الفصل الاول: اثر الاسلام في الشعر الجاهلي

الباب الاول: الاسلام اثره على الحياة في عصر الرسول و خلفائه

وجدت من البديهيات المتفق عليها لدى معظم الباحثين في الشعر العربي القديم «ان القصيدة العربية استقرت لها تقاليدها الفنية وبلغت قمة نضجها في اواخر العصر الجاهلي ويمضي بعض الباحثين قاطعا بهذه الحقيقة‏» (1) . ان العرب عند ظهور الاسلام كانوا اصحاب شعر بلغ درجة رائعة من التطور والكمال الفني، واصبح هذا الشعر هو الصورة المثالية للشعر العربي في العصور التالية، فبقيت تقاليده وفنونه مسيطرة خلال العصور، «وانتقلت الى اللغات الاخرى اوزانه ومفاهيمه الفنية‏». (2)

ومما لاشك فيه انه ببزوغ شمس الاسلام ظهرت الحمرة المغربية للعصر الجاهلي حتى وجد العرب انفسهم على مشارف عصر جديد ومرحلة جديدة، شملت‏سائر مجالات حياتهم من دينية واقتصادية واجتماعية وسياسية ومن هنا اصبح لزاما على الادب في ذلك الوقت ان يتفاعل مع الواقع الجديد وان ينسجم مع متغيرات هذه المرحلة الجديدة التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بصدر الاسلام; فالى اي حد استطاع الادب ان يتفاعل او يتكيف او يتشكل في ظل هذه الظروف الجديدة؟ او بلفظ اخر، ماهو التحول الفكري الذي لحق بالادب ورجاله وماهي الطاقة او القدرة التي استطاع بها (الادب ان يتكيف) او ينصاع الى بودقة الظروف الجديدة تحت تاثير ذلك التغيير الجذري الذي اتى به الاسلام في صميم العربية؟

ان الاجابة على مثل هذا السؤال، تختلف باختلاف الباحثين ومناهجهم واذواقهم «ذلك ان قضية ازدهار الشعر او ضعفه في صدر الاسلام، تعد من الامور الادبية المستعصية، لاختلاف اراء المؤرخين والباحثين وبعد وجهات نظرهم‏» (3) ومع ذلك فسنحاول ان نعرض لطائفة من هذه الاراء والاقوال لكي نصل الى محصل قريب من الصواب فيما يتعلق بهذه القضية، ولكن لندع انفسنا نسال ماهي بداية ذلك التغيير الجذري الذي اتى به الاسلام للحياة العربية الجاهلية؟

لقد بدا الدور الحضاري المؤثر لشبه جزيرة العرب قبل القرن السابع الميلادي، فقد كان العرب يعيشون في ظل الجاهلية وقيمها وقوانينها وحصل ذلك الانقلاب على اثر ظهور الدعوة الاسلامية وانطلاق الفتوح العربية من شبه الجزيرة وعبر عن نفسه في ثلاثة تيارات متواكبة، تركت اثارها واضحة على المسار التاريخي والحضاري انذاك ولازال هذا الاثر مستمرا حتى الان وتمثل احدى هذه التيارات في نشر الدين الاسلامي وانتشاره بين مجموعات بشرية تمثل كل العناصر تقريبا، تنتشر في مناطق تمتد من المحيط الاطلسي غربا الى جزر اندونيسية شرقا، وهو دين لايقتصر على الجانب الروحي، بل يشمل طرقا للتعامل تشكل اسلوبا للحياة يمارسه في الوقت الحاضر اكثر من مليار شخص، والتيار الثاني كان حركة التعريب التي انتهت‏بان اصبحت اللغة العربية هي لغة الحياة اليومية والرسمية - حيث اصبحت اللغة العربية لغة شعوب كثيرة ذات جنسيات متنوعة اما التيار الثالث فهو «الحركة العلمية والثقافية النشطة التي قام بها العرب او شجعوا عليها وهياوا لها الاجواء المناسبة‏» (4) ولقد استوعبت هذه الحركة الحضارات القديمة التي كانت موجودة بالمنطقة المحيطة بشبه الجزيرة في مصر وسوريا ووادي الرافدين وبلاد فارس، كما استوعبت الملامح الرئيسية للحضارة اليونانية والرومانية وطورتها في فترة الركود العلمي والثقافي التي عرفتها اوربا في العصور الوسطى... «ومن الملاحظات المهمة التي تركها الاسلام في نفوس المسلمين، هو توحيد صفوف قبائلهم‏» (5) والقران الكريم اشار الى هذا في قوله: «انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم‏» (6) «فهذا نداء عام شمل كل من في حيز الاسلام وان يتحدوا في رباط الاخوة‏» (7) .

«ونحن نعلم ان الظلام الدامس الذي كان يعم المجتمع الجاهلي وما يملكه من معتقدات فاسدة لاتقدم للانسانية سوى الشرور والحروب والعبودية العمياء، وسرعان ماجاء الاسلام وحطم كل قيم الجهل واستبدلها بقيم الرقي الاسلامي‏» (8) حيث انه:

1. جاء بعقيدة التوحيد، بعدان كانت الوثنية تعم ذلك المجتمع، فاخذ بيد الانسان الى جادة الهدى والخير ورسم له طريق الصلاح والاصلاح وابعده عن طرق الشر والفساد، فقد اشار الجليل في محكم كتابه: «جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها...» ومقابل ذلك، ذكر الوعد والوعيد في كثير من مواضع القران الكريم منددا بالجهلاء والكفار، بان لهم جهنم خالدين فيها وبئس المصير.

2. حقق للانسان كرامته الحقيقية التي من اجلها خلق، والعدالة الاجتماعية والحرية التي يملكها كل مخلوق، فلاطبقية في الاسلام، والتقوى هي الشعار المرفوع في المجتمع، فلافضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى والناس سواسية كاسنان المشط، فلافضل بين افراد المجتمع من اسياد وعبيد واحرار ورقيق; وهذه الرسالة السامية غريبة على كل المجتمعات الجاهلية التي امنت‏بالانفصال الطبقي في المجتمع فلامجال لذلك، فجاء الاسلام ورفع كابوس الجهل والفقر الطبقي (9) ، فحول الاسلام المجتمع الجاهلي من حال الى حال بشكل كلي.

ومن البديهي ان المفاهيم الجديدة التي انبتها الاسلام في اعماق المجتمع العربي، قد جعلت المجتمع الجاهلي في ميزان جديد، فقد احاط تاثيرها بالاخلاق والنظم والعمل التي تهم امور الدين (10) يتضح ذلك اذا مانظرنا الى اثره على كل من الفرد والمجتمع على حدة; ففيما يختص بالفرد، نلاحظ ان الاسلام نقله من الحرب الى السلم، ومن القوة الى القانون، ومن الثار الى القصاص، ومن الاباحية الى الطهر ومن النهب الى‏الامانة، ومن الحياة القبلية الى المسؤولية العامة ومن الوثنية الى التوحيد، ومن امتهان المراة الى اجلالها; والتغير الذي حصل بولادة الاسلام في الامة والفرد، فقد قلب قيم المجتمع الموجودة قبل الاسلام، بكل ماضيه من عادات وتقاليد، وصاغ الفرد صياغة جديدة بكل حركاته وسكناته، فقد تدخل بكل صغائر اعماله، فصار ذلك الفرد العقائدي الذي عجنت فيه ذرات العقيدة واصبح الفرد هو الراعي وهو المسؤول عن الرعية «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته‏»; «وتنظيم العلاقة بينهم وبين غير المسلمين، بما في ذلك من تقرير نظم الاسلام في امور السياسة والحكم والامور الاقتصادية والاجتماعية‏» (11) ، «وهكذا فبعد ان كانت الحياة قبل الاسلام تسير على قوانين العرف والتقاليد، والحق للقوة، اصبحت‏بعد الاسلام تسير على قوانين الشريعة الاسلامية والحق لصاحب الحق‏» (12) ويعبر الدكتور طه حسين عن هذا التحول الذي تم بظهور الاسلام بقوله: «ان الامة العربية قبل الاسلام كانت امة شعر، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة، تعتمد في هذين النوعين من الحياة على العاطفة والشعور، اكثر من اعتمادها على الحكمة والرؤية، تندفع بحكم هذا الشعور الى الحرب او السلم اوالخصومة، او الى اية ناحية من نواحي الحياة الجاهلية، فلما جاء الاسلام، تغيرت‏الحياة العربية تغيرا تاما، تقوض النظام السياسي، دخل محل النظام القديم نظام‏جديد يعتمد على وحدة الامة العربية واخضاع الامم الاجنبية وادماجها في الاسلام، ثم كانت الفتوح واتصل العرب بالامم الاخرى اتصالا اخذ يشتد ويقوى حتى اصبح اختلاطا، ثم امتزاجا ونشا عنه ان اطلع العرب على‏اراء وافكار الامم ودياناتها وعلومها وفلسفتها ونشا عن ذلك كله ان تغيرت الحياة وتغيرت موضوعات التفكير واستلزم ذلك ان تتغير العبارة التي كانوا يعبرون بها عما في انفسهم ونشا لهم لسان جديد لم‏يكن لها من قبل وهو النثر الذي يعبر عن المعاني بدون القيود الشعرية (13) » ويتضح من راي الدكتور طه حسين هذا، مدى ماجاء به الاسلام من تحول ومدى ماكان لهذا التحول من ابعاد حضارية وفكرية انعكست‏بدورها على شؤون الحياة كافة، باختلاف ميادينها.

تاثير الشعر بالمناهج الجديدة في صدر الاسلام

والظاهر ان الميدان الحضاري الجديد الذي انشاه الاسلام بقواعده الرصينة وعلى اخصب ارض قد خلق سوقا جديدا من اسواق الادب العربي احتوى على اصناف الفنون الادبية المستحدثة ومن هذه الفنون: الكتابة والتدوين فانه في - ظلال المنطق - تكون هذه الحضارة قادرة على تطوير فنون مستحدثة وتحصين شعر وصف بالجودة وخلق موضوعات جديدة تتمشى مع المظاهر والقضايا التي استحدثتها تلك الحضارة في المجتمع الاسلامي العربي.

وهذا الاستنتاج المنطقي، تدعمه النصوص والوثائق الادبية، ممثلة انتاج الشعراء المبدعين في ظل الاسلام في عصوره الاولى الزاهية، ذلك ان «الحضارة الاسلامية تمخضت عن ثقافة واسعة وانشات اجيالا من العلماء والكتاب والمثقفين، بمختلف فنون الثقافات وعديد الوان المعرفة فكان على الشعر ان يعايش هذه الحياة بجوانبها الجديدة وان ينفذ الى اعماقها وان يواكب مسيرتها، وبالتالي، يعبر عنها تعبيرا صادقا مادام الشعر محافظا على جودته ماضيا في اداء رسالته‏». (14)

وان كان هذا القرار يتفق مع مبادئ الحضارة الاسلامية في فترة ازدهارها بصفة عامة، فاننا سنحاول ان نحدد مدى صلاحيته للاتفاق على فترة بعينها، هي الفترة التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بصدر الاسلام، اي عصر النبوة والخلفاء الراشدين، وحينئذ فسوف نجد انفسنا امام فريقين من الباحثين الذين تعرضوا لعصر صدر الاسلام من ناحية اثره على الشعر والشعراء، ففريق يثبت هذا الاثر ويؤكد بالادلة والشواهد الشعرية الساطعة وان اختلف في تحديده وتقديره وفريق ثان ينفي هذا الاثر او يعود به الى زمن لاحق لعصرصدر الاسلام، مستفيدا من بعض الموارد والشواهد للاعتماد عليها، وسنقوم بالقاء نظرة على نماذج من اراء كلا الفريقين:

ا) الاراء التي ترى تاثير الاسلام على الشعر في عصر صدر الاسلام

وينقسم هذا الفريق الى فئتين: فئة ترى هذا الاثر ايجابيا، وفئة اخرى تراه سلبيا.

ويعتمد اصحاب الفئة الاولى من هذا الفريق على مقدمة عامة واساسية تقول: بان الشعر كفن من فنون الادب يركد ويجمد حتى تركد الحياة وتصاب بالشلل الفكري، فهو ينمو بنمو المجتمع ويسمو بسموه فالانقلاب الجديد الذي حطم التقاليد او العلاقات الخارجية ومن هؤلاء الباحثين:

الدكتور بدوي طبانة الذي يرى: «ان الفكر الجديد هو الاسلام الحنيف اخذ يشق لنفسه طريقا جديدا فيصبح هو الناطق للدعوة الجديدة ويتركز بانتصاراتها وينشر فكرها في تطهير العقيدة وبناء المجتمع بصيغة جديدة، وفق قواعده والعمل للدنيا والاخرة كما اصبح رد فعل المشركين يظهر على لسانهم ويعلنون به اصرارهم على قديمهم ويدعون به الى الثبات والاستبسال في مقاومة الهدف والهداة بذلك انتقل الشعر من طور الى طور، بعد ان كان تعبيرا عن اهواء النفوس، وتشجيعا للعصبية الفردية، او العصبية القبلية اصبح ناشرا للمبادئ التي انحصرت في مبداين يسيران في اتجاهين متضادين، وكان هذا عاملا من اهم العوامل التي اثبت للشعر سلطانه وزادته قوة في الحقبة الاولى من صدر الاسلام‏». (15)

وهذه النظرة التي على اساسها يرى الدكتور طبانة ومناصروه ان الشعر ازداد قوة في صدر الاسلام، نظرة تعتمد على مضمون الشعر فقط على حساب شكله وعناصره الفنية.

الاشتراك في المباني بين شعر الجاهليين وصدر الاسلام وان كانت معاني الشعر لم‏تبعد كثيرا من معاني الجاهليين، فلايزال الفخر بالاباء والاجداد، والدكتور الطاهر يرى «ان شعراء كل قبيلة وافرادها يروون شعر اسلافهم، وظهور شاعر كبير مدعاة للفخر والاحتفاظ باثاره شي‏ء تفترضه العصبية، وضياعها امر يمس شرف القبيلة‏» (16) وهذا الفخر يختلف عن الفخر الذي جاء به الاسلام وذلك لارتباطه بالعقيدة فنلاحظ وجود الفخر بالاباء والاجداد ولايزال التمجد بالكرم والشجاعة وحسن البلاء ولاتزال الاشادة بالانتصارات التي يحرزها احد الفريقين (وان تغيرت الظروف وتغير الموضوع).

يتضح من ذلك التحفظ ان الدكتور بدوي طبانة يؤكد على المعاني والمضامين مهملا الشكل والعناصر الفنية الاخرى، مثل الصورة واللغة والموسيقى وغيرها من قضايا الشكل الفنية.

ويدلل الدكتور بدوي طبانة على ازدهار الشعر في صدر الاسلام، بما يراه «من ان العهد الجديد - ويقصد فترة صدر الاسلام وضع قياسا جديدا للشعر يقامر به، بعد ان لم‏يكن هناك مقياس ثابت معروف للحكم عليه ويقدر على مقدار حظه منه في ايام الجاهليين، وكان ذلك المقياس الجديد هو الدين، ينظر الى الشعر على ضوء هديه، فما اتفقت فيه روح الشعر مع روح الدين فهو من الشعر في الذروة، وماخالفه فهو من كلام الغواة الذي يكون شرا على صاحبه وعلى الجميع‏». (17)

كما يستدل الدكتور بدوي طبانة من جهة اخرى على نهضة الشعر في صدرالاسلام، هو ظهور فن النقائض، فهو في رايه «فن وجد في صدرالاسلام، ولم‏تكن نقائض جرير والفرزدق هي بداية‏» (18) . والحقيقة ان فن النقائض يمكن ان نتبعه الى اصول ابعد من ذلك، اذا اردنا ان نعثر على ظروف نشاته الاولى، وقد فطن الى ذلك الدكتور صلاح‏الدين الهادي، الذي اشار في نشاة هذا الفن في العصر الجاهلي، مع ايراد الشواهد والادلة التي تثبت ذلك واشار الى «ان ذلك الفن طرا عليه تطور كلي في عهد النبوة على يد الشعراء المسلمين من حيث الغاية والاسلوب والمعاني والالفاظ‏». (19)

ويلخص الدكتور بدوي طبانة معالم النهضة الشعرية في دار الاسلام، بانها ارتبطت‏بما يمكن ان يسمى بازدهار النقد ذلك انه يرى ان الاسس الاولى «والمبادئ العامة للنقد الادبي قد اخذت في التميز والوضوح في صدر الاسلام بعد ان لم‏تكن هنالك اسس واضحة او معالم ثابتة يهتدي النقاد بهديها ويحكمون على الادب بالجودة او الرداءة في ضوئها». (20)

ونرى الدكتورة بنت الشاطئ تذهب الى النظرية التي تقول بازدهار الشعر في صدر الاسلام، وترى ان وجهة النظر المضادة التي تقول بتدهور او ضعف الشعر في صدر الاسلام، هي وجهة نظر تسربت من نقاد العصر العباسي، الذين قالوا:«ان الشعر زالت دولته بظهور الاسلام وفقد سلطانه على العرب الذين انصرفوا الى الدين الجديد والفتوح، ولانزال نردد اليوم ماقالوه ونتصور ان قوما امنوا بدين كتابه يعجز البيان، قد زهدوا في البيان وانصرفوا عنه، فلم‏يعد للكذب في دنياهم الجادة المناضلة مكان‏» (21) ، ونلاحظ ان الدكتورة عائشة ترى «التطور الهام الذي حدث للشعر العربي، هو ان الاسلام اراد لشاعر القبيلة، ان يكون شاعر الامة فلم‏يهدر بهذا ذاتية الشاعر، بل اراد توسيع افاقه منطلقا من قيود الاسرة والقبيلة‏». (22)

وهنالك محاولات للدكتورة تفند بها اراء القائلين «بان الاسلام لم‏يؤثر على حياة الشعر وادابه الا قليلا ومن هؤلاء، الدكتور شكري فيصل‏» (23) ، وكذلك، الدكتور شوقي ضيف، الذي يرى «ان الادب لم‏يتاثر بالاسلام الا قليلا». (24)

ونرى ان حديث الدكتورة عائشة على ازدهار الشعر في صدرالاسلام، مدعوما بالادلة القوية والمستفيضة والتي يغلب عليها الطابع اللفظي مثل قولها: «لو صح ان الحياة استغنت في تلك الفترة الثورية الجادة المؤمنة، عن الشعر والشعراء لكانت القاضية او يكون ذلك شاهدا على انه لامكانة للادب في مجتمع جاد ثائر مناضل‏» (25) ومثل قولها في موضع اخر «هل كان دم كعب يهدر لشعر قاله لو لو ان سلاح الشعر قد فك بالاسلام‏» (27) ; نلاحظ ان الادلة التي تميل اليها الدكتورة عائشة هي في الحقيقة ادلة غير ظافرة من جهة، لانها ادلة تعتبر سلبية تكتفي بهدم او محاولة هدم حجة الخصم، دون ان تظهر الجانب الايجابي للدليل اوالبرهان ومن هذا نرى لابد من تحطيم حجة الخصم باتمام البرهان حتى تتم الصولة الادبية بنجاح تام ولكن الجانب الذي يستحق وصفه بالجد في بحث الدكتورة عائشة، هو محاولتها الجادة والمثابرة في دراسة و تصنيف الشعراء المخصصين الذين كان الدارسون في حيرة من امرهم، فمنهم من عدهم اسلاميين خلصا لااثر فيهم لجاهلية، ومنهم من حسبهم جاهليين لم‏يؤثر الاسلام في شعرهم، والدكتورة عائشة ترى: «ان هذين الرايين كليهما يعزلان الادب عن الحياة‏» (28) ومن ثم فهي تقوم من جانبها برصد الارهاصات التي كانت تملا الجزيرة العربية قبيل المبعث وفي ظهور قيم جديدة (29) للشعر الجاهلي مثل شعر الاحناف والحكمة وتقسم الجيل الاسلامي الاول من الشعراء الى ثلاث فئات، على اساس زمن الخضرمة بين الجاهلية والاسلام، ونخلص من ذلك كله الى نتيجة اساسية مؤداها «انه لابد لنا ان نعترف بوجود اثر اسلامي في شعر الشعراء الذين لم‏يعتبروا من المخضرمين، كما نلاحظ وجود نزعة جاهلية في شعر الذين اسلموا منهم وخاضوا المعركة بلسانهم الى جانب الرسول‏». (30)

ونلاحظ بصفة عامة انه اذا كان الدكتور بدوي طبانة قدنظر الى المضمون فحسب في تقييمه لشعر صدر الاسلام، فان الدكتورة عائشة عبدالرحمن قد اغفلت هي الاخرى العناصر الفنية للقصيدة وجعلت همها الاول ارتباط الشعر بالحياة وتعبيره عنها، هذه هي بعض النماذج من اراء الفئة الاولى القائلين بان اثر الاسلام على الشعر كان اثرا ايجابيا.

وننتقل بذلك الى اراء الفئة الثانية، التي تثبت للاسلام اثره على الشعر ايضا وفي نظرها تعتبر ان ذلك الاثر الذي تركه الاسلام في الشعر كان سلبيا ومبررهم في ذلك «ان صوت الشعر والحاجة اليه قد خفت لقلة الاستماع اليه وكان يظهر فترة بعد فترة في صادق المدح والرشاد» (31) .

لكن ذلك هو حال الشعر في عهد النبوة، فان حاله بعدها اقل شانا واحط مكانة لذهاب المعارضة، ولشدة الخلفاء في تاديب الشعراء وانصراف هم العرب الى الفتوح، وان كان الدين قد بدا يفعل في النفوس ومظاهر الحضارة قد اخذت تؤثر في الاذهان، فان كل ذلك لم‏يؤثر في شعر المخضرمين الا بمقدار ضئيل، لايتعدى بعض الالفاظ الاسلامية (كالمعروف والمنكر والصلاة والزكاة والجنة والنار والمهاجرين والانصار...) كما يبدو ذلك لدى بعض الشعراء مثل كعب‏بن زهير والحطيئة معين‏بن اوس والنابغة الجعدي، ولذلك فان اصحاب هذا الراي يرون انه «من المبالغة جعل المخضرمين طبقة ممتازة، فليس شعرهم الا استمرار للمذهب الجاهلي الذي لم‏يتاثر بالاسلام الا تاثرا عرضيا (سلبيا) كضعف الاسلوب في شعر حسان، او قلة الانتاج في قريحة لبيد، او كثرته عند الحطيئة والنابغة الجعدي مثلا، وعلى هذا الاساس فان الشعر العربي ظل في الجاهلية والاسلام واحدا في مظهره وجوهره ونوعه حتى اواخر عهد بني امية‏» (32) .

ولعل مفكري هذه الفئة - الذين يستبعدون الاثر الايجابي للاسلام على الشعر - يمضون في هذا الراي الى نهايته، فيرون انه «من العبث ان تتكلف البحث العقيم في القرن الاول عن مذهب شعري جديد، يصح ان يكون اساسا لادب عربي جديد، وحتى مذهب عمربن ابي ربيعة في الغزل، لايختلف عندهم عن مذهب امرئ القيس الا قليلا». (33)

ونلاحظ متابعة الدكتور عبدالقادر القط هذا الراي في كتابه في الشعر الاسلامي والاموي) فانه وان كان يخلص الى ان القران الكريم لم‏يصدر حكما بعينه على الشعر، ولم‏يتخذ منه موقفا خاصا، وانما نفى عن النبي مرة بعد اخرى، ان يكون شاعرا من الشعراء وان تكون رسالته كرسالتهم، فانه - على الرغم من ذلك - يرى ان هذا الموقف الاسلامي من الشعر لم‏يحل بينه وبين الضعف الفني الذي يغلب على شعر هذه الفترة الذي فقد في معظمه، وبخاصة الشعر السياسي، مافي العصر الجاهلي من خيال حي، واقتدار لغوي والتصاق بالطبيعة (34) ويعلل الدكتور القط هذا الضعف بصعوبة تكيف الشعراء مع القيم الجديدة الروحية والاجتماعية، وماتجعله من مظاهر التغيير في الاخلاق والسلوك، فلم‏يكن من اليسير على شاعر قضى الجانب الاكبر من حياته في الجاهلية بانه يوجد لنفسه اسلوبا من الشعر يحسن التعبير عن تلك القيم والقضايا الجديدة، ويحتفظ في الوقت نفسه بتلك الخصائص الفنية التي نمت وتطورت في ظل مجتمع مختلف في قيمه وقضاياه (35) ويتجلى ذلك بصفة خاصة في انتاج شعراء المسلمين الذين اتصلوا بالصراع بين المسلمين والمعارضين للدين الجديد، على عكس الشعراءالاخرين الذين كانوا اقل انغماسا في تلك الحروب الكلامية، والذين مضوا يقولون الشعر على طريقته الجاهلية‏». (36)

ومن كل ذلك يخلص الدكتور القط الى ان «الضرورة العامة للشعر في صدر الاسلام تقوم على حقيقة حضارية معروفة، هي ان هناك بالضرورة تداخلا بين فترات التاريخ الحاسمة، وانه لايمكن ان يكون هناك حد فاصل بين فترة والتي تليها وبخاصة حين يتصل الامر بمقومات نفسية بعيدة الغور في نفوس اصحابها، او بقيم فنية اصبحت تقاليد موروثة لايمكن الخلاص منها فجاة، او الاهتداء الى غيرها من قيم جديدة، لذلك كان لابد ان يظل هناك امتداد ما للشعر الجاهلي في شعر ذلك العصر، على اختلاف في المظهر والدرجة‏». (37)

ومن الباحثين الذين اشادوا بهذه النظرية الدكتور عبدالعزيز الكفراوي الذي يتفحص عن الاثار التي تركها الاسلام جميعا او بعضها في الشعر العربي، ثم يقرر «اننا ننظر هنا وهناك فلانرى شيئا، اللهم الا مفردات او شبه مفردات اقتبسها من القران الكريم حسان واخوانه من شعراء الرسول في ردودهم على شعراء قريش، وهي ردود لاتكاد تختلف عن الهجاء الجاهلي في قليل ولاكثير، فاين روح الاسلام وتسامحه؟ واين صرخاته المدوية في سبيل العدل والمساواة؟ الم‏ياخذ كل ذلك طريقه الى شعراء الصدر الاول للاسلام؟». (38)

كل هذه الاسئلة التي يثيرها الدكتور الكفراوي لاتجد لها من اجابة الا بالسلب، وفي هذا دلالة على مواقفه الواضحة من ان الشعر في صدر الاسلام قد تدهور مستواه، ومثل هذا الراي لايدل فقط على ان الاسلام لم‏يترك اي اثر في الشعر في هذه الفترة، بل يتعدى ذلك الى اثبات حقيقة ان الاسلام تسبب في اضعاف مستوى الشعر في هذه الفترة التي نحن بصددها، وبرر الدكتور الكفراوي ذلك بقوله: «لعل روح الدين الجديد - الذي ينهى عن التعظيم بالاباء ويحرم الخمر، وينفر من التعرض على احساب الناس بالهجاء واعراضهم بالتشبيب -... كان سببا في ضعف الشعر العربي وضعف الدوافع اليه والا فماذا يقول الشعراء في مدائحهم وقد صار ابوهريرة وابن‏مسعود وبلال وغيرهم المغمورون اكرم على الله وعلى الناس - بفضل تقواهم - من صناديد قريش و قادة العرب ثم في اي شي‏ء يخوض الشعراء، وقد حرمت اهم الموضوعات التي تثير الشعور وتعين عليه، من شرب وغزل وهجاء ونحوه، واذا كان الحطيئة قد زار السجن بسبب الهجاء، فان ابا محجن الثقفي قد زاره ايضا في سبيل عزل النعمان‏بن عدي عامل عمر على البصرة بابيات قالها فيه‏». (39) ودليل الدكتور الكفراوي على الضعف الذي لحق بالشعر بسبب الاسلام، يستمده من موقف الرسول من الشعراء وقد كان هذا الموقف رد فعل لموقفهم منه وهجائهم له باقذع الهجاء، فاعلنها حربا عليهم لاهوادة فيها ولامهادنة «فمنهم من قتل ومنهم من القى السلاح ورمى بنفسه بين قدمي الرسول عائدا تائبا» (40) .

ومضى القران الكريم يضع لهم تحديدا لمسيرتهم الشعرية، فردع الشعراء في اكثر من موضع، وقد رسم للشعر دستورا لايتعداه، ولايتخطاه في قوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون‏» (41) . وظاهرالاية الكريمة كما يرى الدكتور الكفراوي ان جميع اغراض الشعر في العصر الجاهلي لاتوافق الركب الاسلامي الجديد.

وقد التزم الصحابة بتلك الاية الكريمة حرفيا، فاقسم لبيد الله يقول شعرا، وقصر الشعراء الباقون مواهبهم على خدمة الدعوة الاسلامية برد هجمات قريش، وغيرها من المشركين، حتى اذا وضعت الحرب الادبية بين قريش والرسول اوزارها، لاذوا بالصمت.

من هذا، يظهر انكماش انفاس الشعر في مكة والمدينة وضعفت قوائم عرشه في باقي الجزيرة العربية (42) الا الموافق والمساند للفكر الادبي الاسلامي ولم‏تقنع باحث الادب هذه الادلة بل ولاالقوي منها لسهولة الرد عليها، والحق ان الادلة ليست مقنعة تماما، ويظهر ان موقف الرسول من الشعر والشعراء لايمكن ان نحمله على انه موقف العداء فقد كان لايعجز عن ترديد هذا البيت من الرجز في احدى غزواته:

انا النبي لاكذب انا ابن عبد المطلب (43)

وكما يحدثنا التاريخ الاسلامي وامهات الكتب الادبية ان للرسول الاكرم مواقف مشرفة اتجاه المجتمع الجاهلي وبالخصوص الشعراء كما خلع بردته على كعب‏بن زهير جائزة له على قصيدته التي استهلها بقوله:

بانت‏سعاد فقلبي اليوم متبول متيم اثرها لم‏يفد مكبول (44)

وهو ايضا الذي فك اسر ابي عزة الجمحي الشاعر المشرك، الذي اسر يوم بدر، بشرط ان لايعين عليه بشعره (45) وان كان الرسول قد امر بقتل كعب‏بن اشرف الشاعر اليهودي، فلم‏يكن سبب ذلك انه بكى‏قتلى بدر، بكاهم كثير من الشعراء، ولم‏يامر رسول الله بقتل واحد منهم مثل امية‏بن ابي الصلت، فانه بكاهم وحرض قريشا على ان تثار من المسلمين ليوم بدر وكل مافعله النبي اشتهر بانه «كان كثير الاستشهاد بشعر امية‏بن ابي الصلت، لما فيه من معان حكيمة ونظرات دينية صائبة‏» (46) وقال عن شعره: «ان كاد امية ليسلم‏» (47) ، «وقصص الرسول مع كل من قيس‏بن الخطيم، والعلاءبن الحصين، والخنساء وقتيلة بنت النضربن الحارث، وعمربن سالم، ووغدبن تميم... الى اخره‏» (48) كل ذلك يثبت ان موقف الرسول لم‏يكن رافضا للشعر عامة ومعرضا عن الشعراء اجمعين «فهو يقبل على ماحسن ووافق من الاشعار الجاهلية مالم‏يتضمن ماينافي روح الاسلام وتعاليمه وادابه‏» (49) فقد روى عن النابغة الجعدي انه وفد على الرسول فانشده شعره الذي يقول فيه:

بلغنا السماء مجدا وسؤددا وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا

فقال له النبي: الى اين اباليلى؟ فقال: الى الجنة، فقال النبي: ان شاء الله.

فلما انتهى الى قوله:

ولاخير في حلم اذا لم‏تكن بوادر تحمى صفوة ان يكدرا

«قال له النبي: لايفض الله فاك فعاش مائة وثلاثين عاما» (50) وفي ذلك دلالة واضحة على تقبل الرسول للشعر وحسن استماعه له مالم‏يتعارض مع القيم الدينية.

والادلة مستفيضة في كتب الادب على ان الرسول الكريم كان يعرف للشعر قيمته وتاثيره «فهو كثيرا ماكان يستنشد الصحابة الشعر» (51) كما انه كان يسمع الغزل ولاينكره من حاد يحدو.

طاف الخيالان فهاجا سقما خيال لبنى وخيال تكتما

قامت تريك خشية ان تصرما ساقا بخندلة وكعبا ادوما (52)

بل اكثر من ذلك، فانه - عليه الصلاة والسلام - كان قادرا على ان ينظم بعض الابيات ويرتجزها حينما تدعو الى ذلك ضرورة ومن ذلك ان ابا سفيان كان ينادي في اثناء معركة احد:

اعل هبل... اعل هبل.

فياتيه جواب الرسول بصوت عمربن الخطاب: الله اعلى واجل.

فيقول ابوسفيان: لنا العز، ولاعزى لكم.

فيامر الرسول ان يجاب:

«الله مولانا ولامولى لكم‏» (53) .

وعند دخول عساكر المسلمين مكة المكرمة اخذ الراية سعدبن عبادة الانصاري ونادى‏مرتجزا:

«اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة‏».

فامر النبي ان ياخذ الراية علي‏بن ابي طالب وينادي:

«اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرمة‏» (54) .

اما فيما يتعلق بما ذكره الدكتور الكفراوي من موقف القران الكريم واثره على الشعر، «فان الاية الكريمة التي ذكرها لاتقصد الى تهجين الشعر بعامة وذم الشعراء اجمعين، فالمراد بالشعراء المذمومين في الاية، الشعراء المشركون الذين يتبعهم غواة الناس وسفهاؤهم‏» (55) .

ولعل مثل هذا الفهم للاية الكريمة يستقيم مع ماذهبت اليه الدكتورة عائشة عبدالرحمن «من ان الرسول لو فهم من هذه الاية مثلما فهمه اولئك النقاد الذين يتخذونها دليلا على معاداة الاسلام للشعر، لما لجا الى تشجيع الشعراء وندبه لهم لنصرته‏» (56) وهو فهم قريب لما ذهب اليه الدكتور شوقي ضيف،الذي يرى «ان القران الكريم انما يهاجم الشعراء الوثنيين، اما الذين اتبعوا هديه وامنوا برسوله فانه يستثنيهم، بل ان الرسول ليدفعهم دفعا الى نصرته، اذ يقول لحسان‏بن ثابت: «اهج قريشا فوالله لهجاؤك عليهم اشد من وقع السهام في غلس الظلام; اهجهم ومعك جبريل روح القدس‏»، ومن البديهي ان حسانا عندما اعتنق الاسلام كدين وترك الجاهلية فلابد ان يلبس العقيدة الجديدة، ويعتنقها بكل نواياها بذلك هو يصورها ويتمثل بها بقدر ماتتجسد في نفسه (57) .

والدكتور شوقي ضيف هو احد الذين يرون «ان تاثير الاسلام على الشعر يتمثل في تدهور وضعف ذلك الشعر، او على الاقل تسبب في «كلاسيكية‏» وتجمده، فهو مثلا يورد «كلاسيكية‏» حسان‏بن ثابت في اشعاره الاسلامية وكذلك «كلاسيكية‏» كعب‏بن مالك، الى ان المعاني الجاهلية القديمة كانت متمكنة من نفسيهما وقد وجه الرسول نفسه حسانا هذه الوجهة، اذ قال له: «اذهب الى ابي بكر فليحدثك حديث القوم وايامهم واحسابهم، ثم اهجهم وجبريل معك‏» (58) وقد ادى ذلك كما يرى الدكتور شوقي ضيف الى انه «لم‏يحدث انقلاب في هجاء المسلمين للمشركين بتاثير الاسلام، الا في حدود ضعيفة ويتضح ذلك بالمقارنة بين هجائهم ومثالية القران الكريم في الهجاء، فهو لايقذف في الاعراض ولايتوعد بغارة تسبى فيها الاطفال والنساء وتسيل الدماء، وانما يتوعد بعذاب النار». (59)

والمفهوم من الفكر الجديد جاء مصلحا للمجتمع الجاهلي ومغيرا لمفاهيمه البالية، مفعما بالاخلاق العالية والمثل القيمة التي فيها انقاذ للبشرية من الظلمات الى النور، فلايمكن لمثل هذه القيم ان تجدد محن الجاهلية وايامها البالية وعنعناتها القبلية بل تمحو كل ذلك بفتح سجل جديد لهذا المجتمع ولغيره.

ويبدو من هذه الاراء ان الدكتور شوقي ضيف اميل في كثير من الاحيان الى التقليل من اثر الاسلام في الشعر في هذه الفترة، فهو يلاحظ في استقرائه لفن الهجاء «ان هجاء حسان‏بن ثابت وشعراء الرسول لقريش وشعرائها ظل غالبا في حدود الصورة الجاهلية القديمة الا خيوطا اسلامية متناثرة ولكنها لم‏تؤثر في النسيج العام تاثيرا واسعا» (60) ، وهذا امر يلاحظه الدكتور شوقي ضيف في فن المديح خاصة في بردة كعب‏بن زهير (61) «وعلى الرغم من ان الاسلام عمل على ضعف الشعر، فاننا يمكن ان نستشف ذلك من بين السطور بطريقة غير مباشرة، وخاصة عندما يؤكد على التهوين والتقليل من اثر الاسلام على الشعراء، وعندما يقسمهم الى شعراء لم‏يتاثروا بالاسلام كالحطيئة‏» (62) ، «والى شعراء بهم خيوط اسلامية كالشماخ‏بن ضرار الذبياني، ولبيدبن ربيعة والنابغة الجعدي، وسويدبن كاهل وعبدة‏بن الطيب‏» (63) وعلى كل حال فان تصنيف اراء الدكتور شوقي ضيف ضمن اراء الفئة القائلة بان الاسلام عمل على اضعاف الشعر في الفترة المبكرة، هذا التصنيف ينطوي على مغامرة ينبغي التحرز منها; ذلك لان الدكتور شوقي ضيف يعود في مؤلف اخر فيثبت للاسلام اثرا قويا على الشعر، ويجعله سببا من اسباب ازدهاره الى درجة يقترب كثيرا من التناقض والتردد بين الموقفين، مثلما نلاحظ في تاكيده على: «ان الشعر لم‏يتوقف ولم‏يتخلف في صدر الاسلام‏» (64) ، «بل انه ظل مزدهرا دون ان يعترضه ضعف او توقف‏» (65) ، بدليل انه لايوجد في العصر حدث كبير الا وكان الشعر يواكبه ويرافقه بدءا من جهاد الرسول لنشرالاسلام في الجزيرة العربية، وجهاد ابي بكر في محاربة اهل الردة الى احداث الفتوح الاسلامية واحداث فتنة عثمان وماتلاها من حروب وفتن، والحروب التي حدثت في خلافة علي اميرالمؤمنين كالجمل وصفين والنهروان وغيرها من الاحداث، خلقت‏سوقا جديدا للشعر في هذه المحن، لعل هذه الاحداث نجدها على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف: «ماثلة على السنة الشعراء الذين استضاءوا في تصويرها الى حد كبير بالاسلام وهديه الكريم‏» (66) ، ولم‏تقف حماسة الدكتور شوقي ضيف لفكرة ازدهار الشعر في صدر الاسلام عند هذا الحد، بل نراه يتجاوز ذلك الى تنفيذ اراء القائلين بغير ذلك من المفكرين، على نحو مافعل مع ابن خلدون في مقدمته التي نوه فيها الى «انصراف العرب عن الشعر وانشغالهم عنه في اول الاسلام‏» (67) ، ولاشك ان مثل هذه الاراء لاتتفق ولاتتسق مع ماجاء في كتاب التطور والتجديد في الشعر الاموي، الذي اشرنا اليه انفا، وفي مقابل ذلك ظهرت بعض القبائل عند اعلان الاسلام انظموا اليه بدون اي ضغط او تكليف وذابوا في بودقة الفكر الاسلامي الجديد، ولعل القائلين بمثل هذه الاراء يستندون في ارائهم تلك الى حقيقة نلمسها كثيرا في بحوث وكتابات دارسي الحضارة الاسلامية، ويؤدي هذه الحقيقة «ان انتقال العرب من الحياة الجاهلية بجميع مقاوماتها الى حريات الاسلام بمقوماتها الجديدة لم‏يكن انتقالا سهلا حتى في عهد الرسول نفسه‏» (68) ، «فها هي ذي قبيلة بكر مثلا تطلب من الرسول ان يمهلها حتى تغير على قبيلة تميم ثم تعتنق الاسلام، وهذا يصور بوضوح تمسك العرب في عاداتهم القديمة وانهم لم‏يتحولوا عنها الى شعور انساني عام الا بعد جهاد طويل عنيف‏» (69) .

ب) الاراء التي تقول بانها لااثر للاسلام على الشعر في عصر صدر الاسلام:

وهم الفريق الذي يقول بنفي هذا الاثر في ذلك العصر المبكر للاسلام او باثبات اثر ضئيل لايكاد يذكر ولايتناسب مع ماقام به الاسلام من تحول جذري في مجتمع العرب، اما الاثر الرئيسي الذي لحق بالشعر بسبب الاسلام، فمعظم اصحاب هذا الفريق يؤجلونه الى العصر الاموي او العباسي، او بالتحديد الى الزمن الذي تطور ونمافيه الاتجاه العذري في الغزل.

وقد تاخر ظهور الاثر الاسلامي في الشعر بسبب عدة عوامل يصورها بعض الباحثين «بان التقاليد الشعرية الجاهلية كانت ذات قوة واثر جارف‏» (70) ، او «بانه من البديهي لن‏ينتهي عصر من العصور الادبية في وقت محدد، ويبدا عصر ثان في وقت اخر معلوم على نحو ماتقوم الدولة في التاريخ السياسي بين يوم وليلة، ويحدث الانقلاب في نظام الحكم بين لحظة واخرى‏» (71) .

ولعل هؤلاء الباحثين يقيمون رايهم على هذا التمايز النوعي - وليس الفصل التام - بين التاريخ الادبي والتاريخ السياسي، وهم لاشك محقون بذلك اذ اننا لانطمح ان نتوقع من الشعر خاصة والادب عامة، ان يساير زمنيا المراحل التاريخية او العصور السياسية، صحيح ان هناك ارتباطا بين الادب والتاريخ، بين الشعر والسياسة، بين الفن والواقع، ولكن هذا الارتباط ليس اليا او مباشرا، وهذا يختلف مع الراي القائل انه للفن الذي يصور لنا كل حالات المجتمع فهو بهذا مساير لكل حركات المجتمع، رسما لحروبهم ومناسباتهم; فهو في كل الاحوال الة تلتقط صورا للمجتمع تواكب احداثه المتغيرة، فنلاحظ حادثتي الغدير وحجة الوداع، ولقد سجلها الشعراء بقصائد خلدها التاريخ.

وقد كتب الاستاذ يحيى الجبوري بحثا كاملا عن شعر المخضرمين واثر الاسلام فيه (72) انتهى الى ان «شعر المخضرمين بقى في غالبه محافظا على سيرته الجاهلية واسلوبه، متمسكا بالمثالية التي كان يصدر عنها الشعر قبل الاسلام‏» (73) ، «والباحث لايكاد يجد اثرا للاسلام في شعر المخضرمين الا في بعض القصائد والمقطوعات التي صدرت عن شعراء المنية بالذات; اما من حيث عموم الشعر، فالنهج الجاهلي هو السائد في اساليب الشعراء في المديح والهجاء والفخر والرثاء» (74) وفي راي الباحث فان «شعر المشركين لم‏يعكس اي اثر للدين، فهم لم‏يحاولوا محاربة المسلمين بالتهوين من امر دينهم، ولم‏يسفهوا اراءهم وكذلك الامر بالنسبة لشعراء اليهود حيث لم‏يكن في شعرهم اثر للدين، او رد على المسلمين، بينما كان من المتوقع ان يعكس شعر اليهود بعض المثل الدينية التي يثيرها اجيالهم‏» (75) .

ويرجع الباحث السبب في عدم تاثير شعر المخضرمين عامة بالاسلام الى عدة اسباب، منها: «ان عصور الانتقال عادة لاتسمح بابراز ظواهر جديدة في الفن الا بعد فترة تستقر فيها النفوس وتتفتح الاذهان على‏متطلبات العهد الجديد» (76) وكذلك «فان الشعراء ماكان بوسعهم ان يتخلصوا بسهولة من الطريقة التي الفوها في نظم الشعر وصياغة المعاني التقليدية في نفس الوقت الذي لم‏يكونوا فيه ليستوعبوا ويدركوا ادراكا عميقا واضحا المبادئ والقيم الدينية، بحيث تؤثر في سلوكهم ونظرتهم للناس وللحياة وللشعر ايضا» (77) ; «اما عن عدم تاثر شعراء المشركين واليهود بالدين، فالباحث‏يرجع ذلك الى فقدان النصوص وطمسها من التاريخ الادبي‏» (78) .

ويبدو ان شعر حسان‏بن ثابت في الاسلام الذي داخله الضعف واللين في هذه الفترة، على النحو الذي يروى عن الاصمعي اذ يقول: «الشعر نكد بابه الشر، فاذا دخل في الخير ضعف، هذا «حسان‏بن ثابت‏» فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الاسلام سقط شعره‏» (79) فهذا كان الدليل القاطع عند هؤلاء الباحثين، القائلين بعدم تاثير عصر صدر الاسلام في الشعر، على مايقولون من اراء، فهذا باحث اخر هو الدكتور محمدحسين، يؤكد «ان شعر حسان الاسلامي في جملته لايصور عاطفة صادقة، ولايظهر فيه اثرا للحياة الاسلامية الجديدة، ولايبدو ان صاحبها قد تاثر بها ادنى تاثير». (80)

ويلجا الدكتور محمدحسين الى اثبات وجهة نظره عن طريق دراسة فنية لشعر حسان، حيث‏يرى فيه كثيرا من الضرورات التي تعبر عن شعر مرتجل قيل على عجل، ولم‏يعتن صانعه باحكامه، ولم‏يكلف نفسه عناء مراجعته (81) .

ويقسم الدكتور محمدحسين، شعر حسان‏الى قسمين اثنين: «فهو في الاول ياخذ معاني القران فيديرها في راسه ثم ينظمها نظما فاترا بعيدا كل البعد عن القلب والوجدان والامتزاج بالنفس‏» (82) ويحشد الباحث امثلة كثيرة على هذا النوع من شعر حسان الذي يسميه: «بالنظم الفاسد لايات القران الكريم، والفاظه، ويؤكد ان هذا النوع من الشعر لاتكاد تخلو منه قصيدة من قصائد حسان الاسلامية الطوال‏» (83) اما القسم الثاني من شعر حسان: «فهو شعر اسلامي جيد، ولكنه يخلو من كل اشارة للاسلام او تاثر بتعاليمه، فهو شعر انشاه حسان على غرار الطريقة الجاهلية‏»، (84) وبذلك فان الدكتور محمدحسين يرى عن طريق دراسته لحسان، شاعر صدر الاسلام الاكبر، انه لااثر للاسلام في شعره، وان شعره الجيد هو الشعر الذي لم‏يتاثر بتعاليم الاسلام وقيمه، لو فرضنا ان الاسلام هو رجع الى الجاهلية، اي في الفترة التي اصبح الشعر بها قمة من الجمال، لوجدنا لانشغال المجتمع الجاهلي بالدين الجديد ومفاهيمه القيمة فيذوب الفرد الجاهلي وشاعرهم بذلك ويكون مايمكن ان ينسج من الشعر هو الذي نسجه حسان لااكثر من ذلك، بذلك يكون من فحول شعراء العصر الجاهلي، هم لايتقدمون على حسان‏في مستواهم الشعري وهناك وجهة نظر قيمها كبار المستشرقين وخاصة «كارل بروكلمان‏» الذي كان يرى: «ان اكثر شعر حسان قريب الالفاظ الى حد الابتذال، ولايصل الى مستوى حد رفيع وانما يرجع فضل انتشاره والتعلق به في الازمنة المتاخرة الى غرضه العظيم الاهمية وهو مدح النبي‏» (85) . والمستشرقون في اغلب الاحيان يرون ان الاسلام جنى على الشعر، من ثم فلابد ان يروا في شعر حسان وغيره من الشعراء المسلمين الاوائل، شعرا غير ذي قيمة حتى تتسق اراؤهم، فهذا «بروكلمان‏» ايضا يرى: «ان الرسول كان شديد الكراهية للشعر والشعراء» (86) . وهاهو «جرونياوم‏» يتجاوز شعر صدر الاسلام الديني كله، لكي يرى ان نهاية الطراز الجاهلي للقصيدة قد تاخرت الى عصر ابي ذؤيب الهذلي، ويستشهد ببيته الذي يعبر عن الامل ويقرن الماضي بالمستقبل:

يابيت‏خشاء الذي يتحبب ذهب الشباب وحبها لايذهب (87)

ونلاحظ الدكتور محمد مصطفى هدارة بعد بحث مفصل يؤكد: «ان طريقة التجديد في الشعر العربي قد بدات تتبلور في العصر الاموي وتاخذ شكلا جديا قرب نهاية القرن الاول الهجري، وذلك بتاثير العوامل المختلفة في شكل حياة المجتمع الاسلامي تاثيرا خطيرا» (88) والدكتور هدارة يرى: ان عصر صدر الاسلام كان خاليا من التجديد; لانه يرغب الى الميل لان يجعل ذلك التجديد والتطور في الشعر في العصر الاموي. ومن الواضح: لم‏تكن هذه الا ثمرة لبذور الحياة الجديدة التي نبتت في القرن الاول الهجري، الذي كان عصر حضانة واستعداد للتطور الشامل الهائل الذي حدث في حياة المجتمع الاسلامي وادابه في القرن الثاني (89) .

ولا اريد هنا ان استطرد في سرد شتى الاراء، ولم‏اقصد الا الى ايراد نماذج معبرة عن الاتجاهات، ولم‏يكن الهدف حصر كل ماينطوي تحت هذه الاتجاهات من اراء، فذلك الحصر بعيد عن موضوع دراستنا.

وانما اردت ان اعد لموضوع هذه الدراسة عن ابي الاسود الدؤلي، بالتساؤل عما اذا كان الاسلام قد اثر في الشعر العربي، ونلمس مدى هذا التاثير ان كان قد ثبت واستعرض اراء المؤيدين والمعارضين.

ولعل استعراضنا لاراء الفريقين السابقين، وهما الفريق القائل بان الاسلام اثر في الشعر تاثيرا سلبيا عند فئة من هذا الفريق، وتاثيرا ايجابيا عند الفئة الاخرى، والفريق الثاني القائل: بنفي تاثير الاسلام في الشعر في عصر صدر الاسلام، لعل هذا الاستعراض ان يكون الغرض الذي اريد له جانب العلاقة بين التاريخ السياسي والتاريخ الادبي. بعد البحث والاطلاع في امهات كتب الادب، وجدنا اراء متباينة في قضية الصلة بين العصور والاحداث التاريخية، وهذه قضية ادلى الباحثون باراء متباينة فيها، وادى ذلك الى وجود عدة خطوط لعصور الادب العربي، اختلف فيها علماء الادب، كل علق حسب موقفه من قضية الصلة بين العصور الادبية والاحداث التاريخية، اي: بين الادب والتاريخ والسياسة، فجرجي زيدان - مثلا - يقسم تاريخ الادب حسب العصور السياسية، فكل عصر من العصور الادبية ليس له الا ان يساير العصر السياسي الذي يحاذيه من التاريخ العام، ونرى الاستاذ مصطفى الرافعي يعارض مثل هذا الربط بين الادب والسياسة.

والدكتور طه حسين في كتابه الادب الجاهلي يتابع الرافعي ايضا في معارضة النظر الى الادب، باعتبار العصور السياسية التي ظهر فيها، والتي على اساسها، يتفرع الى ادب جاهلي واسلامي وعباسي. (90)

اما عند المستشرقين فنجد ان بلاشير يرفض ربط التاريخ الادبي بالتاريخ السياسي (91) ، فالعصر الادبي للجاهلية عنده يمتد حتى منتصف القرن الاول الهجري، وهي الفترة التي تشمل الجاهليين والمخضرمين جميعا (92) وذلك مانجده ايضا لدى بروكلمان (93) .

ونلاحظ ان اكثر علماء الادب يذهبون الى عدم فصل العصور التاريخية بالسياسية، لان العصر الادبي هو لسان حال العصر السياسي في كل فترة زمنية، والحق: ان قضية‏التاريخ الادبي والتاريخ السياسي ومدى‏صلتهما، يجب ان تؤخذ على اساس ان‏هذه الصلة التي تربطهما قد تكون مباشرة حينا وغير مباشرة حينا اخر، ومن ثم فان‏مظاهرها قد لاتتجلى لاول وهلة، فهي غالبا ما، تحتاج الى زمن تختمر فيه وتنضج‏وتتبلور، واذا طبقنا على ذلك صلة الاسلام بالشعر والادب، نجد ان تاثير الاسلام اخذ يقوى ويمتد في الادب مع الزمن منذ انتشار الدين وامتداد تيار الفتوح، وقد كان عصر البعثة النبوية هو الذي شهد اوائل ذلك واصوله التي تنهض دليلا يفصل‏مابين عصر البعثة النبوية والجاهلية من ناحية، ويبدا به العصر الاسلامي من ناحية اخرى (94) .

العوامل المكانية والزمانية

ونحن اذا مااخذنا في الاعتبار، طبيعة هاتين الصلتين - العصر التاريخي والعصر الادبي - على اساس انها غير مباشرة، ومحكومة بعامل الزمن، واضفنا الى ذلك الاعتبارات الجغرافية والمكانية والاجتماعية، ثم نظرنا الى تاثير عصر صدر الاسلام في الشعر، على ضوء هذه الاعتبارات جميعا لاستقامت لنا نظرة اقرب الى الموضوعية والشمولية، وبالتالي الى الحقيقة، ولعل هذا ماكان يقصده الدكتور صلاح‏الدين الهادي في قوله: «لكي نحكم على هذا الشعر حكما صائبا او قريبا من الصواب; ينبغي ان ننظر اليه بمختلف البيئات المكانية والزمانية التي تفاوت فيها بين القوة والضعف، نظرا للظروف التي احاطت في كل بيئة من هذه البيئات‏» (95) .

ومثل هذه النظرة تجعلنا نفرق بين شعر البادية، الذي كان ولايزال يعبر عن حياتها، بكل مافيها من خير وشر، بعيدا عن اثر الاسلام (96) وبين شعر الحواضر، مثل الحجاز ومكة والمدينة والطائف، وهو شعر تاثر بعضه بالاسلام ووقف الرسول الى جانب طائفة من شعرائه (97) .

ثم نفرق بين هذين وبين شعر الفتوح، حيث نجد ان الفتوح الاسلامية كانت فاتحة خير على الشعر في هذه الفترة، فقد اذكت جذوة الشعر واطلقت الالسن من عقالها، بما وقعت امامهم من مواقف شبيهة بالمواقف التي الفوها والفها الشعر في الجاهلية، مع اختلاف دافعها اختلافا كبيرا (98) .

وربما لاينسجم هذا الراي في شعر الفتوح مع مااورد محمدبن سلام الجمحي عن عمربن الخطاب من ان «الشعر كان علم قوم لم‏يكن لهم علم اصح منه، فجاء الاسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهو عن الشعر وروايته‏» (99) ، ولكن النصوص الغزيرة التي وصلتنا من شعر الفتوح، تجعلنا نفهم عبارة عمربن الخطاب السابقة، على نحو لايجعل منها تقييما لشعر الفتوح، فهي في الاغلب الاعم تقييم لالوان الشعر وفنونه الاخرى التي كانت‏سائدة في الجاهلية، والتي تشاغلت عنها العرب في ظل الاسلام، ثم في ظل الفتوح فيما بعد، وهذه حقيقة يؤكدها مرة اخرى ابن خلدون في مقدمته. (100)

من الرجز

انا اتينا وقد طال السفر نقود خيلا ضمرا فيها ضرر

نطعمها اللحم اذا عز الشجر والخيل في اطعامها اللحم عسر

ياقوم اني رجل عندي خبر الله من اياته هذا القمر

والشمس والشعرى وايات اخر (101) .

ويتضح اثر الاسلام القوي في شعر النمربن تولب في مواضع اخرى من ديوانه ونسوق هنا هذا النموذج:

اعذني رب من حضر وعي ومن نفس اعالجها علاجا

ومن حاجات نفسي فاعصمني فان لمضمرات النفس حاجا

وانت وليها وبرات منها اليك وماقضيت فلاخلاجا

وانت وهبتها كوما جلادا ارجى النسل منها والنتاجا

فلست‏بحارم الاضياف منها وجاعل دونهم بابي رتاجا (102)

ومن هؤلاء الشعراء ايضا سحيم‏بن عبد بني الحسحاس الذي ادرك النبي ويروي: ان النبي تمثل بشي‏ء من شعره (103) وهو الشطر الثاني من ذلك البيت:

عميرة ودع ان تجهزت غاديا كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا

وقد قال ابن حبيب: ان سحيما انشد رسول‏الله قوله:

الحمد لله حمدا لاانقطاع له فليس احسانه عنا بمقطوع

فقال الرسول: «احسن وصدق، وان الله يشكر مثل هذا، ولئن سدد وقارب، انه لمن اهل الجنة‏» (104) .

ولعل هذه النماذج وغيرها كثير في شعر صدر الاسلام تنهض دليلا كافيا ومقنعا على اثر الاسلام في الشعر، وهو الاثر الذي لاحظنا ان بواكيره بدات مع بدايات البعثة النبوية، ثم اخذ يتغلغل ويزداد ويتضح بمرور الوقت الكافي لثبوت الاسلام في نفوس العرب.

الخلاصة

اريد ان استخلص من كل ذلك: ان عصر صدر الاسلام قد شهد بداية التحول نحو شعر اسلامي جديد، صحيح انه شعر يستلهم البناء الفني للقصيدة الجاهلية من ناحية اللغة والايقاع الذي يجري على نفس البحور القديمة، ولكنه من ناحية اخرى شعر يتحرك احيانا كثيرة داخل مضامين اسلامية خالصة، وهي مضامين اضافت الى لغة الشعر تعبيرات لغوية مستقاة من القران الكريم، او مستندة الى المبادئ الاسلامية في كثير من الاحيان، كما يبدو عند غالبية الشعراء المخضرمين وسنلاحظه بعد قليل، وعلى ذلك فلاارى لسقوط عصر صدر الاسلام من حساب تاريخ الادب العربي، على نحو مااسقطه ابوالقاسم الشابي حين قسم تاريخ الادب العربي الى اربعة: الدور الجاهلي والدور الاموي والدور العباسي. والدور الاندلسي. واذا كان هذا الفريق من المؤرخين والكتاب يستند في اسقاطه لعصر صدر الاسلام الى الدعوى القائلة بمهاجمة القران والرسول للشعر، فانني اريد ان اؤكد على ان موقف القران الكريم من قوله تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون، الم تر انهم في كل واد يهيمون، وانهم يقولون مالايفعلون‏» (105) وموقف الرسول في الغض من الشعر احيانا كقوله: «لئن يمتلئ جوف احدكم‏قيحافيريه خير له من ان يمتلئشعرا» (106) اقول: «ان موقف القران الكريم وموقف الرسول انما يهدف الى تغيير الاخلاق وتبديل الطباع والانسلاخ من عبث الشعراء وتمزيقهم للاعراض وهتكهم للحرمات، لاالى نسيان الشعر والتجهم عليه والنفور من الشعراء» (107) وبذلك يكون الدين قد وقف من الشعر موقفا طبيعيا واضحا «فالشعر من حيث انه فن رفيع يعد من مقومات الحياة لايحظره الاسلام‏» (108) ، يتاكد لنا ذلك مما تواتر عن الرسول، من انه «كان يستحسن الشعر ويستنشده من اهله ويثيب عليه قائله‏» (109) ومن انه كان يقول:«ان من الشعر لحكمة، وان من البيان لسحرا».

واريد ان استخلص ثانيا ان دراسة اثر الاسلام في الشعر ينبغي الاتسقط في شرك التعميم، فتقع بذلك في سطحية الحكم الواحد، الجامع والمانع، بل هي دراسة ينبغي لها ان تراعي التمايزات بين بيئات الشعر في صدر الاسلام، - وهو مااشرت اليه منذ قليل -، متعلقا بالاعتبارات المكانية والزمانية، ومما هو جدير بالذكر: ان المستشرق نالينوكان ممن ادركوا هذه الحقيقة، فنراه يضم بين الوان الشعر في صدر الاسلام ويقسمه الى ثلاثة اقسام:

1. شعر مادحي الرسول ممن اسلموا او لم‏يسلموا، مثل كعب‏بن زهيروالاعشى ميمون‏بن قيس وحسان‏بن ثابت وغيرهم، ومعظم هؤلاء مناهل المدن.

2. شعر من رثوا الكفار وهجوا النبي من الشعراء المكيين مثل عبدالله‏بن الزبعرى وضراربن الخطاب النهري والحارث‏بن هشام‏بن المغيرة، وابي سفيان‏بن حرب وكعب‏بن الاشرف وغيرهم.

3. شعر من اسلموا ولم‏يهتموا في ابياتهم بامور النبي والدين، وهؤلاء معظمهم من اهل البادية، مثل متمم‏بن نويرة اليربوعي وابي محجن الثقفي وجرول ابن اوس (الحطيئة) والشماخ‏بن ضرار الذبياني وعمروبن معديكرب الزبيدي وابي خراش خويلدبن مرة وابي ذؤيب الهذلي وغيرهم (110) .

پى‏نوشتها:

1) د. يوسف خليف، حركات التجديد في الشعر العربي، ص‏29.

2) د. محمد عبدالسلام كفافي، الحضارة العربية، طابعها ومقوماتها العامة.

3) صلاح الدين الهادي، الشماخ‏بن ضرار الذبياني، ص‏19.

4) لطفي عبدالوهاب يحيى، العرب في العصور القديمة، ص‏34 - 35.

5) ابراهيم حداد، الحرية عند العرب.

6) الحجرات (49) الاية 10.

7) ديلاس اوليري، الفكر العربي ومكانته في التاريخ، ص‏75.

8) احمد فؤاد الاهواني: القيم الروحية في الاسلام ومجلة دراسات في الاسلام صدرها المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية، العدد 21، سنة 1962، ص‏39.

9) المصدر السابق، ص‏39 - 40.

10) د. احمد جلبي، التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية.

11) احمد جلبي، التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية، ج‏1، ص‏274 - 275.

12) د. سيد حنفي حسنين، حسان‏بن ثابت‏شاعر الرسول، ص‏114.

13) د. طاهر احمد مكي، دراسة في مصادر الادب، ص‏18، مصطفى الشكعة، معالم الحضارة الاسلامية، ص‏264.

14) المصدر السابق.

15) د. بدوي طبانة، نقد الادب العربي من الجاهلية الى نهاية القرن الثالث، ص‏63 - 64.

16) د. الطاهر، دراسات في مصادر الادب، ص‏15; بدوي طبانة، دراسات في النقد، ص‏64.

17) المصدر السابق، ص‏70.

18) المصدر السابق، ص‏66.

19) د. صلاح الدين الهادي، الادب في عصر النبوة والراشدين، ص‏248.

20) د. بدوي طبانة، دراسات في نقد الادب العربي، ص‏76.

21) عائشة عبدالرحمن، قيم جديدة للادب العربي القديم والمعاصر.

22) المصدر السابق، ص‏77.

23) المصدر السابق، ص‏75 ومابعدها.

24) انظر المصدر السابق، ص‏83، 88 ومابعدها.

25) المصدر السابق، ص‏66.

26) البيت هو:

يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب اذا عرد السود التنابيل

27) المصدر السابق، ص‏68.

28) المصدر السابق، ص‏83.

29) المصدر السابق، ص‏85.

30) المصدر السابق، ص‏89.

31) احمد حسن الزيات، تاريخ الادب العربي، ص‏104.

32) المصدر السابق، ص‏104.

33) المصدر السابق، ص‏104 - 105.

34) ابراهيم عبدالرحمن محمد، قضية الشعر، ص‏117.

35) المصدر السابق، ص‏117 و118.

36) المصدر السابق، ص‏118.

37) المصدر السابق، ص‏119.

38) محمد عبدالعزيز الكفراوي، الشعر العربي بين الجمود والتطور، ص‏38 - 39.

39) المصدر السابق، ص‏40 و41.

40) المصدر السابق، ص‏49.

41) الشعراء (26) ايه 244.

42) محمد عبدالعزيز الكفراوي، الشعر العربي بين الجمود والتطور، ص‏39 - 40.

ويضيف الدكتور طه الحائري الى جملة الاسباب التي صدرت عنها ظاهرة ضعف الحياة الادبية في فترة صدر الاسلام سببا اخر حيث‏يقول: «وشي‏ء اخر فقده الشعر وكان له اثره، ايا كان هذا الاثر فيه، وهو ماكان يجده من قبل، من تشجيع الملوك الرؤساء وتحفيهم به، واجازاتهم الشعراء عليه، فقد انتهى ذلك كله...» (انظر في نقد التاريخ والمذاهب الادبية، ص‏50)

43) جاك. س. ريسلر، الحضارة العربية، ص‏88.

44) ابن قتيبة، الشعر والشعراء، تحقيق وشرح احمد محمد شاكر، ط‏3، ج‏1، ص‏160 و162; وانظر شرح ديوان كعب‏بن زهير، صنعة ابي سعيد السكري، نسخة مصورة من طبعة دار الكتب، 1950م; ودلائل الاعجاز عبدالقادر الجرجاني، تحقيق وشرح محمد عبدالمنعم خفلجي، ص‏760.

45) محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، ص‏93.

46) د. صلاح الدين الهادي، الادب في عصر النبوة والراشدين، ص‏195.

47) المصدر السابق، ص‏196.

48) انظر: المصدر السابق، ص‏195 الى 202.

49) المصدر السابق، ص‏202.

50) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج‏1، ص‏139.

51) د. صلاح الدين الهادي، الشماخ‏بن ضرار الذبياني، حياته وعصره، ص‏16.

52) ابي الفرج الاصفهاني، الاغاني، ج‏20، ص‏347.

53) السيرة النبوية لابن هشام، نقلا عن الشعر ونضال الوحدة في صدر الاسلام، د، عادل البياتي، مقال في مجلة المستهل العربي، السنة الثالثة، العدد 17، يوليوا 1980م، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص‏38.

54) محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج‏2، ص‏354.

55) صلاح الدين الهادي، الادب في عصر النبوة والراشدين، ص‏191.

56) عائشة عبدالرحمن، قيم جديدة للادب العربي القديم والمعاصر، ص‏71.

57) شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الاموي، ص‏13.

58) المصدر السابق، ص‏15.

59) المصدر السابق، ص‏16.

60) المصدر السابق، نفس الصفحة.

61) المصدر السابق، ص‏17.

62) المصدر السابق، ص‏18.

63) المصدر السابق، ص‏19 ومابعدها.

64) شوقي ضيف، تاريخ الادب العربي، ص‏42.

65) المصدر السابق، ص‏42 و43.

66) المصدر السابق.

67) المصدر السابق، ص‏43.

68) شكري محمد عياد، الحضارة العربية، رقم 172.

69) خودابخش، الحضارة الاسلامية.

70) جوستاف جرونياوم، حضارة الاسلام.

71) د. سعيد حسن منصور،حركة الحياة الادبية بين الجاهلية والاسلام، ص‏66.

72) يحيى الجبوري.

73) المصدر السابق، ص‏348.

74) المصدر السابق، نفس الصفحة.

75) المصدر السابق، ص‏35 - 351.

76)77)78) المصدر السابق، ص‏349.

79) الشعر والشعراء، احمد محمد شاكر، ج‏1، ص‏311; وانظر: المرزباني، الموشح في ماخذ العلماء على الشعراء، ص‏63 - 65.

80)و81) م. محمد حسين، الهجاء والهجاءون ص‏213.

82)83)84) المصدر السابق، ص‏214 ومابعدها.

85) كارل بروكلمان، تاريخ الادب العربي، الترجمة العربية، ج‏1، ص‏153.

86) المصدر السابق، ص‏152.

87) جرونياوم، حضارة الاسلام، ص‏335.

88) د. محمد مصطفى هدارة، الشعر العربي في القرن الثاني للهجري، ص‏63.

89) المصدر السابق، ص‏99.

90) حركة الحياة الادبية بين الجاهلية والاسلام، ص‏75 ومابعدها.

91) المصدر السابق، ص‏90.

92) المصدر السابق، ص‏90.

93) كارل بروكلمان، تاريخ الادب العربي، ج‏1، ص‏36 - 37.

94) سعيد حسين منصور، حركة الحياة الادبية بين الجاهلية والاسلام، ص‏108.

95) صلاح الدين الهادي، الادب في عصر النبوة والراشدين، ص‏186.

96) المصدر السابق، ص‏202 وانظر ايضا: ص‏206 ومابعدها.

97) المصدر السابق، ص‏203، وانظر ايضا: ص‏220 ومابعدها.

98) المصدر السابق، ص‏282 ومابعدها.

99) محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، ص‏10.

100) صلاح الدين الهادي، الادب في عصر النبوة والراشدين.

101) نوري حمودي القيسي، شعر النمربن تولب.

102) المصدر السابق، 11/46 - 47.

103) ديوان سحيم عبد بني الحسحاس، التحقيق عبدالعزيز الميمني، ص‏5.

104) المصدر السابق، ص‏68.

105) الشعراء (26) الاية 224 - 226.

106) انظر: صحيح مسلم، ج‏7، ص‏50.

107) عبدالحميد المسلوت، نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي، ص‏85.

108) د. احمد الشايب، تاريخ الشعر العربي الى منتصف القرن الثاني الهجري، ص‏102.

109) الفاضل ابو العباس محمدبن يزيد المبرد، تحقيق عبدالعزيز الميمني، ص‏15.

110) نالينو، تاريخ الاداب العربية من الجاهلية حتى عصر بني امية، ص‏104 ومابعدها.