«اللغة هي الاداة الاولى للشاعر - وللاديب عموما - او لنقل: انها المادة الاولى التي يشكل منها وبها بناءه الشعري بكل وسائل التشكيل الشعري المعروفة، اي: انها الاداة الام التي تخرج كل الادوات الشعرية الاخرى من تحت عبارتها وتمارس دورها في اطارها» (1) .
اذن فالشعر له لغته الموجهة المؤثرة القادرة على الاثارة ولاتنبثق عن مشكلات الحياة اليومية وانما تصدر عن وجدان عميق، والتعبير عن الوجدان يستلزم الفاظا ذات دلالات نفسية وشعورية خاصة، قادرة علىتصوير احساس الشاعر وعلى التاثير في نفس القارئ او السامع، لتحدث عنه احساسا مماثلا وتنقل اليه تجربة الشاعر كاملة.
«ولاء الشعر يجب ان يكون للغة التي ورثها، مهمته ان يحافظ عليها وان يميتها بابتداع اسلوبه الخاص» (2) .
وقبل التعرض للحديث عن لغة الشاعر، نورد الحديث عن نقطتين، هما:
1. خصائص لغة الشعر; 2. شروط النقاد في لغة الشعر.
يمكننا تلخيص سمات لغة الشعر في النقاط التالية:
1- كثرة الالفاظ ذات الايقاع الموسيقي والقوة التصويرية، مما لاتتطلبه الاجناس الاخرى ضرورة، وان تضمنتشيئا منه تحملا (3) .
2- استخدام عبارات ذات طابع نحوي معين; بناء واشتقاقا، لتطويع الالفاظ لقانون الايقاع والقافية، فتجيء في ابنية لمنتعودها وفي تراكيب قد لايرضى عنها نحو العربية. (4)
3- الملمح الجوهري للغة الشعر يتمثل في الصور الشعرية (5) .
4 اللغة في الشعر غاية في ذاتها، والتشكيل اللغوي الذي يشكله الشاعر في القصيدة ليس وسيلة لاي هدف اخر وراءه (6) .
وضع النقاد العرب - وغيرهم - شروطا للغة الشعر في الالفاظ والتراكيب والمفردات والجمل وهذه هي شروطهم (7) :
1- الدقة: وهي اصابة المتكلم في اختيار الكلمات التي تكون نصا في المعنى المراد، والتي تكون اشد دلالة على غرضه من الكلمات الاخرى التي تؤديه.
2- الايحاء: هو ماتثيره الكلمة حولها من معان ودلالات ارتبطتبها في مجال الاستعمال على مر الزمان، حتى صار النطق بالكلمة مثيرا لهذه المعاني الجانبية في نفس السامع وان لمتكن هذه المعاني الجانبية معروفة الى جانب المعنى الاصلي للكلمة في اصل وضعها.
3- الالفة: هي ان تكون الكلمة قد اكتسبت القرب من النفوس والوضوح بما الفت الناس من استعمالها، فصارت بذلك معروفة لاغريبة ولاوحشية.
4- الطرافة: وهي الارتفاع عن مستوى السوقية والابتذال.
5- الشاعرية: تقتضي استعمال الفاظ نبيلة خاصة، فللشعر لغته الوجدانية العالية المنزهة عن السوقية، الجميلة الوقع والايحاء المستوي الخلقة في تركيب حروفها وارتياح الاسماع اليها.
6- عدم التكرار: للكلمة الواحدة في البيت الواحد او الابيات المتتالية لان مثل هذا التكرار معيب في عمومه، بخاصة اذا استتبع ثقلا ومعضلة او غموضا، ولكن هذا التكرار له مواضع يغتفر فيها، بل لعله يكون فيها حسنا.
هذا عن شروط الالفاظ والمفردات، اما عن شروط الجمل والتراكيب فهي:
1- رعاية المقاييس والقواعد النحوية: وهذا اساس وضروري في الكلام الادبي; شعره ونثره، لان اتباع هذه القواعد شرط لصحة الكلام، ونحن في باب الشعر والادب نتطلب ماوراء الصحة وماهو فوقها من الاحسان والابداع والارتفاع الى المستوى الفني الجمالي، ولاجمال دون اساس قوي وبناء سليم.
2- حسن التاليف: وهي ان تكون الكلمات في الجمل، متاخية لاتنافر بينها في تركيبها فيسهل النطق بها ويحمد وقعها.
3- الوضوح: ان يكون الكلام معبرا بنفسه دون حاجة الى قرينة او شبيهها، ظاهر الدلالة على معناه المراد، وسبيل الوضوح ان تكون الكلمات المفردة دقيقة في معناها، موضوعة مواضعها اللائقة في جملها من ناحية النحو والبلاغة.
4- القوة: وهي تنبعث من جوانب كثيرة منها اختيار الكلمات الجزلة الفخمة المعبرة الملائمة للمعاني القوية التي تدل عليها كالفخر والمدح والوصف; مثلا، والتي يسوقها الانفعال وصدق العاطفة والتي لها من الخيال سند.
ولطرافة الكلمات في هذا المجال دخل كبير، ولجريان الاسلوب عامة على مايقتضيه علم المعاني من فصل ووصل وتقديم وتاخير وتاكيد وقصر وغيرها، اكبر الاثر في هذه القوة.
5- ملائمة اللفظ والمعنى: وهي مسالة هامة عنى بها نقاد العرب وحثوا عليها كثيرا من كلامهم، ويمكن ان يفهم من هذه الدعوة امور شتى، فقد صرحوا بان من حق المعنى الكريم ان يختار له اللفظ الكريم ولاغضاضة في ان يكون المراد بذلك تصنيف الالفاظ تبعا للمعاني. فتكون هناك انواع من الكلمات تدور في الاغراض والفنون المختلفة كل حسب مايلائمه، فتكون هناك الفاظ اليق بالفخر واخرى اولى بالغزل وثالثة للمدح ورابعة للهجاء، والفاظ تصلح للجد، والفاظ تناسب الهزل، ولاغضاضة في هذا، فقد عنوا به ونقدوا ماحاد عنه.
وقد يكون المراد منه المشاكلة بين الالفاظ والمعاني اي جريانها على صيغ متناسبة في الوزن الملائم للمعنى.
تتحقق في الفاظه ومفردات ديوانه، الشروط العامة التي وضعها النقاد لجودة العمل الشعري من حيث الفاظه من جهة الدقة والايحاء والالفة والطرافة والشاعرية وعدم التكرار، الا في المواضع المباحة.
يضاف الى ذلك انها فصيحة واضحة المعنى غالبا قريبة منا - نحن المعاصرين على بعد العهد بالشاعر - لاتكلف فيها ولاتصنع، وليست هناك لفظة قلقة في موضعها من الجملة، ولامجلوبة للقافية او اضطرار الوزن الا في القليل النادر مثل قوله (8) :
لعمري لقد اوصيت امس بحاجتي فتى غير ذي قصدعلي ولارؤف
كما ان هناك بعض المفردات التي خالفت قواعد الاشتقاق، مثل «مغلوق» وصحتها الاشتقاقية «مغلق» لانها من اغلق يغلق، يقول (9) :
ولااقول لقدر القوم قد غليت ولااقول لباب الدار مغلوق
يضاف الى ذلك ان الضرورات الشعرية التي لجا اليها، قليلة جدا بالقياس الى غيره من الشعراء، منها: اضطراره تسكين الميم الاستفهامية «لم» حيث نطقها «لم» في قوله (10) :
وساجع في فروع الايك هيجني لم ادر لم ناح مما بي ولمسجعا
ومنا تسهيل الهمزة في افعل التفضيل. يقول (11) :
وماخصلة قد تذل الرجال باسوا واخزى من المسالة
تبقى له خصائصه اللغوية في استخدام الالفاظ ومنها:
1- يجيد استخدام الفاظ الاعلام على كثرتها عنده في شعره،
2- يجيد استخدام الالفاظ المعربة;
3- يجيد استخدام المشتقات ويكثر منها، وهذا من مصادر الطاقة الايحائية للالفاظ عنده.
لانفاجا اذا عرفنا ان لغة ابي الاسود قد حازت اعجاب النقاد - بشروطهم - كما حازت اعجاب اللغويين والنحويين، فلاعجب في ذلك.
اذا باديء ذي بدء، لاننسى ان اباالاسود كان من قراء القران الكريم، بل هو الذي وضع ضبطه وتشكيله ونقطه، ولاننسى ايضا انه الواضع الاول لعلم النحو، مقياس العربية وقانونها.
ومعنى ذلك كله ان يتوقع منه - في كلامه العادي ونثره الفني ولغته الشعرية - يتوقع منه التركيب الصحيح بل الفصيح وجودة السبك ومتانة البناء اللغوي، فلانجد لفظة قلقة في موضعها ولاتركيبا يبدو عليه التكلف وتصنع السبك، ولانجد تقديما او تاخيرا الجاه الى احد منهما الوزن او القافية.
بل نحس - ونحن نقرا الديوان كله - ان اللغة طيعة له تجري في يديه كالعجين ونحس بانه هو مليكها، ولذلك جاءت تراكيبه اللغوية الشعرية - الى جانب جودة سبكها ومتانة بنائها - سهلة لينة طبيعية يخيل اليك - لولا بعض الخصائص الشعرية الاخرى - انها لغة نثرية عادية لكنها راقية، وبالجملة نرى ان لغة ابيالاسود الدؤلي الشعرية من السهل الممتنع واكاد اقطع ان اللغة الشعرية لمتطاوع شاعرا مثلما طاوعت اباالاسود الدؤلي، ولاعجب في ذلك، فالاسباب قد تهيات له وطول المعاشرة والاحساس بالخوف عليها اولا، والحنو والعطف نحوها ثانيا، قد وجد كل ذلك لديه، فكان الثواب و رد الجميل انها اسلمت لحيادها له وانصاعت له انصياعا كاملا.
لكن - والحق يقال - هناك بعض التراكيب النادرة التي جاءت في شعره مخالفة لما هو مشهور في نحو العربية، ولعلها احدى الضرورات الشعرية التي تجوز لشاعرنا كما تجوز لغيره كثيرا، ومن امثلتها قوله (12) :
جزى ربه عن عديبن حاتمجزاء الكلاب العاويات وقد فعلوينفرد اسلوب ابي الاسود الشعري اللغوي ببعض السمات، اهمها: كثرة الجمل الاعتراضية والشرطية والتوكيدية. وسوف نفرد كلا منها بكلمة موجزة.
وسبب كثرة هذه الجمل فيما ارى مايلي:
ا- انه رجل عاقل متزن، يقول الشعر باحساسه وعاطفته، لكن عقله الراجح ينقحه; ان صح هذا التعبير.
ب- وهو رجل معلم خبير في ايصال مايريد الى سامعه بمنتهى الدقة والشمول في الوقت نفسه.
ج- وهو رجل اشتغل بالقضاء زمنا، فلايحب ان يظلم احدا ولاان يظلمه احد حتى ولو باساءة فهم جملة شعرية.
د- وهو رجل دارت عليه الايام وتبدل به الحال، واعداؤه - او المخالفون له في الراي - كثيرون جدا، وهم يتربصون به الدوائر، ولميسلم من اذاهم او على الاقل من غمزهم ولمزهم وجحودهم ونكرانهم.
لهذه الاسباب، كثرت في شعره الجمل الاعتراضية، فهو يصطنع الاعتراضات ويورد القيود كلما دعت داعية، واحس ان بالمقام الى شيء منها حاجة لدفع احتمال او رد شبهة او تخصيص عام او تقييد مطلق، وقد يطول الاعتراض فيباعد بين طرفي الكلام حتى يحتاج في ربط اوله باخره الى فضل تامل واناة.
وهذه كثيرة في شعره كذلك، ولعل السبب هو اشتغاله بالقضاء في اول حياته العملية، ثم تبدل الحال عليه بعد ذلك، فنجده في الاولى يرتب الجزاء على الشرط، ونجده في الثانية يخشى فعل الشيء فينال جزاءه من المخالفين له المتربصين به، او انه - كما حدث كثيرا - كان يطلب من الذين يشترط فيهم رد الجميل او عرفان الصحبة، فيكون الجزاء غير ذلك في غالب الاحيان.
كثرت اساليب التوكيد - على اختلاف طرقها - في شعر ابي الاسود وتنوعت، ومرد ذلك في رايي الى احد سببين او اليهما معا،وهما:
ا - قوله الشعر كبيرا، ومعنى ذلك غلبة العقل فيه على العاطفة.
ب - اغراضه وفنونه الشعرية، معظمها من الالوان التي تتطلب توكيدات كثيرة ليستقر المعنى في ذهن السامع او القارء .
ندرة المحسنات البديعية،ماعدا الطباق والمقابلة، وهذا شيء طبيعي لشاعر قريب عهد بالبداوة وبعيد عن الحضارة العباسية بزخرفها وبهرجها.
پىنوشتها:
1) علي عشري زايد، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ص42.
2) احمد طاهر مكي، الشعر العربي المعاصر، ص79.
3و4و5) المصدر السابق، ص81.
6) عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ص42.
7) هذه الفكرة ملخصة جدا من كتاب الدكتور محمد طاهر دروسيه، في النقد الادبي عن العرب، ص228245.
8) الديوان، ص100.
9) المصدر السابق، ص159.
10) الديوان: ص158.
11) المصدر السابق، ص162.
12) الديوان، ص162.