليدين والتضرع بهما» .

53) مجمع البيان 7 - 8 : 113 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

54) المصدر: 114 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

55) المصدر ، عن ابي جعفرعليه السلام .

56) في «الف‏»: «من عليها» .

57) معاني الاخبار: 146 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

58) مختصر بصائر الدرجات: 21 ، مع تفاوت يسير .

59) مجمع البيان 7 - 8 : 117 ; شواهد التنزيل 1: 404 ، عن النبي‏صلى الله عليه وآله .

60) مختصر بصائر الدرجات: 19 ; بحار الانوار 53: 66 ، الحديث: 60 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

61) الكشاف 3: 41 ; البيضاوي 4: 71 .

62) الكافي 2: 218 ، الحديث: 6 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

63) الكافي 3: 503 ، الحديث: 3 ; و504 ، الحديث: 11 ; ثواب الاعمال وعقاب الاعمال: 280 ، الحديث: 5 ; مجمع البيان 7 - 8 : 117 ، جميعا عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

64) القمي 2: 94 .

65) في المصدر: «ولكني‏» .

66) الكافي 3: 242 ، الحديث: 3 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

67) عبس (80): 34 - 36 .

68) القمي 2: 94 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

69) المصدر .

70) التوحيد: 356 ، الباب: 58 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

71) في «ج‏»: «احياء او امواتا» .

72) القمي 2: 95 .

73) علل الشرائع 1: 9 ، الباب: 9 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام .

74) في «الف‏»: «فقال له‏» .

75) في «ب‏»: «كيف وجنته لا تبيد وناره لا تخمد» .

76) علل الشرائع 1: 11 ، الباب: 9 ، الحديث: 5 ، عن ابي عبد الله‏عليه السلام ، مع تفاوت يسير .