الباب الثاني: فنون الشعر

المتصفح للديوان يجد ان اباالاسود الدؤلي قال في معظم الاغراض والفنون المعروفة لعهده، ولكن على تفاوت في القلة والكثرة بالطبع، غير انا لانجد له شعرا في الغزل قليلا او كثيرا، ولعل الاسباب التي ادت الى ذلك هي:

1- لم‏يعرف له شعر في صباه، ولكن الشعر الذي عرف له كان بعد مااسلمه الشباب الى الكهولة او كاد، اي حين تحمل مسؤولية الولد والزوج.

2- صلته بالامام علي، وقد كان من اهل ثقته واصحاب المكانة عنده، والامام علي كان اخذ الناس بالجد والحزم وابعدهم عن اللهو والعبث، ولم‏يكن يرضاهما لاحد، ولاسيما الذين يتولون له عملا.

3- الاعمال التي وليها بعد ذلك كله كانت اعمالا ذات بال تحمل اصحابها على التزام الوقار والجلال، وتصد في مثالها الاعلى عن الانبساط للعبث واللهو والاستجابة لدواعي الصبابة والهوى فلم‏تكن الاحوال اذن مؤاتية لشعر الغزل ان يكون له نصيب من شعر ابي الاسود، كما كان لغيره من سائر الفنون.

وتدور فنون شعره واغراضه حول الحكم والنصائح والهجاء والعتاب والفخر والمديح والرثاء والوصف والسياسة والاعتذار، وسوف نعرض لكل غرض على حده بكلمة موضحة وموجزة على قدر الامكان.

الحكم والنصائح

عاش ابوالاسود خمسا وثمانين سنة «تبدا حوالي مطلع الاسلام، وتنتهي لعهد عبدالملك‏بن مروان‏» (1) ومعنى ذلك انه قدر له ان «يصاحب الدعوة المحمدية في ظهورها ونشوئها وفي نموها واكتمالها وان يراها وهي تخرج من الجزيرة وتنطلق هنا وهناك‏فتاوى اليها اقطار وتدخل فيها امم... وراى المسلمين اخوانا متحابين اخرج الاسلام اضغانهم والف بين قلوبهم، ورايهم جميع وباسهم شديد، وراهم وقد تفرقوا بعض الوقت‏شيعا واحزابا يكيد بعضهم لبعض ويضرب بعضهم بعضا، حتى يطمع فيهم عدوهم، لولا ان تدارك امرهم بعض الخلفاء فراب الصدع وردهم امة متماسكة‏» (2) .

كما انه عاصر عدة نظم للحكم الاسلامي، وعايش فترتين متمايزتين، الاولى منها: كان معلما فقاضيا فواليا، والثانية: كان رجلا ضد النظام الحاكم تخلى عنه زملاؤه واصدقاؤه، او بعضهم على الاقل، فراى منهم ماراى‏وجرب ماجرب في حياته.

كانت‏حياته الزوجية - على وفاقها وهدوئها - لم‏تخل من بعض المواقف والمنغصات، ثم هو رجل عالم لغوي وفقيه زاهده (3) قاض وقارئ للقران ومعلم واستاذ يعلم الصبيان لعمر في البصرة والكبار في كل مكان ومن تلامذته ابناه ابوحرب وعطاء وغيرهم، من مشاهير النحاة، ثم هو اديب وشاعر قال الشعر كبيرا.

لكل ماسبق نضح شعره بالحكمة وامتلا بالنصائح، حتى جاء هذا الفن اول الفنون عددا من حيث الابيات، ولاعجب في ذلك، فهو المعلم اللبيب والناصح القريب من القلب والعقل، الحريص الملتزم، ومثل الدين وادابه، في صورة حديث الرسول «الدين النصيحة‏» وقوله: «المؤمن مراة اخيه‏» وتوج هذا الجانب بقوله: «ان من الشعر لحكمة‏».

ويستمد ابوالاسود حكمه ونصائحه من تجارب الحياة وعبر الاحداث واداب الدين، وهو يفردها بالنظم حينا وينثرها في فنون شعره حينا اخر ولايلقيها - على الحالين - قضايا مرسلة او اوامر ونواهي مجردة، ولكنه يتبع كل قضية يقولها وكل امر يامره ونهي ينهاه بعلله الموجبة واسبابه المقتضية ليقنع به ويحمل عليه عن علم بجدواه، ومن ذلك قوله: يفضل العلم والادب على المال (4) .

العلم زين وتشريف لصاحبه فاطلب - هديت - فنون العلم والادبا

لاخير فيمن له اصل بلاادب حتى يكون على مازانه حدبايمضي يتحدث عن قدر العلم والادب وانه يرفع اناسا لاحسب ولامال لهم، في حين ان عدم توفرهما - العلم والادب - يجعل من صاحب الحسب والنسب والمال، ذنبا بعد ان كان اباؤه رؤوسا وسادة، كما انه لاينسى ان يحسم هذه القضية بحكمة رائعة وقول فصل، مؤداه ان المال ينقص ويفنى، لكن العلم يزداد دائما، وان صاحب المال يعيش شقيا بماله وصاحب العلم مسرور به مغبوط به ابدا، وقوله ينصح بالمقاربة في الحب والبغض ويدعو الى الاخذ بالحلم في معاملة الناس والاغضاء عن اساءة المسيئين (5) :

احبب اذا احببت‏حبا مقاربا فانك لاتدري متى انت نازع

وابغض اذا ابغضت‏بغضا مقاربا فانك لاتدري متى انت راجع

وكن معدنا للحلم واصفح عن الاذى فانك راء - ماعلمت - وسامع

ونلاحظ على هذا الشعر ان اباالاسودمتاثر فيه بقول الرسول: «احبب حبيبك هوناما، فعسى ان يكون بغيضك بوماما، وابغض بغيضك هوناما، فعسى ان يكون حبيبك يوماما».

وقوله ينهي عن خلف الوعد وخلط الحق بالباطل وعن التطوع بكلام لايدعو اليه المقام، وعن الاستماع لكل مايقال (6) :

لايكن برقك برقا خلبا ان خير البرق ماالغيث معه

لاتشوبن بحق باطلا ان في الحق لذي الحق سعه

اكل الصمت اذا مالم‏تسل لان في الصمت لاقوام دعه

رب ماسن بحديث قاله لايضر المرء انج لايسمعه

وللنظر اليه وهو ينهي عن خلف الوعد، فقد صنع من البرق في اخلافه وانجازه صورة رائعة تكشف في وضوح عن اثره في النفس انقباضا وانبساطا.

وقوله يحث على العمل والاستمرار في المحاولة، الى ان يبلغ المرء غايته واماله وينهي عن الكسل والاستسلام لكواذب الاماني والاحالة على القضاء والعذر، فان ذلك خور العزيمة وتزايل الهمة وخطل الراي، وكفى بذلك خسرانا ووبالا.

يقول (7) :

وماطلب المعيشة بالتمني ولكن الق دلوك في الدلاء

تجئك بملئها طورا وطورا تجئك بحماة وقليل ماء

ولاتقعد على كسل التمني تحيل على المقادر والقضاء

وابو الاسود يقوم اعوجاجا في تفكير بعض الكسالى والمتواكلين ممن يدعون التدين والاخذ بالتوكل على الله في الامر كله، فهو يرى ان ليس اصلح للامر ولااحكم للراي من التصدي للحقيقة واخذ الاهبة لها ومعالجة شؤون الحياة على نور منها، ولاسيما شؤون الكسب والمعاش.

والصورة التي يرسمها للدعوة الى العمل والداب عليه صورة محكمة رائعة، وانهامع ذلك لتزخر بالحركة والحياة وتفيض بالمشاعر التي تتوارد على نفس العامل الجاد من الياس والرجاء والانقباض والانبساط، وقد افاد شوقي من البيت الاول في قوله:

ومانيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

ولاتخلو حكمه ونصائحه من لمحات نفسية، وخطرات فلسفية، هدى اليها بفطرته السليمة الصحيحة ونظرته الثاقبة في احوال الناس والحياة، كقوله يشرح ماتي الحسد وسر عداوة الحاسد للمحسود، ويضرب مثلا لهما: تقول الضرائر على ضرتهن الاثيرة الحسناء (8) :

حسدوا الفتى اذ لم‏ينالوا سعيه فالقوم اعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغيا: انه لذميم

وقوله يوصي بالصراحة، ويعلن ان العاقبة للحقيقة وحدها، وانها قد تتوارى خلف ستار من التصنع، ولكن الى حين (9) :

اذا المرء لم‏يحببك الا تكرها بدا لك من اخلاقه مايغالب

وقوله يشيرالى سلطان العادة واثر مخالفتها في النفس وانه عليها شديد ولها موجع (10) :

لاتهني بعدما اكرمتني فشديد عادة منتزعه

وقوله يذكر ان الطبع غلاب وان المرء نازع اليه ونازل على حكمه حيثما كان (11) :

كل امرى‏ء صائر يوما لشيمته في كل منزلة يبلى بها الرجل

وقد ينفد صبره وتعيا حيله بما يلقى من لؤم اللئام واذى الاراذل، حتى يجحد القيم الفاضلة وينقلب ثائرا متمردا يؤدب باداب الجاهلية في المعاملة والسلوك، يقول (12) :

اذا كنت مظلوما فلاتلف راضيا عن القوم حتى تاخذ النصف واغضب

فان كنت انت الظالم القوم فاطر مقالتهم واشغب بهم كل مشغب

وقارب بذي جهل وباعد بعالم جلوب عليك الحق من كل مجلب

فان حدبوا فاقعس وان هم تقاعسوا ليستمكنوا مما وراك فاحدب

ومن الحكمة ان تاخذ حقك من الظالم ولاتتنازل ولاتتقاعس عن حقوقك، فالسيف والكر هو طريقك الى اخذ الثار، فهي حكمة رائعة وبليغة.

الهجاء

لايعير ابوالاسود في هجائه بعاهة ولايقذف بفاحشة ولايجهر باثم وماهو الا زراية على المهجو او انتقاص ينتقصه به في نفسه ورايه، اي انه ينظر في المهجو نظرة فاحص ينقد اعماله وصفاته فياخذ منها مايعيبه ويقلل من قدره فيذكره وياخذه به.

ولعل السبب في ذلك هو ورعه وتقواه وحلمه وعلمه، فهو الشاعر المحدث الامير النحوي الزاهد (13) وذلك لمعاشرته لاميرالمؤمنين علي بالاضافة الى تادبه باداب القران الكريم.

على سبيل المثال، فهو يهجو (14) رجلا من بني تيم اللات بالجهل والحقد والخبل واغتياب الناس وسعيه بينهم بالنميمة والخنا.

ولايفوته ان يبرز هجاءه في صور بلاغية رائعة، ولاينسى ايضا ان يستعين ببعض الصور القرانية مثل صورة المغتاب الذي يصوره القران بانه ياكل لحم اخيه ميتا، يقول الله سبحانه وتعالى: «ياايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولاتجسسوا ولايغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه، واتقوا الله ان الله تواب رحيم‏» (15) .

فصاغ هذه الصورة في بيتين من شعره، يقول:

وحب لحوم الناس اكثر زاده كثير الخنا بعد المحالة هماس

تركت له لحمي وابقيت لحمه لمن نابه من حاضر الجن والناس

والظاهر ان الدؤلي لايهاب الظالم، بل ولابطش الجبابرة وله ذهنية متفتحة مع الاحداث التي في المجتمع، فلم‏يجلس مكتوف اليدين، بل شمر ساعديه مهددا ومنددا لبني امية واعمالهم الشريرة وقال:

صبغت امية بالدماء اكفها وطوت امية دوننا دنيانا (16)

فنراه يصنع صورة من المجرم المتلبس بدماء الجريمة، وظليمة هذا الشعب او لسانه وحصر الحياة وترفها وزخرفها الى هذا البيت فقط وكبت نفوس المجتمع الاسلامي.

ونراه في موقف اخر امام بيوت الطواغيت كالطود الشامخ في ازالة ملك بني زياد قائلا:

اقول وزادني غضبا وغيظا ازال الله ملك بني زياد (17)

ونعلم ان (18) زياد بن ابي سفيان شرير ولايشرع الا بالشر وهي صفة مستاصلة فيه منذ شبابه، وانه احمق وبخيل وسيئ الظن بالناس، كثير النهش في لحومهم، وشره دائما، يصل الناس عن طريق يده ولسانه.

ويهجوه ايضا (19) بانه سباب سباق الى السب والقذف، غدار، وهذه هي عادته وشيمته المتاصلة فيه.

ومن هجائه لزياد قوله:

كل امرى‏ء صائر يوما لشيمته في كل منزلة يبلى بها الرجل (20)

فذهب الشاعر الى شيمة‏الرجل واصله، فيحاسبه من ذلك الجانب الذي يرجع اليه زياد واعماله من ذلك الاصل النجس، فنلاحظ الشاعر لايهجوه باقذع الالفاظ بل بالفاظ ظاهرها جميل ولو فسرتها لوجدته يتحدث عن الشجرة التي تفرع منها زياد، ويحلل نفسه بمفتاح الشخصية، او الصفة الاساسية التي يمكن ارجاع كل تصرفات الانسان اليها، ومن الصور المتكررة في هجائه هذا، نجد صورة المغتاب الذي ياكل لحوم الناس وهذه صورة - كما سبق ان قلنا - منتزعة من ثقافته القرانية، فقد وردت في سورة الحجرات.

ويهجو (21) حوثرة بن سليم بالنسيان للاصدقاء وانه يمل تعاشرهم وانه غير حازم وضال يضل من يعاشره ويفتح عليه باب الغواية، وهجاه ايضا بالدناءة والخسة والجشع وانه يخلط الحق بالباطل وانه يحب ان ياخذ ولايعطي (22) .

وقال يهجو وثاق‏بن جابر بالمخادعة والطمع (23) ، كما يهجو اوس‏بن عامر بالخداع والطمع (24) ، وهنا نلاحظ ايضا تكراره للمعاني.

ويمكننا الدفاع عنه في هذه الموطن بان هذا التكرار في المعاني لايعد عنده عيبا شعريا، لان الرجل كان قد رسم صورة مثالية للرجل المسلم فاذا خالفها احد تناوله بالهجاء، وكانت هناك عدة صفات ذميمة لاتعجبه في الرجال فيهجوهم بها، ومنها الخداع والمكر والطمع، لانها صفات تطعن الرجل في مرؤته.

وهجا الحارث‏بن خليد بانه حاد اللسان احمق، وان عوجه لايقوم، وانه كذوب الحديث جاهل يتكلف من الحركات مايوهم الناس بانه عالم، وماهو بعالم (25) .

وهجا جارا له من بني حلس‏بن يعمر (26) ، وقد اضطر الى بيع داره لئلايجاوره، هجاه بالظلم وعدم رعاية حقوق الجار والكذب والافتراء حتى على الله، وانه مولى سوء وكثير المن، قليل العطاء، والقرب منه شر ومصيبة، وانه خلا من الصفات الاسلامية الاصيلة، وانه قاطع الرحم.

ونلاحظ على هجائه السابق للحارث‏بن خليد وابي سليم الحلسي، انه مشوب بالفخر كثيرا، وهذا اسلوب فني رائع وبليغ المراد ويزيد حيث انه يريد ان يثبت لنا -وللمهجو - انه لايهجو بصفة وهو مرتكب لها او متصف بها، وانما يهجو من مركز قوة - اذا صح هذا التعبير - وكانه يطبق قوله الشهير:

لاتنه عن خلق وتاتي مثله عار عليك اذا فعلت عظيم

ولذلك يجي‏ء هجاؤه قويا مؤثرا، يزيد في ذلك انه لايعير ولايقذع ولايفحش، وقوله يذم الشباب وياسى لانه صحبه دون ان يخبره، فكان ان جنى عليه ثم تخلى عنه، فهو يشيعه (27) بالملامة والذم، ويصفه بالجار المفارق الذي ودعه الشاعر وهو يذمه بعد ان تخلى عنه وجنى عليه، وهو قد باع شبابه بغبن فاحش ونلاحظ على هجائه للشباب رنة الحسرة والندم على مافاته في شبابه، ونظرا لتفرد رايه في الشباب وهجائه - لاتحسره - له، نورد الابيات، يقول:

غدا منك في الدنيا الشباب فاسرعا وكان كجار بان يوما فودعا

فقلت له فاذهب ذميما فليتني قتلتك علما قبل ان تتصدعا

جنيت علي الذنب ثم خذلتني عليه فبئس الخلتان هما معا

وكنت‏سرابا واضحا اذ تركتني رهينة مااجني من الشر اجمعا

ويقول:

بان الشباب كبين الهالك المودي وعرد الجهل عني اي تعريد

بعت الشباب بشيب بيعة غبنا يالك بيعا حراما غير مردود

اني اطالبه في الناس انشده ياحبذا من مضل غير موجود

اما ترى لمتي شابت وزايلها نضج الصبا وطلاب الفتية الغيد

فقد اراها كمثل الليل فاحمة وحفا غدافية مثل العناقيد

تسبي الغواني ماتنفك غانية تعطو اليها بضاف لين الجيد

ويخيل الى ان هذا الراي الذي يراه في الشباب لايعدو ان يكون صورة اخرى من صور تشاؤمه وسخطه على الحياة التي صار اليها في شيخوخته، فاصبح مضيعا لايبالي به احد ولايرغب فيه احد، فكل شي‏ء عنده بغيض، سواء مامضى عنه ومالايزال حاضرا معه، واعتقد ان لوكان في شيخوخته كما كان في شبابه مصون الكرامة ملحوظ المنزلة لكان له في الشباب راي غير هذا الراي، ولتحدث عنه حديث العرفان له والحنين اليه كما صنع ويصنع الكثير من الشعراء.

وهناك نوع من الهجاء لديه يبدو انه اقرب الى التهكم والدعابة وهو يكشف عن ظرفه وخفة ظله، فقد قال يخاطب زوجته (28) :

مرحبا بالتي تجور علينا ثم اهلا بحامل محمول

اغلقت‏بابها على وقالت ان خير النساء ذات البعول

شغلت قلبها على فراغا هل سمعتم بفارغ مشغول

ويبدو هذا الشعر من نوادر الهجاء، حيث‏يبرز الهجاء والتهكم في صورة المدح والاعجاب، مع لمحات من الدعابة‏الخفيفة، ويمكن ان يكون من حسن التوجيه.

وركب «فيل‏» (29) مولى زيادبن ابيه وحاجبه يوما، ومعه ابوالاسود الدؤلي، وكان «فيل‏» على برذون هملاج، فقال:

لعمر ابيك ماحمام كسرى على الثلثين من حمام فيل

فقال ابو الاسود:

ولاارقاصنا خلف الموالي بسنتنا على عهد الرسول

العتاب

نلاحظ ان اباالاسود لايعنف في عتبه ولايلين «ولكنه يتخذ بين ذلك طريقا، كانه لايريد ان يكون العتب ثورة غاضب او نقمة ساخط والا كانت القطيعة اجمل وفيها راحة منه وبديل، كذلك لايريد ان يكون استسلام ضعيف يتخشع او استرضاء ماكر يتكلف والا كان عجزا او نفاقا» (30) وهو في كل هذا الرجل المعلم والقاضي النزيه والعاقل المجرب، الذي يعذر الناس في اخلاقهم وصفاتهم و طبائعهم. ونحن اذا تصفحنا شعره في العتاب، وجدناه يدور على تنكر اصدقائه له، بعدما جرت الايام نحسا عليه وسعدا لهم، فاذا هم بين متعاظم يتكلف في نظرات عينيه ونبرات صوته ظواهر كبرياء كاذبة وسلطان مصنوع، ومداهن يبش في وجهه ويتودد اليه، ثم هو يمسك عن بره ولايرعى حق الصداقة عليه، اجتمعا على مجافاة الرجل والزهد في صداقته لادبار الدنيا عنه، واختار كل ذلك للتعبير عن اسلوب المعاملة الذي يرتضيه ويؤثره على ماسواه.

واذا حاولنا احصاء من عاتبهم والعلاقة التي كانت تربطه بهم، وجدناهم مابين امير او وال من الولاة، تنكر له بعد انقلاب الحال وزوال حكم الخلفاء الراشدين ومجي‏ء حكم الامويين، كما يبدو ذلك في عتابه لزيادابن ابي سفيان (31) وعتاب عبيدالله‏بن زياد (32) ، او بين صديق ائتمنه على سر من الاسرار ولكن هذا الصديق افشى السر فعاتبه عتابا رقيقا (33) ، وقد يغضب من زوجته او عليها فيعاتبها عتابا رقيقا حينا او يتهكم عليها - في عتابه احيانا (34) ، قد يعاتب احد اقاربه مبقيا عليه ومراعيا صلة الرحم واواصرالقرابة التي بينهما، وكانت هذه المعاتبة لابن عم له (35) ، او لرجل من قومه (36) ، او ابن اخيه (37) ، وقد تكون المعاتبة لشاعر صديق له، وهوابو الجارود (38) .

لنا صاحب لاكليل اللسان فيصمت عنا ولاصارم

وشر الرجال على اهله واصحابه الحمق العارم

والذي نلاحظ عليه في عتابه - بالاضافة الى ماسبق - انه يعقب العتاب بالفخر احيانا (39) ، وقد يعقبه بالنصح والارشاد والحكم احيانا ، وقد نقرا له مقطوعات في العتاب فقط (41) وهو يؤثر ان يجعل عتابه على صورة رسالة يحملها الى صاحبه، رسول عنه، فيقول في عتاب ابي الجارود الشاعر:

ابلغ اباالجارود عني رسالة افي كل قول انت اخذ (42)

توقذ قولي كي توله حاجتي وبعض الكلام للكلام مواقذ

امنك قواف قد اتتني كانها اذا صابت المرء، القرار النوافذ

على غير شي‏ء، غير اني معاتب وذلك امر سنة الله نافذ

ويقول في عتاب الحصين بن ابي الحر العنبري عامل عبيدالله‏بن زياد على‏ميسان (43) :

الا ابلغا عني حصينا رسالة فانك قد قطعت اخرى خلالكا

رايت زمانا قطع الناس بينهم يرى الحق فيه فاقتديت‏بذلكا

فلو كنت اذخبرت انك عامل بميسان تعطي الناس من غير مالكا

سالتك او عرضت‏بالود بيننا لقد كان حقا واجبا بعض ذالكا

وخبرني من كنت ارسلت انما اخذت كتابي معرضا بشمالكا

والذي اراه من هذا الاسلوب الجديد في العتاب، انه ربما لم‏يرد ان يواجه بنفسه الذي يعاتبه، فاختار هذه الوسيلة الفنية تخفيفا من حدة المواجهة بينه وبين من يعاتبه، بذلك يبدو لايريد ان يحطم خط العودة له ومن جهة يبغي الفات نظر صاحبه في اخطائه وهفواته، ويذكره بايام الاخوة والصداقة التي دارت بينهما وماكان بينهما من حقوق وواجبات، والان عندما صعدت الى كرسي الدولة ودارالظرف علي فرسمت لك هذه الرسالة، فالحق هو ان تعرض وجهك عنها; هل هذه هي الاخوة؟

الفخر

«يطيب لبعض الشعراء في الفخر ان ينحلوا انفسهم من المحامد ماليس فيها او يغلواقليلا او كثيرا في تصوير ماعسى ان يكون لديهم منها، فاذا فخرهم كله او بعضه‏لايصور واقعا، او لايتحرى في تصويره صدقا ولاقصدا، واذا الامر او بعضه لايعدو ان يكون وهم واهم او امنية متمن يزجيها في معرض من الشعر الملفق المصنوع‏لتدارك نقص او ستر عيب اواستعاضة من فائت، وماهو لوعلم ببالغ مما يحاول ماربا، فالحق بين وللكذب امارات تدل عليه وللناس عيون تنظر وعقول تفهم وتقدر وتحكم‏» (44) .

ونحن اذ ننظر في فخر ابي الاسود لانراه واهما فيه ولامغاليا، فالاوصاف التي يصف بها نفسه ليست مما يعز اتصاف العربي بها على نحو ما، كما اننا نلاحظ: «ان اباالاسود لايفخر بنسب ولايكاثر بمال او ولد، وان كانت العصبية الجاهلية لتثور من حوله في الفينة بعد الفينة; هوجاء عمياء، حماه منها عقله الراجح ونظره الصحيح وايمانه الراسخ، فلم‏نر لها في فخره اثرا ولاسمعنا عنها خبرا» (45) .

والاوصاف التي اتصف بها في فخره، كلها تدور حول الاخلاق الاسلامية والصفات العربية التي لم‏يذمها الاسلام ولم‏ينه عنها، ولعل السبب في ذلك راجع الى حسن اسلامه وملازمته للخلفاء والصحابة المخلصين، يضاف الى ذلك طول صحبته للقران الكريم وللامام علي.

ونحن اذا تصفحنا شعره في الفخر وجدناه يدور (46) حول عفة النفس وكثرة تجاربه في الحياة، يقول:

وبلوت اخلاق الرجال وفعلهم فشبعت علما منهم وتجاربا

وانه ليس امعة يجاري الناس في غيهم وضلالهم وانما يسير وفق تعاليم الدين ومبادى‏ء الاخلاق، ويفتخر كذلك بوفائه للعهد، يل يصل درجة عالية من وفائه بالعهد، كما انه حازم ومعرض عن نزوات الدنيا الزائلة.

وهو في فخره هذا يزينه بتاثره بروح الدين الاسلامي واسلوب القران الكريم، ويظهر ذلك في قوله (47) :

واذا فعلت، فعلت غير محاسب وكفى بربك جازيا ومحاسبا

لااشتري الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر اجمع واصبا

كما انه يفخر بانه ثابت على المبدا لايتلون كغول الليل، وليس خبيثا غشاشا سي‏ء الظن بالناس وليس منافقا ولاكذابا ولاعديم الخير، ثم هو معروف بين الناس جميعا بصفاته الحميدة:

واني ليثنين عن الجهل والخنا وعن شتم ذي القربى خلائق اربع

حياء واسلام وتقوى (48) وانني كريم، ومثلي قد يضر وينفع

وشتان مابيني وبينك، انني على كل حال استقيم وتظلع

ويلاحظ انه يسوق فخره هذا في عبارة رصينة قوية السبك متينة البناء والفاظها فصيحة جزلة، كما انه ابدع تصوير، سواء ماكان من تصوير النفس ام الحس.

ويبدو انه في هذه الابيات يغمز الذين تحولوا تبعا لتحول الحكم وتلونوا مع الايام، اما هو فثابت على المبدا والعقيدة.

ونجده يفتخر كذلك (49) بشدة كرمه وانه يطعم من المال الحلال الذي يشبع صاحبه وانه لايشرب الخمر ولايفعل مايغضب الله وانما يشرب الحلال من العسل واللبن وهما شرابان لايغضبان الله ولايستوجبان الحد.

كما يفتخر (50) بالبراءة في النصح لله وانه مسلم وذو قرابة وقوي على الاعداء وهو شاعر مفلق، قصائده جيدة.

ويفتخر (51) بالكرم والطهر من الغدر والتسامي الى العلياء واجادة قول الشعر وعدم الضعف فيه وانه عفو حليم، يتجاوز عن سيئات المسيئين، وانه عفيف اللسان واليد.

ونلاحظ انه عندما افتخر بقوله الشعر ذكر مصطلحين من مصطلحات علم العروض وهما الاقواء والاسناد، وهذان عيبان من عيوب القافية والوزن، فهل هو اول من ذكر هذين المصطلحين ام لا؟ عموما، فالذي اميل اليه انني لااستبعد ذلك، فالرجل له اوليات كثيرة في علوم الدين والعربية وله اراء صوتية وتربوية مازالت تسبق حتى زماننا هذا، وهذا البيت هو (52) :

وشاعر سوء يهضم القول كله اذا قال اقوى مايقول واسندا

كما ان اباالاسود يبدو هنا «في معاملة من لم‏يحمد دخيلة نفوسهم، معلما شفيقا يؤثر الرحمة والبقيا على الشدة والاضاعة فانهم منه بمنزلة الابناء من الاباء ولهم عليه حق التسامح والاغضاء في الاساءة وحين الزلل او يبدو على وجه اخر قاضيا حكيما، يقدر ظروف الحال ويجعل لها مكانا فيما يرى من راي ومايحكم من حكم‏» (53) .

ويفخر في موضع اخر (54) بقوته وشجاعته ويفخر كذلك بقومه، كما يفخر (55) بعفته - مرة ثانية - وحسن ادبه، وان ذلك سببه الحياء والاسلام والتقوى والكرم، كما يفخر باستقامته وعفوه عند المقدرة.

كما يفخر (56) - مرة ثانية ايضا - بقوته في قوله الشعر وانه لايجاريه فيه احد وان شعره خالد، لما يحمل من فصاحة كلام وذوبة ذوق وحباكة الفاظ وبلاغتها، فهو محكم الصنع وفنان صادق العقيدة، ويقول:

وشاعر سوء غره ان ترادفت له المعجمون القول انك شاعر

عطفت عليه مرة فتركته لما كان يرضى قبلها وهو حاقر

بقافية حذاء سهل رويها كسرد الصناع ليس فيه تواتر

نطقت ولم‏يعجز على رويها وللقول ابواب ترى ومحاضر

يعدي بها عن عينه وهو ناعس اذا انتصف الليل المكل المسافر

اذا ماقضاها عاد فيها كانه للذته سكران او متساكر

ونلاحظ شاعرنا لاينطق من لسانه بل يخرج الكلام من اعماق قلبه، فهو نافذ الى قلب المستمع; فهذه قدرة وملكة كلامية مع عقيدة وهاجة فيقول:

فان لساني ليس اهون وقعه واصغر اثارا من النحت‏بالفاس

الرثاء

شعر الرثاء في ديوان ابي الاسود شعر متعلق بعقيدته، فهو صاغ هذا الفن من الشعر صياغة ولائية، حددها باهل البيت وتظهر فيه عاطفته الصادقة، وحبه الشديد لهم، ونلاحظ الشاعر خط في الرثاء طريق الشارع الاسلامي، فيظهر من المرثى صفاته من زهد وورع وتقوى وغيرها، واعماله التي خدم بها الدين، ونلاحظ التجديد طرا على الاسلوب والمعنى في شعر صدر الاسلام عن شعر الرثاء الجاهلي حيث «كان من عادة القدماء (57) ان يضربوا الامثال في المراثي بالملوك الاعزة والامم والسالفة والوعول الممنعة في قلل الجبال، والاسود الحاضرة في الفيافي، وحمر الوحش المنصرفة بين القفار، والنسور والعقبان والحيات ولباسها وطول اعمارها، وذلك في اشعارهم كثير، موجود لايكاد يخلو منه شعر» فاندثر كل ذلك في عصر صدر الاسلام، نلاحظ الدؤلي في رثاء اميرالمؤمنين علي يقول:

الاياعين ويحك فاسعدينا الافابكي اميرالمؤمنينا

رزئنا خير من ركب المطايا وفارسها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها ومن قرا المثاني والمئينا

فكل مناقب الخيرات فيه وحب رسول رب العالمينا

وكنا قبل مقتله بخير نرى مولى رسول الله فينا

يقيم الدين لايرتاب فيه ويقضي بالفرائض مستبينا

ويدعو للجماعة من عصاه وينهك قطع ايدي السارقينا

وليس بكاتم علما لديه ولم‏يخلق من المتجبرينا

الا ابلغ معاوية بن حرب فلاقرت عيون الشامتينا

افي شهر الصيام فجعتمونا بخير الناس طرا اجمعينا

ومن بعد النبى فخير نفس ابوحسن وخير الصالحينا

لقد علمت قريش حيث كانت بانك خيرها حسبا ودينا

اذا استقبلت وجه ابي حسين رايت البدر راق الناظرينا

كان الناس اذ فقدوا عليا نعام جال في بلد سنينا

فلاوالله لاانسى عليا وحسن صلاته في الراكعينا

وتبكي ام كلثوم عليه بعبرتها وقد رات اليقينا (58)

وتظهر هذه المقطوعة ببعض صفات الامام من زهد وورع، ومكانته العلمية والاجتماعية في المسلمين.

وهذه قصيدة اخرى في رثاء شهداء كربلاء المقدسة، وهم الحسين وبنوه ومن كان معه من عائلته واصحابه، فقد حزن الشاعر حزنا شديدا عليه، وقال:

اقول لعاذلتي مرة وكانت على ودنا قائمه (59)

اذا انت لم‏تبصري ماارى فبيني وانت لنا صارمه

الست ترين بني هاشم قد افنتهم الفئة الظالمه

واضاف لهذا الحدث العظيم الذي حدث يوم كربلاء من قتل الحسين واولاده على يد الطغمة الظالمة، وذلك يوم العاشر من محرم سنة 61ه. وله في ذلك كثير من الشعر مثل قوله:

ياناعي الدين الذي ينعى التقى قم وانعه والبيت ذا الاستار

ابكي على ال بيت محمد بالطف تقتلهم جفاة نزار

سبحان ذي العرش العلى مكانة انى يكابره ذوو الاوزار (60)

نلاحظ من هذه المقطوعة كيف تظهر عقيدة الشاعر باهل البيت ويصفهم باهل الوصل والكرم كما يصف اعداءهم بالجفاة، الذين لاوصل لهم ولااصل، وقد ابدع الدؤلي برثاء اهل‏البيت، وبالخصوص ملحمة كربلاء، بقصائد كثيرة يظهر منها ولاءه واخلاصه ويقينه القاطع بهم.

وهنالك فجوة في باب الرثاء، وهو الرثاء الاخواني، فقد خلا الديوان منه على براءة القصد به وكثرة دواعيه من الاهل والاصحاب، فهل تراه اغفل القول فيه وهذا مستبعد او لم‏يغفل، ولكن الضياع ذهب به، وكيف يذهب به كله، وقد روى لنا ماروى لنا من شعره في الفنون الاخرى؟ ان صح هذا، فهو لايتاثر ولايثار للافراد، بل هو رجل صاحب عقيدة، فيرثي رجالها الخلص الذي نراه انتزع بذلك من الخلان والعائلية والقبلية.

من مراثيه العقائدية، مايرثي مسلم‏بن عقيل سفير الحسين الى كربلاء، وهاني‏بن عروة; وهو من كبار مشايخ الشيعة في الكوفة بعد صلبهما من قبل عبيدالله‏بن زياد، فقال في ذلك:

هم جدعوا الانوف وكن شما بقتلهم الكريم اخا مراد

قتيل السوق يالك من قتيل به نضح من احمد كالجساد

واهل مكارم بعدوا وكانوا ذوي كرم رؤسا في البلاد (61)

فقد عرج الشعر على سفك دماء الكرماء من قبل الطغمة الظالمة ال زياد وانسب هذا الشهيد للنبي ولطهارة نسبه ولسمو مكانته الاجتماعية فهم اصحاب خصال حميدة، ابعدوا عن مناصبهم الروحية والزمنية واستحل هذا المنصب غيرهم من الذين لايستحقونه.

الوصف

ليس في ديوان ابي الاسود شعر قيل في الوصف خاصة، ولكنه يتخلل شعره في الاغراض الاخرى، فهو احيانا يصف (62) صحراء بعشبها الاخضر المائل للدكنة وقد سقط عليها اول المطر، وهذه الصحراء ماوى‏الظباء والنعام، وقد هبط الشاعر هذه الصحراء والسراب فيها كانه شجر يلتحف بالملا - جمع ملاة - وقد عبر طريقه وسط هذه الصحراء بعد ان تبين فيها طريقه على ناقة قوية سريعة، وذلك ليقضي حاجته ويدرك نجاحه، يقول:

وغيث من الوسمى حول تلاعه تمنع زهوا نبته وسوابله

كان الظباء الادم في حجراته وجون النعام شاجن وجمائله

هبطت اذا ما الال امن كانه عضاه تروى بالملا اطاوله

تسمعت واستوضحت ثم استجزته بابيض ملحوب قواء منازله

على ذات لوث او باهوج وشوسا صنيع نبيل يملا الرحل كاهله

لادرك نجحا او اسلى حاجة وهم القصير الباع داء يماطله

والشعر - كما هو واضح - قوي الالفاظ غريبها جزلها ايضا، ولعله للصحراء والناقة ومجاهل الرحلة دخل في هذه الجزالة والغرابة، ففيه مسحة من الغموض، وهو اشبه مايكون بالشعر الجاهلي، حتى لنحسبه - في الفاظه وتراكيبه واسلوبه وصوره - منه، لو لم‏نكن نعرف من قبل انه شعر ابي الاسود.

وله ابيات من قصيدة اخرى (63) يصف فيها ايضا، الصحراء والارض البعيدة والرحلة والناقة، وهي في مجملها لاتبتعد عن الاولى في الفاظها وتراكيبها واسلوبها وصورها ومعانيها، يقول فيها:

فانك لاتدرين ان رب سرغ دقاق الحصى منه رمال وسبسب

اقمت الهدى فيه اذا المرء غمه سقيط الندى والداخن المتحلب

الى ان بدا فجر الصباح ونجمه وزال سواد الليل عما يغيب

وصحراء سختيت‏يحار بها القطا ويرتد فيها الطرف او يتقصب

قطعت اذا كان السراب كانه سحاب على اعجازه متنصب

على ذات لوث يجعل الوضع مشيها كما انقض عير الصحرة المترقب

عليها اذا مااستحمل القوم بعضهم عليها متاع للرديف ومركب

وتصبح عن غب السرى وكانها اذا ضرب الاقصى من الركب تضرب

كان لها دائما تراه امامها مدى العين تستهوي اليه وتذهب

وخل مخوف بين ضرس وغابة الف مضيق ليس عنه مجنب

كان مهامات الاسود ببطنه مراغ واثار الاراجيل ملعب

سلكت اذا ماجن ثغر طريقه اغم دجوجي من الليل غيهب

والسؤال الان الذي يلح علينا هو: هل الشاعر هنا قلد القدماء الجاهليين؟ ام هل هي طبيعة الموضوع، الليل والصحراء والرحلة والسفر ومجاهل ذلك كله؟ على اننا لانعدم ان نجد له شعرا في الوصف، غيرما اثبتنا، ولكن بشي‏ء من التجوز والتسامح، فمنه مثلا، يصف جارية له: (64)

يعيبونها عندي ولاعيب عندها سوى ان في العينين بعض التاخر

فان يك في العينين شي‏ء، فانها مهفهفة الاعلى رداح المؤخر

قطوف اذا تمشي تخال دماءها تسايل او تبدو لها بتقطر

اذا سمتها التقبيل ابدت تشاما ولين كلام لم‏يشب بتهذر

وهو في هذا الوصف - على الرغم من انه حس للغاية - لايثير غريزة ولايحرك كامنا وانما يجعلك تعجب بفتنة هذه الجارية، دون ان تثور غريزتك.

الشكوى والتحسر

ليس هناك ارق احساسا ولاارهف مشاعر من الفنان، والشاعر على وجه الخصوص، يضاف الى ذلك احساسه بتفرده وتميزه وشعوره بان الانسان المدلل الذي يذوب وجدا واحساسا وفنا ليمتع شعبه او امته او قبيلته.

فاذا صادف هذا الشاعر الحساس الفنان المرهف عقوقا او نكرانا او تبدلت‏به الحال - وما اكثر ذلك - انقلب من التفاؤل الى التشاؤم ومن السعادة والبهجة الى الكابة والحزن، فيبدا في شكوى الزمن والناس ويتحسر على الايام الخالية، والماضي المجيد السعيد.

وهذا ماحدث لشاعرنا بالضبط، فقد بدا حياته عربيا اصيلا مجيدا، تتفرع شجرة‏مجده من كلا فرعيها - ابيه وامه - واورقت واثمرت بامجاده الذاتية علما نافعا وعقلا راجحا ومنزلة سياسية وعملية وعلمية وادبية مرموقة، ولكن ذلك كله ذهب‏سريعا وتبدلت‏به الحال، فراح يطلب صديقا، كان قد اسدى اليه معروفا، فيصدم فيه بعدما تنكر له، او يذهب الى وال كان رفيقه في العمل فيجده قد تغير جلده وتبدل‏ولاؤه فاستراح اخر الامر الى الياس والاستسلام للواقع، وقنع من الناس ومن دنياه‏بذكرى ايامه الخالية والحنين اليها والى ود من كان فيها من صديق، او ان هذه كانت -على الاقل - تراوده من حين الى حين، ولنقرا له قوله يكظم غيظه وكمده ويصبر على‏المه (65) .

تعودت مس الضر حتى الفته واسلمني طول البلاء الى الصبر

ووسع صدري للاذى كثرة الاذى وكان قديما قد يضيق به صدري

اذا انا لم اقبل من الدهر كل ما الاقيه منه طال عتبي على الدهر

وقال يشكو عبدالله بن عامر بعد الجفاء الذي حدث بينهما لما كان عليه من‏التشيع (66) :

الم تر مابيني وبين ابن عامر من الود قد بالت عليه الثعالب (67)

واصبح باقي الود بيني وبينه كان لم يكن والدهر فيه العجائب

اذا المرء لم‏يحببك الا تكرها بدا لك من اخلاقه مايغالب

ويقول ذاكرا الماضي ومتحسرا على اهله (68) :

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل امر منكر

نلاحظه يعود بذاكرته الى الخلف ويتذكر الرجال الثقات والزهاد واوصافهم الحميدة، فهم كالسيف امام المنكر ويقارن به متحسرا بما يلاقيه من رجال يومه ومايحملون من صفات ذميمة.

وهذا شاهد اخر يشكو فيه معاملته، فعندما يقدم له حاجة، فربما قضاها وربما منعها لما يعلمه من رايه وهواه في علي ويقول:

رايت زيادا صد عني بوجهه ولم‏يك مردودا عن الخير سائله

ينفذ حاجات الرجال وحاجتي كداء الجوى في جوفه لايزايله (69)

انظر الى روعة التصوير في عجز البيت الثاني; شبه حاجته بالدواء الحنظل الذي لايستطيع المريض شربه، كذلك حاجته عند زياد، علما بان الشاعر قد قضى له حاجة وبينهما على مايبدو صلة وصحبة ولكنها عرض عليها الجفاء لولائه لاميرالمؤمنين فتوقف من قضاء حاجته.

المديح

لم يكن ابوالاسود من شعراء المدح الذين يتكسبون بالشعر ويتوسلون به الى اصحاب الجاه والسلطان، ولكنه كان صاحب عقيدة، امن بها ونزل على حكمها في حياته كلها، وكان الى جانب ذلك رجلا شكورا تقع منه الصنيعة موقعها من الرجل الكريم فيقدرها ويجزي عليها حمدا وعرفانا.

كان رضي النفس يرعى حق الجوار جم الوفاء لاصدقائه قنوعا متجملا. مدح رجلا (70) - في مقابل هجائه لزياد - بحفظ السر والصدق والحياء والجراة ونصرة الصديق والكرم والحلم، وانه ودود، وقد واصل الشاعر وده:

مددت بحبل الود بيني وبينه كلانا مجد مايليه وواصله

ويمدح رجلا (71) اخر بنفس الصفات تقريبا، ولعل هذا التكرار في المعاني ليس عيبا، كما سبق في الهجاء: المدح والهجاء وجهان لعملة واحدة، صفة واحدة سلبا وايجابا، ولكنها الصورة المثالية التي يرسمها للرجل ويؤيد هذا الزعم ان مدحه السابق لم‏يكن محددا ولامحصورا في رجل معين، ولعلها صفات عامة اطلقها - على عمومها لتشمل كل رجل يمدح.

ومدح ابا ماعز (72) - وكان صديقا له وقد ولي جند نيسابور - حينما قصده، فاكرم وفادته واحسن جائزته، مدحه بحسن صدقه وصداقته وكرمه وترحيبه ووده، وانه صاحب مجد وحسن اسلام.

واهدى اليه المنذر بن الجارود ثيابا كان ابو الاسود قد احتاج اليها، فمدحه قائلا (73) :

كساني ولم‏استكسه فحمدته اخ لك يعطيك الجزيل وناصر

وان احق الناس ان كنت‏حامدا بحمدك من اعطاك والوجه وافر

يربط الشاعر بين امرين في هذين البيتين وهو الكرم ونفس الكريم، فيمدح الكريم تظهر على بشرة وجهه بشاشته علاوة على كرمه، فيفضله في المديح عن عسيره فهي‏صورة رائعة.

ويقول في مدح رجل (74) :

ساشكر عمرا ماتراخت منيتي ايادي لم‏تمنن وان هي جلت

ومن اروع القصائد التي سجلها في المديح، هو مدح ال‏البيت، ونراها قصيدة تحمل العواطف الصادقة وصفاء العقيدة فيها، كما نرى الشاعر يذوب فيها، فهي لافيها اصطناع ولامبالغة، فيظهر حبه للنبي محمد ولال‏البيت‏بهذه القصيدة:

احب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة والوصيا

وجعفر ان جعفر خير سبط شهيدا في الجنان مهاجريا

بنو عم النبى واقربوه احب الناس كلهم اليا

فان يك حبهم رشدا اصبه وفيهم اسوة ان كان فيا

فكم رشدا اصبت وحزت مجدا تقاصر دونه هام الثريا

هم اهل النصيحة من لدني واهل مودتي مادمت‏حيا

مزينة منهم وبنو غفار واسلم اضعفوا معه بليا

يقودون الجياد مسومات عليهن السوابغ والمطيا

فنلاحظ صدق المديح والثناء لاهل البيت، ثم يعرج على صفاتهم وخصالهم الحميدة‏وماقدموه للمجتمع من نصح وارشاد وبذلوا مهجهم في سبيل الله، فالشاعر مدين لهم لما قدموا له من ارشاد وتعليم، فيعبر انهم اهل مودتي ولاتزول هذه الصفة مادمت‏حيا.

وهذه القطعة مدح بها صديقيه عبيدالله‏بن عامر وابن عباس - وكانا اميرين على البصرة - وبين لهم نتائج عمل الخير خير والعكس صحيح، فقال:

ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر ومامر من عيش ذكرت ومافضل

اميران كانا صاحبي كلاهما فكلا جزاه الله عني بما عمل (75)

فان كان خيرا كان خيرا جزاؤه وان كان شرا، كان شرا كما فعل

ويظهر الشاعر من هذه الابيات مادحا لصديقيه، مرشدا لهما الى طريق الخير والسعادة، ومحذرا اياهما سبل الشر ونتائجه الوخيمة.

واعتاد شاعر اهل البيت، ان يمدح اثمار هذا البيت الشامخ، وقال في اميرالمؤمنين عند حرب الجمل مادحا بقوله:

وان عليا لهم مصحر الا انه الاسد الاسود (76)

اما انه ثالث العابدين بمكة والله لايعبد

فرخوا الخناق ولاتعجلوا فان غدا لكم موعد

يظهر صفات اميرالمؤمنين ويصفه باسد الليل اي انه الاشجع، واضاف في البيت الثاني الى انه ثالث العابدين في بيت الله المكرم حين كان لاعابد له في بيته المطهر، ثم اشار مشمرا عن ساعديه مفتخرا، مناديا للمخالفين المغرورين انتظروا غدا الموعد.

السياسة

يحسن ان نشير قبلا الى هذه المعالم الاساسية التي امتاز بها هذا العهد الاسلامي الجديد، فكان بها طورا مغايرا للحياة الجاهلية في نزعاتها واوضاعها ونظمها وغايتها في الحياة، ثم ماكان من مظاهر ذلك الشعر السياسي بوجه خاص (77) .

واول ما نشير اليه هنا، الركن الرئيسي الذي قامت عليه الدعوة الاسلامية، فقدكانت قائمة على تنظيم الشؤون الدينية والدنيوية للبشر عامة، لذلك كان الرسول يدعو الناس جميعا ليصلح مابينهم من صلات، لتتوفر لهم الحياة منظمة عادلة امنة، وليعلمهم شعائر دينية اخرى قوامها التوحيد والعبادة وانتظار الدار الاخرة، وهذا معناه ان الاسلام كان دينا ودولة، او كان يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية (78) .

ونرى الدؤلي في شعره السياسة نظر الى الخليفة هو الوصي المطلق من قبل الرسول وبيده السلطتان الروحية والزمنية، وقيد شعره السياسي بما يعتقد به، لذا يراه في هذا الجانب قليل النظم لاحتمالين:

الاول: اما ان يكون قد ضاع من شعره السياسي كثيرة، بسبب الفتن والثورات والقلاقل، ولكونه من شعراء الشيعة المقدمين (79) ومن وجوه الشيعة (80) .

واما ان يكون الرجل لم‏يكثر منه، لعدة اسباب - ايضا منها قوله الشعر كبيرا، وزوال سلطان علي، وهو (ابوالاسود) شيخ مسن ومنها انه اراد البقيا على الولاة الجدد، وقد كانوا بالامس اخوانه في العمل لعلي‏واصدقاءه.

وعلى العموم، فالقارئ لشعره في السياسة الخالصة، يجد مقطوعتين تخصان طلحة والزبير ومقدمهما البصرة مع عائشة وكان هو مع عمران‏بن حصين، سفيري عثمان‏بن حنيف (عامل الامام علي على البصرة) الى‏طلحة والزبير وعائشة، فلما لم‏ترفق السيدة عائشة بالسفيرين في الرد عادا الى الامير وقام ابوالاسود قائلا (81) :

ياابن حنيف قد اتيت فانفر وطاعن القوم وجالد واصبر وابرز لهم مستلئما وشمر

هو كما نرى انذار صريح بالحرب ودعوة بالغة الى احسان الاهبة لها، ثم الى خوض غمارها والصبر على مكروهها، يقول ذلك في رجز منظوم - لافي نثر مرسل - ليكون ابعث للحفيظة وادعى للحمية.

اما القطعة الاخرى فهي (82) :

اتينا الزبير فداني الكلام وطلحة كالنجم او ابعد

واحسن قوليهما فادح يضيق به الخطب مستنكد

وقد اوعدونا بجهد الوعيد فاهون علينا بما اوعدوا

فقلنا ركضتم ولم‏ترملوا واصدرتم قبل ان توردوا

فان تلقحوا الحرب بين الرجال فملقحها جده الانكد

وان عليا لهم مصحر الا انه الاسد الاسود

اما انه ثالث العابدين بمكة والله لايعبد

فرخوا الخناق ولاتعجلوا فان غدا لكم موعد

وهذا الشعر كما نرى قوي اللهجة فيه تهديد ووعيد صريحان وفيه اعلان لحق الامام وتبيان لقدرته على هزيمة من يتطاول عليه، وبيان بانهم البادئون بالعداوة.

وهنالك مقطوعة اخرى يلعن فيها حكم ابن زياد ويدعو الله ان يذهب به، يقول فيها (83) :

اقول وزادني جزعا وغيظا ازال الله ملك بني زياد

وابعدهم كما غدروا وخانوا كما بعدت ثمود وقوم عاد

ولارجعت ركابهم اليهم اذا وقفت الى يوم التناد (84)

وهو في هذا الشعر يردد بعض الفاظ القران الكريم، ففي البيت الثاني اخذ من قوله تعالى: «الا بعدا لمدين كما بعدت ثمود» (85) ، وفي الثالث اخذ من قوله تعالى: «وياقوم اني اخاف عليكم يوم التناد» (86) وله مقطوعة اخرى (بيتان) يلوم الذين ليسوا على مذهبه، ويعلنها صراحة واصرارا انه على حبهم، وان الذين يخالفون ذلك ضالين مضلين يقول (87) :

امفندي في حب ال محمد حجر يفيك فدع ملامك او زد

من لم‏يكن بحبالهم متمسكا فليعترف بولاء من لم‏يرشد

وذات مرة قال زياد لابي الاسود: كيف حبك لعلي؟ قال: حبي يزداد له شدة كما يزداد بغضك له شدة، ويزداد لمعاوية حبا، وايم الله اني لاريد بما انا فيه الاخرة وماعند الله وانك لتريد بما انت فيه الدنيا وزخرفها; وذلك زائل بعد قليل، فقال زياد: انك شيخ خرف ولولا انني اتقدم اليك لانكرتني، فقال ابوالاسود (88) :

غضب الامير بان صدقت وربما غضب الامير على البري المسلم

ويقول مخاطبا من تخلى عن ال بيت النبي عليهم السلام (89) :

ماذا تقولون ان قال النبى لكم ماذا فعلتم وانتم اخر الامم

باهل بيتي وانصاري ومحرمتي منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم

ماكان هذا جزائي اذ نصحت لكم ان تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

وهناك بيت وحيد يتيم يقول فيه (90) :

صبغت امية بالدماء اكفها وطوت امية دوننا دنياها

ويبعد ان يكون هذا هو كل ماقاله ابوالاسود في السياسة من شعر، فقد شهد كثيرا من احداثها المثيرة وخطوبها الجسيمة التي لايظن بمثله ان يمسك عن القول فيها، لينفس عن نفسه بعض ماتجد منها او يؤدي لها بعض حقها عليه، ولكنها السياسة هبت‏بكثير او قليل من شعره فيها، ولهذا فنحن نميل الى الاحتمال الاول - في صدر هذا الكلام والا فما لهذا البيت‏يروى هكذا، يتيما مفردا؟ اترى الشاعر نظمه عرضا في مناسبة عابرة، ام نظمه في قطعة او قصيدة لكنها اضيعت فيما اضيع، وافلت هو من بينها لمزية فيه او فرصة تهيات له، فعبر الينا الاجيال وحده؟ يبدو ان هذا هو الاحتمال القريب، فكم للسياسة من جناية.

واقول - مع الاستاذ علي النجدي ناصيف -: «مااظن هذه النفثات الساخطة التي تتجاوب فيما جاءنا لابي‏الاسود من شعر الرثاء والسياسة الا صدى لما ان يحتمل في نفوس جمهرة الامة من مشاعر السخط على‏ماصارت اليه الامور في عهد بني امية اطلقها ابوالاسود ومن على شاكلته، وصدها من صدها عن الانطلاق: اما استسلاما للواقع او مداهنة للسلطان او ردا للنفس على مكروهها او تربصا بالفرصة المواتية، ولذلك كانت تهيج الفتن وتنبعث الثورات من حين الى حين، لاتكاد تهدا الا لتثور على وجه من الوجوه‏». (91)

الاعتذار

في ديوان ابي الاسود مقطوعتان في الاعتذار، وهذا قليل اذا قيس بالاغراض الاخرى لشعره، وكان الشاعر كان يلتزم في حياته الاياتي من الامر مايعتذر منه: «واعيذه ان هو اتاه ان يصر عليه ويابى الاعتذار منه محقا او مبطلا مكابرة منه او عنادا، فقد عرفناه امرا راشدا وقاضيا فيصلا، وهو حقيق ان يالف اعظام الحق والتمرس باعلاء كلمته‏». (92)

وهذه احداهما، يقول في امر سلمى الحنفية، التي اراد ان يخطبها (93) :

ذروا ال سلمى ظنتي وتعتبي ومازل مني ان مافات فائت

ولاتهلكوني بالملامة انما نطقت قليلا ثم اني لساكت

ساسكت‏حتى تحسبوني كانني من الجهد في مرضاتكم متماوت

الم يكفكم ان قد منعتم عرينكم كما منع الغيل الاسود النواهت

تضيئون لحمي كل يوم كما علا نشيط بفاس معدن البرم ناحت

ويبدو ابوالاسود في اعتذاريته هذه مرهف الحس لايطيق احتمال ماياخذه اصحابه من لوم وتعنيف، لكنه مع ذلك يعدهم ان سيكبح غضبه ويرد نفسه عن مساجلتهم فيما يقولون، عسى ان تهدا النفوس ويرجع الامر الى ماكان عليه من مودة ووئام.

ويسوق اعتذاريته هذه في اسلوب يتراوح بين الخبر والانشاء استمالة للقلوب وتاثيرا في النفوس، ومما زاد في ذلك ايثاره التصوير الشعري في الابيات الثلاثة الاخيرة، ثم اساليب التوكيد الكثيرة.

وقال يعتذر الي زياد في شي‏ء جرى بينهما فكانه لم‏يقبل عذره (94) :

انني مجرم وانت احق الن اس ان تقبل الغداة اعتذاري

فاعف عني فقد سفهت وانت ال مرء تعفو عن الهنات الكبار

ويخيل الى ان هذا الاعتذار صدر عنه قبل تولى الامويين الحكم وتبدل الحال ورؤية ابي الاسود في زياد ماراه، اي انه صدر حينما كان الاثنان يعملان للامام علي معا، والا لما وصف ابوالاسود نفسه بهذا الوصف (مجرم) ولما وصف زيادا بهذه الاوصاف التي اقتنع ابوالاسود فيما بعد انه - اي زياد - ابعد الناس عنها.

الشجاعة

ومن المواصفات الحميدة في الشاعر ان يحمل لواء الحرب في المعركة، فيكون قد جمع بين القلم والسيف وهذه جل الصفات السامية في الشاعر، فنلاحظ صدر الاسلام حوى ثلاثة من هؤلاء الشعراء ومنهم الدؤلي، له قول سديد وشيمة عربية عالية، قد تصل باسمى بطون القبائل، وهذا يعود الى بيئتته وعقيدته بالحياة والموت، والاصيل هو الذي لايهاب الموت ولن يخاف من طوارق الزمان، بل عقيدته الهادفة المتعلقة بالله سبحانه وتعالى تحدد ذلك.

ويبدو استعداده للحرب وذلك في صموده وقوته الايمانية، فيقول:

اجيب اذا الداعي دعاني واحتمي بابيض مصقول ضريبته عضب (95)

واني لمن قوم اذا حاربوا العدى اغاروا بفتيان مغاوير كالشهب

فالشبل من ذاك الاسد، فهو من بعض المغاوير الذين يسقطون على العدو، كالشهب الساقطة من السماء، فماذا تفعل بالارض.

وكذلك شبهه كالشهب التي تحرق من تمر به وتمسه وهاهم بنوكنانه كالشهب النازلة من السماء، فهم غضاب على العدو عند المعركة.

وتراه بكل بسالة وقوة ايمانية تدل على اقدامه في القول، كما نعلم اول الحرب كلام ثم الصدام، وقد قال في هذا المقام (96) :

اقول وزادني غضبا وغيظا ازال الله ملك بني زياد

فالشاعر العقائدي لايفكر في زخرف الدنيا وجمالها، ولايهاب الملوك والشعراء، بل يتصدى‏للظلم بقلمه ويذيعه بين الناس ويظهر مساوئهم وظلمهم للناس وقتلهم الاطهار والابرار.

وهاهو في هذا البيت، تعرض الى بني امية وبني زياد وانقض عليهم لازالة ملك الظالم.

ومن نفثات الدؤلي، انه يقف امام جبابرة عصره ومجرمي زمانه والذين غصبوا حقوق الله في الارض واعلنوا الفساد فيها، تراه بلاتقية لايهابهم ولايخشى ملكهم و طغيانهم، وقال بكل شجاعة معلنا اعمالهم الشريرة:

صبغت امية بالدماء اكفها وطوت امية دوننا دنيانا (97)

فنلاحظ عقيدة الشاعر تظهر من خلال هذا البيت الذي يعلن للامة جمعاء ظليمته وظليمة ال محمد الذين قتلتهم الايادي المجرمة، فلطخت‏بدماء الابرار الاطهار وهذه الجريمة ليست قضية محدودة بافراد، بل بكل العترة الطاهرة وشيعتهم وحرموا من مناصبهم الربانية:

فيقدم الاموي وهو مؤخر ويؤخر العلوي وهو مقدم

القضاء

كان لاتؤثر فيه العواطف ولاالانساب والالقاب ولاالفخامة والقيافة، فهو يرى مكانة الانسان وقدره، وترتفع منزلته لديه كلما تمثل بالخلق الحميد والعقل الرشيد، وان كان عبدا زنجيا، وتنخفض مكانته كلما خرج عن الشارع الجليل، ولو كان حرا قرشيا، فنرى حس شاعرنا الرقيق يبرز كالسيف بعد الحكم بين شخصين بالعدل، فقال:

ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي اثوابه رجل مرير

وماعظم الرجال لهم بزين ولكن مجدها زين وخير

فنلاحظه تفحص جوهر الرجل ولم‏ينظر الى مظهره الخارجي او الى اصله، وحكم على ماجاء به الشرع ولم‏يتاثر بفخامة الثاني، وينحاز له.

ونلاحظ لون شعره موافقا لعمله، فهو من الحقيقة والواقع الذي عاشه الدؤلي في عصر الاسلام، فهو من منبع تلك الفترة الجديدة ويطبق كل تعاليمه عليها، فله صديق ظلم في قضية وحكم الدؤلي عليه، وناصر عدوه وقال مباشرة:

اذا كنت مظلوما فلاتلف راضيا عن القوم حتى تاخذ النصف وارغب

وقارب بذي جهل وباعد بعالم جلوب عليك الحق من كل مجلب

ونلاحظ في مكان اخر لم يتوان عن الحق وصرح به ولم‏يكتمه مهما يكلف ذلك من ثمن، فقد قام بارشاد ابن عباس، فلم‏يتعظ، فارسل الى الامام رسالة بما جرى، وتشكر منه الامام لموقفه ولاعلامه بذلك.

پى‏نوشتها:

1) علي النجدي ناصف، ابوالاسود الدؤلي، ص‏13.

2) المصدر السابق: ص‏61.

3) القاضي: الفرق الاسلامية، ص‏557.

4) الديوان، ص‏149، ص‏150.

5) المصدر السابق، ص‏80 و ص‏81.

6) الديوان، ص‏64.

7) المصدر السابق، ص‏126.

8) الديوان، ص‏165.

9) المصدر السابق، ص‏101.

10) المصدر السابق، ص‏64.

11) المصدر السابق، ص‏44.

12) الديوان، ص‏34 وص‏97; الاصفهاني، الاغاني ج‏12، ص‏307; الحموي، معجم الادباء، ص‏12 و37.

13) الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏557.

14) الديوان، ص‏28و ص‏29.

15) الحجرات (49) الاية 12.

16) ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج‏1، ص‏241.

17) الدجيلي، الديوان، ص‏241 الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏561.

18) الاصفهاني، الاغاني، ج‏11، ص‏108; الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏561.

19) الدجيلي، الديوان، ص‏44.

20) الاصفهاني، الاغاني، ج‏11، ص‏108، الدجيلي، الديوان، ص‏44; الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏561.

21) الديوان، ص‏52.

22) المصدر السابق، ص‏62 - 63.

23) المصدر السابق، ص‏52 و54.

24) المصدر السابق، ص‏54 - 55.

25) الديوان، ص‏72 - ص‏75 وص‏77.

26) المصدر السابق، ص‏89 - 92.

27) المصدر السابق، ص‏134 و135.

28) الديوان، ص‏162.

29) المصدر السابق، ص‏164.

30) علي النجدي ناصف، ابوالاسود الدؤلي.

31) الديوان، ص‏45، 48 - 50.

32) المصدر السابق، ص‏112.

33) الديوان، ص‏21 و32.

34) المصدر السابق، ص‏102 - ص‏107.

35) المصدر السابق، ص‏112، 114 - 115 و143.

36) المصدر السابق، ص‏125.

37) المصدر السابق، ص‏133، انظر: الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏560.

38) المصدر السابق، ص‏65 - 67.

39) المصدر السابق، ص‏45، 67، 102، 106، 107 و116.

40) المصدر السابق، ص‏21، 32، 82 و84.

41) المصدرالسابق، ص‏65، 66، 125، 133، 159 و160.

42) في الديوان قصيدة اخرى له:

ابلغ ابا الجارود عني رسالة يروح الماشي لقاءك او يغدو

43) الديوان، ص‏81، ويقول في مقطوعة اخرى (ص‏83):

الا ابلغا عني حصينا رسالة فانك مردود عليك خلالكا

وقال في اخرى:

ابلغ حصينا اذا جئته جوابا وموعظة لك فيها

44و45) الاستاذ علي النجدي ناصف، ابوالاسود الدؤلي.

46) الديوان، ص‏37.

47) نفس المصدر، ص‏46 و47.

48) تقيا.

49) الديوان، ص‏50، ص‏51.

50) الديوان، ص‏68.

51) المصدر السابق، ص‏70 و71.

52) المصدر السابق، ص‏70.

53) علي النجدي ناصف، ابوالاسود الدؤلي.

54) الديوان، ص‏70، ص‏76.

55) المصدر السابق، ص‏91.

56) المصدر السابق، ص‏90 و96.

57) القيراني، العمدة، ج‏2، ص‏131.

58) الامين، اعيان الشيعة، ج‏7، ص‏403.

59) الدجيلي، الديوان، ص‏122 و123.

60) الدجيلي، الديوان، ص‏182; انظر: الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏559.

61) الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏561، الديوان، ص‏241.

62) الديوان، ص‏41 - 43.

63) المصدر السابق، ص‏56 - 59.

64) المصدر السابق، ص‏85، الاغاني، ج‏12، ص‏306.

65) المصدر السابق، ص‏156.

66) الاغاني، ج‏11، ص‏115; الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏560.

67) الديوان، ص‏158.

68) المصدر السابق، ص‏155.

69) الاغاني، ج‏11، ص‏108; الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏561.

70) الديوان، ص‏41.

71) الديوان، ص‏60.

72) المصدر السابق، ص‏109.

73) المصدرالسابق، ص‏131 132.

74) المصدر السابق، ص‏151.

75) سيبويه، الكتاب، ج‏1، ص‏71.

76) الدجيلي، الديوان، ص‏151 - 152.

77) احمد الشايب، تاريخ الشعر السياسي، صفحة 93، 94.

78) انظر الى ابن خلدون في مقدمته، رشيد رضا في: الخلافة، لعلي عبدالرازق في: الاسلام واصول الحكم.

79) الصدر، تاسيس الشيعة، ص‏186.

80) الاغاني، ج‏11، ص‏101; الشعر والشعراء، ج‏2، ص‏707; الخزانة، ج‏1، ص‏136; العسقلاني، الاصابة، ج‏3، ص‏304; ابن سعد، الطبقات، ج‏7، ص‏70.

81) الدجيلي: الديوان، ص‏155.

82) المصدر السابق، ص‏151 - 152.

83) الديوان، ص‏153.

84) الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏561.

85) هود(11) اية 95.

86) غافر (40) اية 32.

87) الديوان، ص‏153.

88و89) المصدر السابق، ص‏169.

90) المصدر السابق، ص‏170.

91) علي نجدي ناصف، ابوالاسود الدؤلي، ص‏199.

92) المصدر السابق، ص‏199.

93) الديوان، ص‏62 - 63.

94) المصدر السابق، ص‏156.

95) الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏557.

96) الديوان، ص‏241; الفرق الاسلامية في الشعر الاموي، ص‏560.

97) وفيات الاعيان، ج‏1، ص‏241.