عند دراستنا للنحو العربي وقواعده، من الواجب علينا ان نتوقف عن مجموعة من النقاط المهمة، التي يجب ان نحيط بها ونشبعها بحثا ومناقشة للوصول الى مانصبوا اليه، من خلال الحقائق التاريخية وماكتبه النحاة وارباب الادب حول هذا الموضوع، لاهميته ومايدور حوله من شبهات واعتراضات واقاويل متشعبة متضاربة في كثير من الاحيان بين الاقدمين والمحدثين.
فقد ذهب اغلب الاقدمين الى ان النحو العربي بجميع قواعده واصوله عربى الاصل والفرع، ولميتاثر بالقواعد السريانية او اليونانية من قريب او بعيد، وذهب المحدثون وخصوصا منهم المتاثرون بمدرسة الاشراق (المستشرقين)، المبنية على ان العقل الشرقي ليس له القابلية الابداعية على تكوين قواعد او اصول مرتبطة بالمنطق العقلي، وان وجدت مثل هذه القواعد والاصول، فسرعان مايعلقونها بخيوط يونانية او سريانية، امتدت الى البلاد الاسلامية عن طريق التراجم او التاثر الحاصل من خلال الاتصال المباشر او غير المباشر، الذي حدث ابان الفتح الاسلامي وتوسعت رقعة الدول الاسلامية لتشمل فارس الى الشرق وبعض المستعمرات البيزنطينية الى الغرب والشمال.
وهذا الخط الذي تمثله هذه المجموع - اذا استثنينا بعض الاقاويل القديمة - التي نحت هذا المنحى بدافع طائفي او تعصب عنصري، هي التي اثارت هذه الشكوك والغيوم السوداء حول كثير من المسلمات التاريخية التي يكاد يجمع عليها المؤرخون وارباب الادب، وخير مثال على ذلك في عصرنا الراهن، ماذهب اليه الدكتور طه حسين من اثارة الشكوك حول اصالة الادب الجاهلي وبالخصوص الشعر منه، فاثار ضجة مفتعلة كان الهدف الظاهري من ورائها اثارة الباحثين والادباء حول دراسة الادب الجاهلي دراسة موضوعية واقعية واشباعه بحثا علميا دقيقا، ولكن الهدف الحقيقي الذي يكمن خلفها هو تشكيك المسلم العربي بتراثه وعقيدته، بغية الى جعل الشرق بكل قومياته واصوله العرفية يشعر بالنقص مقابل العقل الغربي، الذي يصورونه على انه النبع الثر والمعين الصافي لكل ماهو مبنى على اصول المنطق العقلي.
وبهذا تتحقق التبعية بكل ابعادها الاستعمارية الصليبية ولخلق عبودية جديدة يختلف بصورتها عن اشكال العبودية المباشرة واستغلال الانسان وجهده، فهي تستهدف استعباد العقل الشرقي - وخصوصا المسلم منه - من خلال تفوق العقل الغربي المستند على منطق ارسطو ومن تبعهم من اساطين الفلسفة الغربية، فقاموا بتصوير العقل الشرقي من خلال ماكتبه الشرقيون من اساطير وخرافات وخيال ممتزج بعاطفة لاترتبط بالعقل الا بمقدار ماتمليه عليه عقيدته المرتبطة بالسماء، اكثر من ارتباطها بالارض، فالشرقى دائم النظر والتمعن الى السماء اما الغربي فينظر الى الارض.
وعلى هذا علينا ان نزيح الغبار الذي فرضه الغرب من خلال ماصوره وكتبه عن الثقافة الشرقية على العقل المسلم وارجاع المسلمين الى النبع الاول، الذي جادت به السماء على الارض من خلال القران الكريم بابعاده الانسانية اللامتناهية والتي يوصلنا بدورها الى سابق مجدنا وعزنا وكرامتنا.
هناك سؤال تتردد اصداؤه بين المحققين من علماء اللغات، ويثير جدلا حادا بين المؤرخين والمهتمين بشؤون النحو هو:
هل اخذ النحو العربي من السريانية ام اليونانية ام هو عربى الاصل والمنشا؟
اختلف العلماء وارباب النحو حول هذا الموضوع فمنهم الحائر المتردد الشاك الحذر، ومر اخرون عليه مر الكرام واخرون وقفوا عليه مدافعين عن اصالته رادين الشبهات والشكوك بادلة عقلية ونقلية.
ولمتكن هذه الخلافات مقتصرة ومحصورة على علماء الشرق فحسب، بل تعدتهم الى علماء الغرب وخاصة المستشرقين منهم، وهذا مانقله احمد امين عن المستشرق بروكلمان: «اختلف العلماء الاوربيون في اصل هذا العلم [النحو العربي] منهم من قال انه نقل من اليونان الى بلاد العرب وقال اخرون: ليس كذلك، وانما كما نبتت الشجرة في ارضها نبت علم النحو عند العرب» (1) ونحاول ان نقسم الاراء في هذا الشان الى ثلاثة اراء متباينة:
الراي الاول: الاثر السرياني;
الراي الثاني: الاثر اليوناني;
الراي الثالث: النحو العربي،عربي المنشا والاصل.
پىنوشتها:
1) احمد امين، ضحى الاسلام، ج2، ص292; كارل بروكلمان، تاريخ الادب العربي، ج2، ص123.