«الشعر يخاطب الوجدان ويحيل الافكار الذهنية الى احساسات ويستخذم اللفظ وللالفاظ دلالات عقلية ونفسية خاصة; وادراكنا لها يتم عن طريق الشعور والعقل، وادراك الالفاظ عقليا يقف في طريق الشعر منسابا الى نفوسنا، ومن ثم يستعين الشاعر بادوات الفنون المجردة ليغلب الدلالات الشعورية للالفاظ على دلالاتها الذهنية، فهو يتخذ من ايقاع الوزن وجرس اللفظ وموسيقا الاسلوب ووسائل ينفذ بها الى عواطف سامعه او قارئه، وهو يستخذم طبيعة التصوير، فكما تعتمد اللوحة على الخطوط والالوان في ابراز احساس الرسام، تعتمد الصورة الشعرية على جزئيات مؤتلفة لونظرت الى كل منها مفردة لمتجد لها دلالات نفسية او ذهنية كبيرة، ولكن باجتماعها ترسم لوحة شعورية متكاملة الجوانب» (1) .
ويمكن ان تميز من بين خصائص اللغة المستخدمة في الشعر: كثرة الالفاظ ذات الايقاع الموسيقي، والقوة التصويرية مما لاتتطلبه الاجناس الاخرى ضرورة، كما ان الملمح الجوهري للغة الشعر، يتمثل في الصور الشعرية ان يستغلها الشاعر في التعبير عن احساساته ونقل تجاربه.
كلمة صورة تعني اصلا «التجسيم» وفي القران الكريم «الذي خلقك فسواك فعدلك في اى صورة ماشاء ركبك» (2) وفيه ايضا: «هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء» (3) .
واتسع معناها في النقد الادبي الحديث وتحدد في الوقت نفسه; اتسع، لان استخدامها لايقتصر على ماتراه العين، بل امتد الى كل مايؤثر في اي من حواسنا او في مجموعة منها، لان كل احساس ينجم عنه تصور معين، وتحدده لانه على الاقل فيما يتصل بشكل الصورة، يشمل الانطباعات الحسية، تجيء وليدة التشبيه او الاستعارة، وبقية الصور البلاغية مهما كانت الحاسة التي تتجه اليها ويستبعد الوصف المباشر; ولو كان حسيا.
وتربط الصورة الشعرية بتجربة الشاعر، تجسد فكرة او عاطفة، وهي ذات صلة قوية بالمشاعر التي تسيطر على القصيدة وتصبح جزءا منها وتتازر مع بقية الاجزاء الاخرى لتنقل لنا التجربة كاملة.
ويقوم الخيال الدور الاساس في تشكيلها - اي الصورة الشعرية - يلتقطها ببراعة من مشاهدات الواقع وملابسات الحياة اليومية، او يرتفع بها عن الحوادث العادية فيستمدها من مناظر الطبيعية ومهابط الجمال الرفيعة ويمزج بين عناصرها المختلفة، فتجيء خلقا جديدا يختلف في طبيعته وخواصه عن العناصر الاولية التي تالف منها (4) .
والخيال - كما يقولون - وليد العاطفة، والعاطفة هي «تلك القوة النفسية التي تثيرها مؤثرات وميول خارجية مختلفة، فتظهر في صورة انفعالات شتى كالحب والبغض والسرور والحزن والرجاء والخوف والوفاء، وهي بهذا من دواعي الشعر التي تهيجه، وينابيعه التي ينبجس منها» (5) .
ولقد عرف النقاد العرب القدماء دور العاطفة في الشعر، يقول ابنقتيبة:«فللشعردواع تحث البطىء وتبعث المتكلف: منها الشراب ومنها الطرب، ومنها الطمع،ومنها الشوق» (6) ، لكنهم لميعرفوا كلمة العاطفة بوصفها مصطلحا نقديا، فهيمن مصطلحات علم النفس الحديث، لكنهم تكلموا عن حقيقتها وسموها «قواعدالشعر» (7) .
ولقد «درس العرب الوانا من الخيال في الجملة العربية، وكلها ترمي الى توضيح الفكرة الجزئية» (8) كما درسوه «باعتباره قوة من قوى العقل، لها اتصال بلاغي بفن القول، وذلك عندما يكون هناك جامع خيالي او وهمي، او تداع للمعاني في علمي البيان والمعاني، ولهذا انحصرت دراسته عندهم في التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز المرسل» (9) .
اذن، «فالمهمة الاولى والاشد، بساطة لدور الصورة الشعرية ان تجسد ماهو تجريدي وان تعطيه شكلا حسيا» (10) ، وبواسطة الصورة، «يشكل الشاعر احاسيسه وافكاره وخواطره في شكل فني محسوس، وبواسطتها يصور رؤيته الخاصة للوجود وللعلاقات الخفية بين عناصره» (11) .
الصور الشعرية، يقوم جانب كبير منها على اسس بلاغية من تشبيه واستعارة ومجاز وكناية ومن تقديم وتاخير وفصل ووصل، الا ان ذلك ليس شرطا فيها، فقد تجيء رسما لموقف نفس اخاذ في الفاظ ذات دلالة حقيقية لاتنطوي على شيء من مقومات البلاغة التقليدية.
وهناك روافد ثلاثة تستمد منها صورة الشعر:
الاول: مشاهداته الخاصة وتجاربه الشخصية، وكلما اتسعت هذه وتعددت تلك، ازدادت الصور التي تترامى الى ذهنه وتتوارد على خاطره وتنوعت الوانها.
الرافد الثاني: النقل سماعا او قراءة، والشاعر في هذه الحال منتفع بتجارب غيره، فهو ناقل ومحاك، ليس الا.
الرافد الثالث: قدرته على تركيب الصور القديمة والتاليف بينها، لتاتي في صورة جديدة مبتكرة، ويتوقف جمال الصورة في هذه الحال على طبيعة الشاعر العقلية وسعة خياله وبعد مداه.
وقد تكون الصورة الشعرية ذات ابعاد واسعة وتعتمد على حشد من الالفاظ والعبارات، لو قراتها متفرقة لميكن لها تاثير كبير، ولكنها مؤتلفة كل واحد منها اماملوحة شعورية كبيرة ذات دلالة خاصة، وجانب كبير من اثارة الصورة الشعريةالىانها - الى جانب التجسيم - تحمل طاقة عالية من التوتر، ومعها لايلتقيالخيال وقع انطباع حسي واحد، وانما اثنان او اكثر متحدان في واحد، فيتضاعف التاثير.
وللصورة الشعرية طابع اخر يشاركها فيه كل ماهو خيالي، فهي منتقاة، والانتقاء يتيح لنا ان نختار الفاظنا بما يؤكد توتر التاثير واعطائه قوة اشد، وبالتجسيد والتكثيف والانتقاء، تبلغ الصورة الشعرية ذروتها، تاثيرا في النفس واثارة للشعور والخيال.
يمكننا ان نقرر - بادىء ذي بدء - ان الديوان خلا من الصور الشعرية الكلية، وكاد يخلو من الصور الشعرية الحركية، وهي التي تعتمد على الالفاظ الحقيقية.
لكنه مليء بالصور الجزئية او الممتدة او المتداخلة، وهي التي عرفت قديما واهتم بها نقاد العرب، وتشمل التشبيه والاستعارة - بنوعيها - والكناية والمجاز المرسل.
وصور ابي الاسود الشعرية، منتزعة من البيئة البدوية التي عاشها حقيقة او تاثرا، كما انه اعتمد على الصور القرانية والنبوية، يضاف الى هذين المصدرين او الرافدين: علمه وتجاربه وخياله.
ويبدو تاثره بالصور البدوية حين الوصف خاصة; اما الصور القرانية، فتبدو حين الهجاء او العتاب او المدح والفخر، على حين تبدو صوره المبتكرة في الحكم والنصائح غالبا.
تاثر ابوالاسود الدؤلي بالقران الكريم في الفاظه وصوره، ونضجت هذه الصور القرانية في شعره، ولعل اشهرها، صورة المغتاب الذي ينهش في اعراض الناس ويمشي بينهم بالغيبة والنميمة، حين صوره القران بصورة الرجل الذي ياكل لحم اخيه ميتا، فاخذ ابوالاسود هذه الصورة وصاغها في شعره، في قوله:
وحب لحوم الناس، اكثر زاده كثير الخنا بعد المحالة هماس
تركت له لحمي وابقيت لحمه لمن نابه من حاضر الجن والناس (12)
ويقول مرة اخرى:
وتم ظنون مستظن ملعن لحوم الصديق لهوه وماكله (13)
ويقول في موضع اخر:
تصيبون عرضي كل يوم، كما علا نشيط بفاس معدن البرم ناحت (14)
ونرى الصورة القرانية تبرز في البيت التالي:
لااشتري الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر اجمع واصبا (15)
لما نقرا له صورة قرانية اخرى، مستمدة من اخذ الكتاب بالشمال، كناية عن عدم التوفيق والسداد، يقول:
وخبرني من كنت ارسلت انما اخذت كتابي معرضا بشمالكا (16)
وتلمح التاثر بالصور القرانية في قوله:
وقال: الذي يرميك ربك جازيا بذنبك والاذناب يعقب ماترى
فقلت: لو ان ربي برمية رماني لما اخطا الهى مارمى (17)
وهذه الصورة نلمحها في قوله تعالى: «ومارميت اذ رميت ولكن الله رمى» مع الاختلاف في مبعث الصورة وهدفها.
ويمكننا ان نلمح صورة ماخوذة من السنة الشريفة، يقول:
ويعجبه صفحي له وتحملي وذو الجهل يحذي الفحش من لايعاجله (18)
وهذه الصورة ماخوذة من الحديث الشريف: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير...».
ابوالاسود الدؤلي كان قريب عهد بالبداوة والعصر الجاهلي بعاداته وتقاليده على الاقل، من الناحية الادبية والشعرية، ولذلك فلايكون غريبا ان نجد في شعره صورا ذات طابع بدوي او تراثي - اذا صحت التسمية بالنسبة لابي الاسود - ومن هذه الصور قوله:
وعندي له - ان ثار - فوار صدره فحاجبلي لايعود له الحاس (19)
وقوله يصور اذاعة السر وافشاءه بين الناس:
اذاع به في الناس حتى كانه بعلياء نار اوقدت لثقوب (20)
وقوله يصور دفاع الاسد عن عرينه:
الم يكفكم ان قد منعتم بيوتكم كما منع الغيل الاسود النواهت (21)
وقوله معبرا عن الغضب بقدح الزناد، وهي صورة بدوية:
الاياابا الجارود! هل انت مخبري باي زناد يورين عندكم قدحي (22)
وقوله يصور بعض الصفات التي قد برىء، منها:
ولابسبس كالعنز اطول رسلها ورئمانها يومان ثم يزول
ولست كجلب يسمع الناس هزمه وتحت الحنيف حاضر ومحول (23)
وقوله ينتزع صورة البئر الضحلة الماء:
وقد ارسلوا فراطهم فتاثروا قليبا نزوعا لاتبل العراقيا (24)
والديوان مليء بالصور التي استمدها الشاعر من البيئة البدوية.
واذا كان ابوالاسود قد افاد من القران والسنة والصور البدوية والتراثية، فان له صورا جديدة مبتكرة، من وحي خياله ومن عصارة تجاربه; هي مليئة بالحيوية والحركة والايحاء، يضاف اليها الاقناع وخاصة في باب الحكم والنصائح.
يقول معبرا عن شدة حفظ السر:
ومؤتمن بالسر اوثقتسره مع القلب مقرونا به لايزايله (25)
ويقول معبرا عن العادة المتاصلة في الانسان:
وكل امرء - والله بالناس عالم له عادة قامت عليها شمائله (26)
ويقول في نفس المعنى والصورة:
كل امرء صائر يوما لشيمته في كل منزلة يبلى بها الرجل
ولو تلبث عنها غير تاركها الا اليها قريبا ثم ينتقل
اذا اراد لها تركا تقعده كما تقعد ساق الموثق الطول (27)
وله من هذه الصور، العدد الكثير.
يتالف الديوان - ومستدركه - من اربع وعشرين قصيدة، ومجموعة كبيرة من المقطوعات الشعرية، عددها مائة مقطوعة ومقطوعة واحدة.
والقصائد التي في الديوان، عددها عشرون، واربع قصائد في المستدرك، ومجموع ابيات القصائد كلها «285»، بيتا، موزعة كالاتي، حسب ارقامها في الطبعة التي بين ايدينا من الديوان:
مسلسل/رقم القصيدة/عدد ابياتها/اغراضها و فنونها و معانيها
1/1/11/هجاء
2/3/8/عتاب + حكم ونصائح
3/6/10/فخر
4/8/26/هجاء + مدح + وصف
5/9/8/هجاء
6/10/8/عتاب + فخر
7/12/11/عتاب
8/18/21/هجاء + وصف + مدح
9/21/10/هجاء + حكمة
10/24/10/عتاب + فخر
11/25/8/فخر
12/36/8/عتاب
13/38/8/عتاب + نصح
14/48/16/هجاء + فخر
15/54/8 / عتاب + فخر
16/65/17/رثاء
17/66/9رثاء
18/67/8/رثاء
19/82/12/هجاء
20/84/9/نصح وحكم
21/2 / 10/نصح وحكم
22/6/8/سياسة
23/19/11/وصف
24/32/30/نصح وحكم
اما المقطوعات الشعرية، فسوف نصفها في احصائية، طبقا لعدد الابيات المؤلفة منها، وهي موزعة كالاتي والارقام التي تحملها هي التي في الديوان ومستدركه:
بيت واحد/اثنان/ثلاثة ابيات/اربعة / خمسة/ستة/سبعة
74/31/13/68/33/11/15/4/2
3/34/14/71/35/16/17/7/5
4/14/23/73/38/26/19/22/51
5/60/27/76/37/20/52/81
20/75/28/80/39/30/53/11
24/86/29/85/40/33/56
29/1/32/87/43/45/57
30/7/35/8/47/5/64
34/9/42/10/62/55/69
37/13/44/12/78/63/79
15/46/14/21/70/83
28/49/16/23/72/18
36/58/17/25/77
59/27/26/22
61/31
والمقطوعات السابقة، منها سبع وستون مقطوعة في الديوان واربع وثلاثون في المستدرك ومجموع ابياتها 368 بيتا وهي غالبا ما، تدور حول فن من الفنون او غرض من الاغراض.
ولعل هذا الديوان، هو الذي تفرد بهذه الخاصية من حيث قلة القصائد وكثرة المقطوعات.
ولعل السبب في ذلك يرجع - فيما يرجع - الى ان اباالاسود قال الشعر متاخرا، بعدما مضت عنه فترة الشباب بعنفوانها وصبوتها، وقد يضاف الى ذلك سب اخر وهو احتمال ضياع بعض من شعره في زمرة الاحداث السياسية، خاصة وان الفترة التي عايشها - وفي اواخر حياته - شهدت تطورات كثيرة متلاحقة، ولعل تشيعه ووفاءه للامام علي كان سببا مهما في ضياع جزء من شعره، خاصة السياسي منه.
وعلى العموم، فهذا لايمنعنا من التعرض لموضوع البناء الفني للقصيدة عنده، متخلصين - نظرا لظروف شاعرنا ونتاجه - من قيد القصيدة والمقطوعة، لنناقش البناء الفني لها، سواء كانت قصيدة ام مقطوعة في عرف النقاد والعروضيين ودارسي الاداب، اي متوسعين شيئا في مفهوم القصيدة وهو توسع استثنائي - ان صح هذا التعبير - لايسري على كل الدواوين ولاالدراسات.
2 مطلع القصيدة:
من اللافت للنظر في ديوان ابي الاسود الدؤلي ان مطلع القصيدة عنده خلا من المطلع التقليدي الموروث وهو المقدمة الطللية او الغزلية، فلمنجد له قصيدة واحدة - او حتى مقطوعة - بداها بالتعبير عن بكاء الديار واستيقاف الاخوان وتذكر الاحباب والتغزل فيهن. ولعل ذلك يرجع - في رايي - الى احد الاسباب الاتية، كلها:
1 لمينظم في الغزل ولاذكر ايام الصبا ولهو الشباب، وذلك لانه بدا حياته بداية جادة واستمر فيها في كنف الصحابة الصلحاء.
2 الراجح - في رايي - انه لميتخذ الشعر صناعة ولافنا يعرف به ويوسم به، ويبدو انه اكتفى بما حقق في حياته العلمية والعملية، ويؤيد ذلك انه قال الشعر كبيرا بعدما ولت عنه فترة الشباب، وقاله معبرا عن لحظات او مواقف عابرة.
ولذلك لميتقيد بتقاليد الشعراء من حيث طول القصائد وتعدد الاغراض فيها وافتتاحها بالمقدمة الطللية او الغزلية...الخ.
3 لعله نظم قصائد طوالا، ولعله ايضا بداها بالمطلع التقليدي خاصة وان الالتزام بهذا المطلع كان سنة الشعراء حتى بعد ابي الاسود الدؤلي لكن اجزاءا كبيرة من هذه القصائد، يرجح انها ضاعت ولعل السياسة وتقلبات الزمن لهما دخلا كبيرا في هذا الضياع، وقديؤيد ماتذهب اليه، ان قصائده ومقطوعاته خلت كلها - ماعدا قصيدة - من التصريع، وهو الوسيلة العروضية الفنية التي تعيننا على تحديد بداية القصيدة غالبا.
وعلى العموم، فالذي ننتهي اليه - طبقا لما بين ايدينا من شعره - هو ان مطلع القصيدة عندي كان طبيعيا متسقا مع موضوع القصيدة غالبا، وانه لميؤثر عنه مطلع واحد طللي او غزلي، هذا في الوقت الذي كان فيه كل الشعراء ملتزمين بهذه المقدمة، وقد استمر هذا التقليد في الادب العربي حتى بداية العصر الحديث.
3 بناء القصيدة الدؤلية والوحدة الفنية:
لن نتكلم بالضرورة - هنا - عن مدى توفر الوحدة العضوية - طبقا للفهم والتطبيق المعاصرين لها - في قصيدة ابي الاسود، لان هذه الوحدة برزت الدعوة اليها - وبالتالي محاولة تحقيقها في القصيدة الحديثة - عدة عوامل، اهمها تقدم النقدالادبي الحديث واهتمامه بالوحدة العضوية ونشاة مجموعات من الشعراء حاولت تحقيق الوحدة العضوية في قصائدهم بل في دواوينهم كلها، وساعد على ذلك ايضا، استعارة الشعر الحديث لكثير من الادوات والوسائل التكنيكية الحديثة من عالم القصة والمسرحية والسينما، تلك الادوات التي تساعد على تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة على نحو اكمل، يضاف الى كل ماسبق، بعض السمات الشعرية العامة للقصيدة الحديثة (28) .
قلنا: اننا لننتكلم بهذه الصورة، ولكننا سوف نتعرض بالحديث عن مدى دوران القصيدة عند ابي الاسود الدؤلي حول موضوع واحد، او عدة موضوعات وهل تعبرعن عاطفة مفردة او عن عدة عواطف متباعدة متنافرة، وهل تثير في القارىء او السامع مشاعر واحاسيس مؤتلفة ام متضاربة؟ وهل للقصيدة عنده بدايةونهاية؟ ام لا؟ وهل افكارها متسلسلة داخل سياج شعوري واحد تحكمه وحدةالموضوع ووحدة الجو النفسي، اقحمت عليها فكرة غير متجانسة او موضوع غريب؟
وهل القصيدة عنده بعيدة عن الفضول والحشو ومااليها من الامور التي يفصل بها الشاعر بين افكار القصيدة الاصلية، حيثينتقل انتقالا فجائيا من موضوعه الاصلي الى حكمة مبتذلة او فكرة نابية؟
وهل القصيدة بعد هذا كله متماسكة البناء فيما بين ابياتها، وصورها الشعرية متازرة وعناصرها متلاحمة، تلاحما عضويا، يحقق لها الوحدة والانسجام والترابط؟
وبادىء ذي بدء، يمكننا القول طبقا لهذا الفهم، بان شعر ابيالاسود تتحقق فيه وحدة الموضوع، ماعدا قصيدتين، وهذا راجع الى طبيعة شعره - من حيث كونه تعبيرا تلقائيا عن مواقف معينة حدثت له او تعرض لها في فترة زمنية محددة من عمره - هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فان شعره كان معظمه في شكل مقطوعات قصيرة، اغلبها يتالف من ثلاثة ابيات، والقصائد عنده - وبعض المقطوعات ايضا - قد تتعدد اغراضها، لكن العاطفة المثيرة لهذه الاغراض واحدة، او ان اغراض القصيدة وجوه لعملة واحدة، فالعتاب يعقبه فخر، وهذا امر طبيعي للدفاع عن النفس وابعاد شبهة التذلل والخضوع، او يعقبه حكمة وعدة نصائح وهذا اذا كان المعاتب قريبا جدا الى نفس الشاعر فبعد ان يعاتبه ينصحه بعدة ابيات ويختم ذلك بالحكمة المستخلصة، وهكذا في بقية الاغراض.
اما من حيث تازر عناصر القصيدة الفكرية والشعورية وتلاحم صورها الشعرية فهذا متحقق ايضا، ساعد عليه عقل الرجل وتمكنه من فنه وانفجار شاعريته من موقف مؤثر او حادثة واقعة.
الدؤلي في السوق النقدي
بعد دراستنا المستفيضة للدؤلي من كل جوانبه وابحرنا في خضم المراجع والمصادر القديمة وللعسر الموجود في تاريخ رجال القرن الاول الهجري وذلك يعود لاهتمام المجتمع بالدين الجديد خصوصا النصف الاول من القرن الاول وترك ماعداه من امور تعود الى تاريخ الفرد في المجتمع، حتى ان كثيرا من اعلام ذلك القرن خفت علينا بعض حركاتهم وسكناتهم، الا بالاستدلال، فقد تمكنا ان نقلع شعر الدؤلي من بين الاف القصائد والمقطوعات في تلك الفترة واظهرناه الى الوجود، كما عرضنا بعض حياته الاجتماعية والسياسية وبعض الاشكالات التي حدثت مع حلها كما اشرنا لبعض الملابسات التي حلتبين المؤلفين ورجال التاريخ بحقه.
ونلاحظ الدؤلي يوضع في الميزان النقدي ليحكم اليه ومنحه الوسام العالمي فنلاحظ ان كبار علماء الرجال في القرن الثاني الهجري، بالتوالي الى يومنا هذا كل منهم مر بهذا التابعي وادلى بتصريحه الذي يحمله على هذا الرجل ونحن بصددنا نطرح اليكم بعض الذي حصلت عليه خلال دراستي الميدانية لهذا العالم اللغوي حيث قال:
قال الطوسي: كان من سادات التابعين ومن الفضلاء والفصحاء والشعراء وعاصر اربعة من الائمة، هم: اميرالمؤمنين والحسن والحسين وعليبن الحسين عليهم السلام. (29)
قال العسقلاني: «كان ثقة فاضلا مخضرما» (30) .
وقال ابن سعد: «في الطبقة الاولى من اهل البصرة; كان شاعرا متشيعا وكان ثقة في حديثه». (31)
وقال ابن عبدالبر: «كان ذا دين وعقل ولسان وبيان وفهم وذكاء وحزم وكان منكبار التابعين» (32) .
وقال الجاحظ: «قد جمع جودة اللسان وقول الشعر» (33) .
وقال ابن خلكان: «كان ديوانه محل اهتمام علماء الادب على مر العصور» (34) .
وقال الامدي: «كان شاعرا متقنا للمعاني» (35) .
وقال السيوطي: «انه شاعر سريع الجواب» (36) .
وقال ابن الاثير: «له شعر حسن» (37) .
وهنالك عشرات من امهات كتب التراجم والرجال والتاريخ، تذكر مثل ماذكرنا واقتصرنا ببحثنا على ذكر هذه المصادر لثقتها وقدمها.
وشهد له اعداؤه ومنهم عمروبن العاص حيث قال لمعاوية: «يااميرالمؤمنين! ان اباالاسود رجل مفوه له عقل وادب» (38) ، وقول عمرو وشاهد عيان على ماجرى بينه وبين معاوية من مناظرة.
ونريد ان نعود الى المحدثين من رجال التاريخ والحديث والتراجم ونتصفح وريقات الكتب حتى نرى ماذا يرون فيه.
قال الدكتور القاضي: «انه من اسياد التابعين ومن الموالين لعلي اميرالمؤمنين» (39) .
وقال السيد الخوئي: «انه من سادات التابعين وعاصر الامام عليا والحسن والحسين وزينالعابدين عليهم الصلاة والسلام». (40) وقال الاستاذ عبدالكريم الدجيلي: «الواقع ان شعر ابي الاسود الدؤلي الذي وصل الينا لايصور مجتمعه وبيئته تصويرا كاملا ولايعالج المشاكل والاوضاع العامة وهو لميترك للاجيال الطالعة بعده سجلا حافلا تتزاحم به الاشخاص والاعمال» (41) .
وفي دائرة المعارف الاسلامية: «توصف اشعاره بانها تبين الضيق الذي كان يعتريه بسبب اعباء منصبه الى ان تقول: وقد امده مقتل علي بمادة جديدة في الرثاء وفي قصيدة نظمها وهو لايزال متاثرا بوقوع الحادث» (42) ، واحببت ان ادخل من المستشرقين في هذا الميزان مع النقد الى مايرونه.
قال المستشرق الالماني نولدكه، في مجلة الشرقية الالمانية، (ص232، في ج8، المطبوع 1864) مايلي: «لعلاقة ابي الاسود بالشخصيات التاريخية ولشخصيته المشهورة ولشعره اثر تاريخي» ويترسل في الكلام حتى يقول: «فان شعره ضعيف من ناحية المعنى ومن ناحية القيمة الشعرية وفي قليل من المواضع يرفع شعره او يكون اعتياديا على الاقل» (43) .
ويقول بروكلمان في بحثه مع الشعراء المخضرمين: «بانه ليس على مستوى رفيع من الوجهة الفنية، كما انه لايقدم غنما تاريخيا جديرا بالذكر في احوال عصره» (44) .
الحقيقة يجب ان تظهر كالشمس في رابعة النهار، فلاعجب في تقييم علماء التراجم والتاريخ والادب للدؤلي، وانني اتفق مع قول القدماء بشكل مطلق وهم المراة العاكسة للصورة الحقيقية للشخص، كما وجدنا خير شاهد على تقييمه هو وخصيمه عمروبن العاص، فلاحاجة بعد ذلك الى تقييم المستشرق الالماني، الذي يرى علاقاته الاجتماعية العريقة مع عدم ذكر احد في شعره، فقد عمر الدؤلي 85 عاما وعاصر كثيرا من العلماء والصحابة وغيرهم، فالمفروض ان يكون شعره خصبا دسما مليئا بالاحداث التاريخية والسياسية وغيرها، ان مقولة نولدكه لمتصب الهدف ولميدرس الوضع الذي عايشه الدؤلي من ولاء لاميرالمؤمنين، مخاصم لاعدائه، فقد ابعد عن كثير من رجال عصره، هذا من جهة لميكن الدؤلي خصص نفسه الى الشعر وعزل ذهنه عن باقي جوانب الحياة، بل هو عالم محدث لغوي اديب قاض فارس وجمع بين شتات متباعدة، كل ذلك يضعف من قوته المتخصصة، فلو حدد نفسه للشعر; فقد شاهدته كيف كان يرسم الشعر، ومن جانب اخر، عاش في فترة حدد بها الرسول الصحابة الشعراء من نظم الشعر وكتابته، خوفا لاندماجه بالاحاديث والايات، فهذه العوامل الظاهرية وهنالك عوامل باطنية كذلك اثرت في نفس الدؤلي في الخوض اكثر من ذلك في الشعر، ومنها التزامه في النصوص القرانية، التي تحدد قول الشاعر، ومنها انشغاله مع اميرالمؤمنين في حفظ الحديث وهموم المجتمع وغير ذلك; فابوالاسود في رايي شاعر عالم لغوي محدث ولكن فصاحته وحديثه طغتا على شعره ومع هذا كله له من الحكمة والوصف والرثاء، قصائد رفيعة في الاسلوب والمعنى.
والسؤال الذي يطرح نفسه، ماهو السبب في تاخير تحقيق ديوان الدؤلي الى اكثر من اثنيعشر قرنا؟ ولماذا لميتعرض الكتاب والادباء الى دراسته، مع انه من العلماء البارزين في علم النحو؟
في فهمي القاصر، ان السبب الاول في اندثار هذه الشخصية وانطمارها في بطون الكتب، هو الميل السياسي للدؤلي، فقد اعرض عن ذكره كل الادباء والعلماء، حتى ظهر لهذه الطائفة اقلام ادبية وتاريخية فاظهروا الدؤلي الى اشعة الشمس وكشفوا للملا عن ظلامته.
والسبب الاخر، هو تدخل المستشرقين كبروكلمان وجرجي زيدان وغيرهما الذين اعربوا عن شعره بانه لاقيمة له وتركوا جوانبه الاخرى الخصبة في حياته الاجتماعية في البصرة وفي حرب صفين والجمل والنهروان، ومقابلته مع معاوية وغيرها من المناقب مثمرة وملؤها العقيدة والايمان بالولاء المطلق لاميرالمؤمنين، وهنالك سبب ميداني: كلما قصر عمر الشاعر، يسهل للباحث والمحقق حصر اعماله واقواله وحياته، وكذلك يسهل عليه التمييز بين اقواله وافعاله وغيرها بالحصر، والعكس الذي حدث مع الدؤلي، الذي عاش 85 عاما من الحياة التي تبدا 16 قبل الهجرة الى 69 بعد الهجرة، ترهق الباحث الكشف والتنقيب وبالتالي تزداد عليه الملابسات والاشكالات وغيرها، وذلك يعود لطول الفترة الزمنية من حياة الشاعر.
واخيرا اختم رحلتي الشاقة الصعبة التي ارهقتني لطول الفترة وقلة الزاد ولكنها ممتعة وجميلة لانني تقربت الى العلي القدير، ان اظهر للعيان نجما من طلائع النجوم التي احاطتبقمر الشريعة الاسلامية الغراء عليبن ابي طالب، كما يسعدني ان اقدم للادباء العلماء والخطباء، هذا النهل اليسير وابتهل به الى الله سبحانه وتعالى لكي يجعله لي ذخرا يوم فقري وفاقتي.
انتهيت من رسم البحث، يوم السبت لعشرين، خلون من شهر شعبان الاغر لسنة1407ه.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين، محمد واله الطيبين الطاهرين الميامين.
پىنوشتها:
1) الطاهر مكي، الشعر العربي المعاصر، ص81 و82.
2) ال عمران (3) الاية 6.
3) الانفطار (82) الاية 7 - 8.
4) د. الطاهر مكي، الشعر العربي المعاصر، ص81.
5) د. محمد طاهر دروسيه، في النقد الادبي عند العرب، ص196.
6) ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص8.
7) ابن رشيق القيرواني، العمدة، ج1 ص77.
8و9) في النقدالادبي عند العرب، ص205.
10) الشعر العربي المعاصر، ص83.
11) عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ص98.
12) الديوان، ص29 - 30.
13) المصدر السابق، ص40.
14) المصدر السابق، ص63.
15) الديوان، ص37.
16) المصدرالسابق، ص82.
17) المصدرالسابق، ص89.
18) المصدر السابق، ص39.
19) المصدر السابق، ص29.
20) الديوان، ص32.
21) المصدر السابق، ص63.
22) المصدر السابق، ص66.
23) المصدر السابق، ص79.
24و25) المصدر السابق، ص104.
26و27) الديوان، ص104.
28) انظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة.
29) محمد بن الحسن الطوسي، رجال الطوسي، ص46، 69، 75، 95.
30) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب.
31) طبقات ابن سعد.
32) ابن عبدالبر، الاستيعاب; انظر: رجال الطوسي، ص95.
33) الجاحظ، البيان والتبيين، ج1، ص285.
34) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج1، ص241.
35) الامدي، المؤتلف والمختلف، ص151.
36) السيوطي، بغية الوعاة في طبقات النحاة، ص274.
37) اسد الغابة، ج1، ص241.
38) الغدير، ج2، ص146.
39) الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص575.
40) الخوئي، معجم رجال الحديث، ج9، ص171.
41) تحقيق ديوان ابي الاسود، ص32.
42) دائرة المعارف الاسلامية، ج1، ص307.
43) تحقيق ديوان ابي الاسود، ص32.
44) كارل بروكلمان، تاريخ الادب العربي، ص171.