[وهي مائة وثماني عشر آية] (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
«قد افلح المؤمنون» قال: «المسلمون ، ان المسلمين هم النجباء» (2) . «الذين هم في صلاتهم خاشعون» «بغض البصر والاقبال على الصلاة» . كذا ورد (3) . «والذين هم عن اللغو معرضون» قال: «عن الغناء والملاهي» (4) .و ورد: «كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو» (5) . «والذين هم للزكاة فاعلون» .
«والذين هم لفروجهم حافظون» . «الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين» . «فمنابتغى وراء ذ لك فاولئكهم العادون» .
«والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون» .
«والذين هم على صلواتهم يحافظون» القمي: على اوقاتها وحدودها (6) .ورد: «هي الفريضة ، وعلى صلواتهم دائمون ، هي النافلة» (7) . «اولئك هم الوارثون» .
«الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون» قال: «ما منكم من احد الا وله منزلان ; منزل في الجنة ومنزل في النار ، فان مات ودخل النار ورث اهل الجنة منزله» (8) . «ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين» . القمي: السلالة: الصفوة من الطعام والشراب الذي يصير نطفة (9) . «ثم جعلناه نطفة في قرار مكين» .
«ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما» . سبق تفسيرها (10) . «ثم انشاناه خلقا آخر» قال: «هو نفخ الروح فيه» (11) . «فتبارك الله احسن الخالقين» . قال: «اخبر ان في عباده خالقين [وغير خالقين] (12) ; منهم عيسى بن مريم ، خلق من الطين كهيئة الطير باذن الله ، والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار» (13) . «ثم انكم بعد ذ لك لميتون» . «ثم انكم يوم القيامة تبعثون» .
«ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق»: سبع سماوات . قيل: سماها طرائق ، لانها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل ، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة (14) . «وما كنا عن الخلق غافلين» .
«وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض» قال: «فهي الانهار والعيون والآبار» (15) . «و انا على ذهاب به لقادرون» . «فانشانا لكم به جنات من نخيل واعناب لكم فيها فواكه كثيرة» تتفكهون بها «ومنها تاكلون» تغذيا .
«وشجرة تخرج من طور سيناء» القمي: شجرة الزيتون (16) . «تنبتبالدهن وصبغ للآ كلين» اي: تنبتبالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه ، وكونه اداما يصبغ فيه الخبز ، اي: يغمس فيه للائتدام .
«و ان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها» من الالبان «ولكم فيها منافع كثيرة» في ظهورها واصوافها وشعورها «ومنها تاكلون» .
«وعليها وعلى الفلك تحملون» في البر والبحر .
«ولقد ارسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره افلا تتقون» .
«فقال الملا»: الاشراف «الذين كفروا من قومه» لعوامهم: «ما هذا الا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم ولو شاء الله» ان يرسل رسولا «لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الا ولين» اي: التوحيد الذي يدعونا اليه . «ان هو الا رجل به جنة»: جنون «فتربصوا به حتى حين» لعله يفيق من جنونه .
«قال رب انصرني» عليهم باهلاكهم «بما كذبون»: بسبب تكذيبهم اياي .
«فاوحينا اليه ان اصنع الفلك باعيننا»: بحفظنا ، ان تخطئ فيه ، او يفسد عليك مفسد «ووحينا»: وامرنا وتعليمنا كيف تصنع «فاذا جاء امرنا» بنزول العذاب «وفار التنور فاسلك فيها»: فادخل فيها «من كل زوجين اثنين»: الذكر والانثى «واهلك الا من سبق عليه القول منهم» باهلاكه لكفره «ولا تخاطبني في الذين ظلموا» بالدعاء بالانجاء «انهم مغرقون» .
«فاذا استويت انت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين» .
«وقل رب انزلني منزلا مباركا وانتخير المنزلين» . قد سبق تمام القصة في سورة هود (17) . «ان في ذ لك لآيات و ان كنا لمبتلين»: وانه كنا لممتحنين عبادنا بهذه الآيات .
ورد: «ان الله قد اعاذكم من ان يجور عليكم ، ولم يعذكم من ان يبتليكم ، ثم تلا هذه الآية» (18) . «ثم انشانا من بعدهم قرنا آخرين» هم عاد او ثمود .
«فارسلنا فيهم رسولا منهم» هو هود او صالح «ان اعبدوا الله مالكم من اله غيره افلا تتقون» .
«وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة واترفناهم»: ونعمناهم «في الحياة الدنيا ما هذا الا بشر مثلكم ياكل مما تاكلون منه ويشرب مما تشربون» . «ولئن اطعتم بشرا مثلكم انكم اذا لخاسرون» حيث اذللتم انفسكم .
«ايعدكم ا نكم اذا متم وكنتم ترابا وعظاما ا نكم مخرجون» من الاجداث .
«هيهات هيهات»: بعد «لما توعدون» . اللام للبيان ، كما في هيت لك .
«ان هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا»: يموت بعضنا ويولد بعض «وما نحن بمبعوثين» .
«ان هو الا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين» .
«قال رب انصرني بما كذبون» .
«قال عما قليل ليصبحن نادمين» .
«فاخذتهم الصيحة بالحق»: صيحة جبرئيل ، صاح عليهم صيحة هائلة ، تصدعت منها قلوبهم فماتوا «فجعلناهم غثاء» . قال: «الغثاء: اليابس الهامد (19) من نبات الارض» (20) . «فبعدا للقوم الظالمين» . يحتمل الاخبار والدعاء .
«ثم انشانا من بعدهم قرونا آخرين» .
«ما تسبق من امة اجلها»: الوقت الذي قدر لهلاكها «وما يستاخرون» الاجل .
«ثم ارسلنا رسلنا تترا»: متواترين واحدا بعد واحد «كلما جاء امة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضا» في الهلاك «وجعلناهم احاديث»: لم يبق منهم الا حكايات يسمر بها «فبعدا لقوم لا يؤمنون» .
«ثم ارسلنا موسى واخاه هرون بآياتنا وسلطان مبين» .
«الى فرعون وملاه فاستكبروا وكانوا قوما عالين»: متكبرين .
«فقالوا انؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون» . «فكذبوهما فكانوا من المهلكين» .
«ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون» .
«وجعلنا ابن مريم وامه آية» بولادتها اياه من غير مسيس «وآويناهما الى ربوة»: الى مكان مرتفع «ذات قرار»: صالحة للاستقرار «ومعين»: ماء ظاهر جار على وجه الارض .
قال: «الربوة: نجف الكوفة ، والمعين: الفرات» (21) .وفي رواية: «الربوه: حيرة الكوفة وسوادها ، والقرار: مسجد الكوفة ، والمعين: الفرات» (22) . «يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم» .
«و ان هذه امتكم امة واحدة» القمي: على مذهب واحد (23) . «وانا ربكم فاتقون» في شق العصا ومخالفة الكلمة .
«فتقطعوا امرهم بينهم»: فتحزبوا وافترقوا ، وجعلوا دينهم اديانا متفرقة . «زبرا» ; قطعا «كل حزب» من المتحزبين «بما لديهم» من الدين «فرحون»: معجبون ، معتقدون انهم على الحق . القمي: كل من اختار لنفسه دينا فهو فرح به (24) . «فذرهم في غمرتهم»: في جهالتهم . شبهها بالماء الذي يغمر القامة . «حتى حين»: الى ان يقتلوا او يموتوا .
«ايحسبون انما نمدهم به» ما نعطيهم ونجعله مددا لهم «من مال وبنين» .
«نسارع لهم في الخيرات»: ما فيه خيرهم واكرامهم «بل لا يشعرون» ان ذلك استدراج .
ورد: «ان الله تعالى يقول: يحزن عبدي المؤمن اذا اقترت عليه شيئا من الدنيا ، وذلك اقرب له مني ، ويفرح اذا بسطت له الدنيا ، وذلك ابعد له مني ثم تلا هذه الآية ، ثم قال: ان ذلك فتنة لهم» (25) . «ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون»: من خوف عذابه حذرون .
«والذين هم بآيات ربهم يؤمنون» .
«والذين هم بربهم لا يشركون» شركا جليا ولا خفيا .
«والذين يؤتون ما آتوا»: يعطون ما اعطوه من العبادة والطاعة والصدقات . «وقلوبهم وجلة ا نهم الى ربهم راجعون»لان مرجعهم اليه ، او من ان مرجعهم اليه ، وهو يعلم ما يخفى عليهم .
قال: «قلوبهم وجلة ، معناه: خائفة ان لا يقبل منهم» (26) .وقال: «هي اشفاقهم (27) ورجاؤهم ، يخافون ان ترد عليهم اعمالهم ان لم يطيعوا الله عز ذكره ، ويرجون ان تقبل منهم» (28) .وقال: «يؤتي ما آتى وهو خائف راج» (29) .وفي رواية: «آتوا والله الطاعة (30) مع المحبة والولاية ، وهم في ذلك خائفون ، ليس خوفهم خوف شك ، ولكنهم خافوا ان يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا» (31) . «اولئك يسارعون في الخيرات»: يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرون بها «وهم لها سابقون» . قال: «هو علي بن ابي طالبعليه السلام لم يسبقه احد» (32) . «ولا نكلف نفسا الا وسعها»: دون طاقتها ، يريد به التحريض (33) على ما وصف به الصالحون ، وتسهيله على النفوس . «ولدينا كتاب» هو صحيفة الاعمال «ينطق بالحق»: بالصدق ، لا يوجد فيه ما يخالف الواقع «وهم لا يظلمون» بزيادة عقاب او نقصان ثواب .
«بل قلوبهم»: قلوب الكفرة «في غمرة من هذا» : في غفلة غامرة . القمي: يعني من القرآن (34) . «ولهم اعمال» خبيثة «من دون ذ لك»: سوى ما هم عليه من الشرك «هم لها عاملون»: معتادون فعلها .
«حتى اذا اخذنا مترفيهم»: متنعميهم . القمي: يعني كبراءهم (35) . «بالعذاب» . قيل: هو قتلهم يوم بدر ، او الجوع حين دعا عليهم رسول اللهصلى الله عليه وآله ، فقال: اللهم اشدد وطاتك على مضر (36) ،واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، فابتلاهم بالقحط ، حتى اكلوا الجيف والكلاب ، والعظام المحترقة والقد (37) والاولاد (38) . «اذا هم يجارون»: فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة . «لا تجاروا اليوم انكم منا لا تنصرون» .
«قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على اعقابكم تنكصون»: تعرضون مدبرين . والنكوص: الرجوع القهقري (39) . «مستكبرين به» قيل: اي: بالقرآن ، ضمن الاستكبار معنى التكذيب (40) . «سامرا» اي: يسمرون (41) بذكر القرآن والطعن فيه «تهجرون» . اما من الهجر بمعنى القطيعة او الهذيان ، اي: تعرضون عن القرآن او تهذون في شانه ; واما من الهجر بالضم بمعنى الفحش .
«افلم يدبروا القول ام جاءهم ما لم يات آباءهم الا ولين» من الرسول والكتاب .
«ام لم يعرفوا رسولهم» بالامانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم ، الى غير ذلك مما هو صفة الانبياءعليهم السلام «فهم له منكرون» .
«ام يقولون به جنة» مع انهم يعلمون انه ارجحهم عقلا واثبتهم نظرا «بل جاءهم بالحق واكثرهم للحق كارهون» لانه يخالف شهواتهم واهواءهم ، فلذلك انكروه قيل: انما قيد الحكم بالاكثر لانه كان منهم من ترك الايمان استنكافا من توبيخ قومه ، او لقلة فطنته وعدم فكرته ، لا لكراهة الحق (42) . «ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن»: لذهب ما قام به العالم ، فلا يبقى . القمي: فساد السماء اذا لم تمطر ، وفساد الارض اذا لم تنبت ، وفساد الناس في ذلك (43) . «بل اتيناهم بذكرهم»: بوعظهم ، او بصيتهم وفخرهم ، او الذكر الذي تمنوه بقولهم: "لو ان عندنا ذكرا من الاولين" (44) . «فهم عن ذكرهم معرضون» . «ام تسالهم خرجا فخراج ربك خير» قال: «يقول: ام تسالهم اجرا فاجر ربك خير» (45) . «وهو خير الرازقين» . «و انك لتدعوهم الى صراط مستقيم» القمي: الى ولاية امير المؤمنينعليه السلام (46) . «و ان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون»: لعادلون عنه ; فان خوف الآخرة اقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه . القمي: عن الامام لحادون (47) .وورد «ان الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ، ولكن جعلنا ابوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه ، فمن عدل عن ولايتنا ، او فضل علينا غيرنا فانهم عن الصراط لناكبون» (48) . «ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر» اي: القحط «للجوا في طغيانهم»: لتمادوا في افراطهم في الكفر ، والاستكبار عن الحق ، وعداوة الرسول والمؤمنين . «يعمهون» عن الهدى .
روي: «انهم قحطوا حتى اكلوا العلهز (49) ،فجاء ابو سفيان الى رسول اللهصلى الله عليه وآله فقال: انشدك الله والرحم ، الست تزعم انك بعثت رحمة للعالمين ، قتلت الآباء بالسيف والابناء بالجوع ، فنزلت» (50) . «ولقد اخذناهم بالعذاب» . القمي: هو الجوع والخوف والقتل (51) . «فما استكانوا لربهم وما يتضرعون» بل اقاموا على عتوهم . قال: «الاستكانة هي الخضوع ، والتضرع: رفع اليدين والتضرع .وفي رواية: «الاستكانة: الدعاء ، والتضرع: رفع اليدين في الصلاة» (53) . «حتى اذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد» . قال: «وذلك حين دعا النبيصلى الله عليه وآله عليهم ، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، فجاعوا حتى اكلوا العلهز ، وهو الوبر بالدم» (54) .وفي رواية: «هو في الرجعة» (55) . «اذا هم فيه مبلسون»: متحيرون ، آيسون من كل خير .
«وهو الذي انشا لكم السمع والابصار» لتحسوا بها ما نصب من الآيات «والافئدة» لتتفكروا فيها ، وتستدلوا بها الى غير ذلك من المنافع «قليلا ما تشكرون»: تشكرونها شكرا قليلا ، لان العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لاجلها ، والاذعان لمنعمها من غير اشراك .
«وهو الذي ذراكم في الارض»: خلقكم وبثكم فيها بالتناسل «و اليه تحشرون»: تجمعون بعد تفرقتكم .
«وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار افلا تعقلون» بالنظر والتامل ان الكل منا ، وان قدرتنا تعم كل شيء .
«بل قالوا مثل ما قال الاولون» .
«قالوا ائذا متنا وكنا ترابا وعظاما ا انا لمبعوثون» استبعادا ، ولم يتاملوا انهم كانوا قبل ذلك ايضا ترابا فخلقوا .
«لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ان هذا الا اساطير الاولين»: الا اكاذيبهم التي كتبوها .
«قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون» .
«سيقولون لله» لان العقل الصريح اضطرهم بادنى نظر بانه خالقها «قل افلا تذكرون»فتعلموا ان من فطر الارض ومن فيها (56) ابتداء ، قدر على ايجادها ثانيا ، وان بدء الخلق ليس باهون من اعادته .
«قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم» فانها اعظم من ذلك .
«سيقولون لله قل افلا تتقون» عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته .
«قل من بيده ملكوت كل شيء»: الملك الذي وكل به «وهو يجير»: يغيث من يشاء ويحرسه «ولا يجار عليه»: ولا يغاث ولا يحرس . وتعديته ب «على» لتضمين معنى النصرة . «ان كنتم تعلمون» .
«سيقولون لله قل فا نى تسحرون»: فمن اين تخدعون ، فتصرفون عن الرشد مع ظهور الامر وتظاهر الادلة .
«بل اتيناهم بالحق» من التوحيد والوعد بالنشور «و انهم لكاذبون» حيث انكروا ذلك . «ما اتخذ الله من ولد» لتقدسه عن مماثلة احد «وما كان معه من اله» يساهمه في الالوهية «اذا لذهب كل اله بما خلق» واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخر «ولعلا بعضهم على بعض» كما هو حال ملوك الدنيا ، فهذا التدبير المحكم ، واتصاله وقوام بعضه ببعض ، يدل على صانع واحد . «سبحان الله عما يصفون» من الولد والشريك .
«عالم الغيب والشهادة» . قال: «الغيب: ما لم يكن ، والشهادة: ما قد كان» (57) . «فتعالى عما يشركون» .
«قل رب اما تريني»: ان كان لابد من ان تريني ; فان «ما» والنون للتاكيد . «ما يوعدون» .
«رب فلا تجعلني في القوم الظالمين»: قرينا لهم .
ورد: «قال رسول اللهصلى الله عليه وآله ، وقد خطبنا يوم الفتح: ايها الناس لاعرفنكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ولئن فعلتم اضربكم بالسيف ، ثم التفت عن يمينه ، فقال الناس: غمزه جبرئيل ، فقال له: او علي ، فقال: او علي» (58) .وفي رواية: .اقول: وذلك انما يكون في الرجعة ، كما يستفاد من اخبار اخر (60) . «و انا على ان نريك ما نعدهم لقادرون» يعني الرجعة .
«ادفع بالتي هي احسن السيئة» . قيل: هي الصفح عنها ، والاحسان في مقابلتها ، وهو ابلغ من ادفع بالحسنة السيئة ، لما فيه من التنصيص على التفضيل (61) .و ورد: «التي هي احسن التقية» (62) . «نحن اعلم بما يصفون»: بما يصفونك به . «وقل رب اعوذ بك من همزات الشياطين»: وساوسهم ، واصل الهمز النخس .
«واعوذ بك رب ان يحضرون» ويحوموا حولي .
«حتى اذا جاء احدهم الموت» . متعلق ب «يصفون» ، وما بينهما اعتراض . «قال» تحسرا على ما فرط فيه من الايمان والطاعة لما اطلع على الامر: «رب ارجعون»: ردوني الى الدنيا . والواو لتعظيم المخاطب .
«لعلي اعمل صالحا فيما تركت» . «نزلت في مانع الزكاة» . كذا ورد (63) . «كلا» ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها . «انها كلمة هو قائلها» لتسلط الحسرة عليه «ومن ورائهم»: امامهم «برزخ الى يوم يبعثون» . القمي: البرزخ امر بين امرين ، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة ، وهو قول الصادقعليه السلام: «والله ما اخاف عليكم الا البرزخ ، واما اذا صار الامر الينا فنحن اولى بكم» (64) .و ورد: «اما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع ، او وصي النبي ، ولكن (65) والله اتخوف عليكم في البرزخ . قيل: وما البرزخ؟ فقال: القبر منذ حين موته الى يوم القيامة» (66) . «فاذا نفخ في الصور» لقيام الساعة «فلا انساب بينهم يومئذ» تنفعهم ، من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة ، بحيث "يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه" (67) «ولا يتساءلون»: ولا يسال بعضهم بعضا لاشتغاله بنفسه . قال: «لا يتقدم يوم القيامة احد الا بالاعمال» (68) . «فمن ثقلت موازينه» بالاعمال الحسنة «فاولئك هم المفلحون» .
«ومن خفت موازينه» من تلك الاعمال الحسنة «فاولئك الذين خسروا انفسهم»: غبنوها ، حيث ضيعوا زمان استكمالها ، وابطلوا استعدادها لنيل كمالها «في جهنم خالدون» .
«تلفح وجوههم النار»: تلهب عليهم ، فتحرقهم «وهم فيها كالحون» من شدة الاحتراق . والكلوح: تقلص الشفتين عن الاسنان . القمي: اي: مفتوحي الفم متربدي الوجوه (69) . «الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون» .
«قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا»: ملكتنا . قال: «باعمالهم شقوا» (70) . «وكنا قوما ضالين» .
«ربنا اخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون» .
«قال اخسؤا فيها»: اسكتوا سكوت هوان ، فانها ليست مقام سؤال «ولا تكلمون» .
«انه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وانتخير الراحمين» . «فاتخذتموهم سخريا»: هزوا «حتى انسوكم ذكري» من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم ، فلم تخافوني في اوليائي «وكنتم منهم تضحكون» استهزاء بهم .
«اني جزيتهم اليوم بما صبروا» على اذاكم «ا نهم هم الفائزون» .
«قال» اي: قال الله او الملك المامور بسؤالهم: «كم لبثتم في الارض» احياءا وامواتا (71) في القبور «عدد سنين» . «قالوا لبثنا يوما او بعض يوم» استقصارا لمدة لبثهم فيها «فاسال العادين» . القمي: سل الملائكة الذين يعدون علينا الايام ، ويكتبون ساعاتنا واعمالنا التي اكتسبناها فيها (72) . «قال ان لبثتم الا قليلا لو انكم كنتم تعلمون» .
«افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون» . توبيخ لهم على تغافلهم .
ورد: «ان الله لم يخلق خلقه عبثا ، ولم يتركهم سدى ، بل خلقهم لاظهار قدرته وليكلفهم طاعته ، فيستوجبوا بذلك رضوانه ، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة ، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم الى نعيم الابد» (73) .وقيل له: خلقنا للفناء . فقال: «مه (74) خلقنا للبقاء ، وكيف! وجنة لا تبيد ونار لا تخمد (75) ،ولكن انما نتحول من دار الى دار» (76) . «فتعالى الله الملك الحق لا اله الا هو رب العرش الكريم» .
«ومن يدع مع الله الها آخر لا برهان له به» فان الباطل لا برهان به . نبه بذلك على ان التدين بما لا دليل عليه ممنوع ، فضلا عما دل الدليل على خلافه . «فانما حسابه عند ربه» فهو مجاز له مقدار ما يستحقه «انه لا يفلح الكافرون» . «وقل رب اغفر وارحم وانتخير الراحمين» .
الهوامش:
1) مابين المعقوفتين من «ب» .
2) الكافي 1: 391 ، الحديث: 5 ; بصائر الدرجات: 520 ، الباب: 20 ، الحديث: 1 ، عن ابي جعفرعليه السلام . وفي الكافي و«ج»: «المسلمون ، ان المسلمين هم النجباء» بالتشديد .
3) القمي 2: 88 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
4) مجمع البيان 7 - 8 : 99 ; القمي 2: 88 .
5) الارشاد (للمفيد): 157 ، عن امير المؤمنينعليه السلام .
6) القمي: 2: 89 .
7) الكافي 3: 270 ، الحديث: 12 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
8) عيون اخبار الرضاعليه السلام 2: 65 ، الباب: 31 ، الحديث: 288 ، عن امير المؤمنينعليه السلام ; مجمع البيان 7 - 8 : 99 ، عن النبيصلى الله عليه وآله .
9) القمي 2: 89 .
10) ذيل الآية: 5 من سورة الحج .
11) القمي 2: 91 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
12) مابين المعقوفتين لم ترد في المصدر .
13) التوحيد: 63 ، الباب: 2 ، ذيل الحديث الطويل: 18 ، عن ابي الحسن الرضاعليه السلام .
14) البيضاوي 4: 63 ; الكشاف 3: 28 .
15) القمي 2: 91 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
16) القمي 2: 91 .
17) ذيل الآيات: 30 الى 45 .
18) نهج البلاغة: 150 ، الخطبة: 103 .
19) الهامد: الميت ، والهمود: الموت ، وفي الارض ان لا يكون بها حياة ولا عود ولا نبت ولا مطر . القاموس المحيط 1: 361 (همد) .
20) القمي 2: 91 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
21) التهذيب 6: 38 ، الحديث: 79 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
22) مجمع البيان 7 - 8 : 108 ; جوامع الجامع: 307 ، عن الباقر والصادقعليهما السلام .
23) القمي 2: 91 .
24) القمي 2: 91 .
25) مجمع البيان 7 - 8 : 110 ، عن ابي عبد الله ، عن ابيه ، عن آبائه ، عن رسول اللهصلى الله عليه وآله .
26) المصدر ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
27) في المصدر: «شفاعتهم» . لعل المراد دعاؤهم وتضرعهم كانهم شفعوا لانفسهم او طلب الشفاعة من غيرهم او تضاعف حسناتهم ، ولعله تصحيف شفقتهم .
28) الكافي 8 : 229 ، الحديث: 294 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
29) مجمع البيان 7 - 8 : 110 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
30) في المصدر: «آتوا والله مع الطاعة المحبة والولاية» .
31) الكافي 2: 457 ، الحديث: 15 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
32) القمي 2: 92 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
33) في «ج»: «التحريص» ، وهي بمعناها .
34-35) القمي 2: 92 .
36) قبيلة منسوبة الى مضر بن نزار بن معد بن عدنان ويقال له «مضر الحمراء» ، ولاخيه «ربيعة الفرس» ; لانهما لما اقتسما الميراث اعطي «مضر» الذهب ، وهي تؤنث ، واعطي «ربيعة» الخيل . مجمع البحرين 3: 482 ; قاموس المحيط 2: 139 (مضر) .
37) في جميع النسخ «القدد» والصحيح ما اثبتناه كما في المصادر .
والقد - بالكسر - : سير يقد من جلد غير مدبوغ .
والجمع: اقد . الصحاح 2: 522 (قدد) .
38) جوامع الجامع: 308 ; الكشاف 3: 36 ; البيضاوي 4: 68 .
39) في «الف» و«ج»: «قهقري» .
40) الكشاف 3: 36 .
41) سمر يسمر: لم ينم، والسمر: المسامرة، وهو الحديثبالليل. لسان العرب 4: 376 (سمر).
42) البيضاوي 4: 69 .
43) القمي 2: 92 .
44) الصافات (37): 168.
45) القمي 2: 94 ، عن ابي جعفرعليه السلام .
46) المصدر: 92 .
47) القمي 2: 93 ; وصوابه: «لحائدون» .
48) الكافي 1: 184 ، الحديث: 9 ، عن ابي عبد الله ، عن امير المؤمنينعليهما السلام .
49) العلهز - بالكسر - طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة . الصحاح 3: 887 (علهز) .
50) جوامع الجامع: 309 .
51) القمي 2: 94 .
52) الكافي 2: 480 ، الحديث: 2 ، عن ابي جعفرعليه السلام ، وفيه: «الاستكانة هو الخضوع ، والتضرع هو رفع اليدين والتضرع بهما» .
53) مجمع البيان 7 - 8 : 113 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
54) المصدر: 114 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
55) المصدر ، عن ابي جعفرعليه السلام .
56) في «الف»: «من عليها» .
57) معاني الاخبار: 146 ، الحديث: 1 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
58) مختصر بصائر الدرجات: 21 ، مع تفاوت يسير .
59) مجمع البيان 7 - 8 : 117 ; شواهد التنزيل 1: 404 ، عن النبيصلى الله عليه وآله .
60) مختصر بصائر الدرجات: 19 ; بحار الانوار 53: 66 ، الحديث: 60 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
61) الكشاف 3: 41 ; البيضاوي 4: 71 .
62) الكافي 2: 218 ، الحديث: 6 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
63) الكافي 3: 503 ، الحديث: 3 ; و504 ، الحديث: 11 ; ثواب الاعمال وعقاب الاعمال: 280 ، الحديث: 5 ; مجمع البيان 7 - 8 : 117 ، جميعا عن ابي عبد اللهعليه السلام .
64) القمي 2: 94 .
65) في المصدر: «ولكني» .
66) الكافي 3: 242 ، الحديث: 3 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
67) عبس (80): 34 - 36 .
68) القمي 2: 94 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
69) المصدر .
70) التوحيد: 356 ، الباب: 58 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
71) في «ج»: «احياء او امواتا» .
72) القمي 2: 95 .
73) علل الشرائع 1: 9 ، الباب: 9 ، الحديث: 2 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام .
74) في «الف»: «فقال له» .
75) في «ب»: «كيف وجنته لا تبيد وناره لا تخمد» .
76) علل الشرائع 1: 11 ، الباب: 9 ، الحديث: 5 ، عن ابي عبد اللهعليه السلام ، مع تفاوت يسير .